كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في اجتماع الخبراء لتقويم التقدم المحرز في التكامل الإقليمي والتعاون الاقاليمي

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

حضرة الأمينة التنفيذية للاسكوا الدكتورة ميرفت تلاوي،

حضرة الأمناء التنفيذيين للجان الإقليمية في الأمم المتحدة،

أيها الحضور الكريم،

يسرني اليوم أن ألتقي بكم حول هذه الطاولة المستديرة للتداول في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للتقرير المقدم من قبل الأمين العام للأمم المتحدة بعنوان "في بيئات أوسع للحرية". لقد حرصت على حضور هذه الجلسة الصباحية وأنا في خضمّ عملية تشكيل الحكومة العتيدة، إيماناً مني بمحورية مواضيع الإصلاح والتنمية والحق الإنساني، وتأكيداً على أهمية المنظومة الدولية في بلْورة هذه المفاهيم ونشرها حول العالم. وكلنا يسعى في النهاية إلى عالم أفضل تسوده قيم العدالة والمساواة والحرية والسلام، ونعمل كل من موقعه على توسيع "المساحات" للتلاقي والتحاور حول أفضل السبل لذلك.

الحديث كثير في الأمم المتحدة وحولها عن العولمة. وهي حقيقةٌ قلبت المقاييس وجعلتنا ننظر إلى شتى المواضيع بعيون أخرى، فلم تعد الحروب والكوارث الطبيعية والصحية بعيدةً عن أحد، ولم يعد الرخاء والوصول إلى المعرفة حكراً على أحد، فالأمر كما قال الروائي البريطاني تشارلز ديكنز في "قصة مدينتين" أنّ العصر عصرُ النور وعصر الظلام، وعصر الحرية وعصر الطغيان، وعصر التقدم وعصر التخلف، وعصر الحرب وعصر السلام.

لقد زالت حواجز الزمان والمكان نظرياً وارتسمت صورة عالم يتشارك في الضراء ويسعى إلى التشارك في السراء. كما أن العولمة حملت معها تعقيدات وحملت معها فرصاً مستجدة. وهي قد طرحت مشاكل لم تكن في الحسبان تتطلب مقاربات وطاقات أكبر لتذليلها. وهذه العولمة لا تعني فقط الترابط الجغرافي في عالم الاقتصاد والصحة وما شابه، بل هي ربطت المحاور الإنسانية بعضها ببعض، فصارت التنمية الاقتصادية مرتبطة بالأمن، وتلك مرتبطة بحقوق الإنسان. ولم يعد ممكناً الحديث عن مجتمع حرّ لا تتوفر لديه الفرص والإرادة بما يمكنه من أن ينعم بإمكانيات العيش الكريم من دون استثناء واحد منها.

ولبنان خير مثال على ذلك. فهذا البلد ، فسحة من الخضرة والروعة والتحرر الاقتصادي وحرية الصحافة والإعلام وتعدد الأديان والاعتدال والتفاعل الحضاري. وهو شاهد حي على أن الرخاء الاقتصادي من دون عدالة بين الناس لا يستقيم، كما أن الحرية من دون امن واستقرار يتعذر استمرارها. ومن جهة أخرى فان حرية التفكير والمعتقد لا يستقيم أمرها في المدى الطويل إلا إذا اتخذ النظام السياسي مضموناً اجتماعياً يتمثل في تامين النمو المستدام، وفرص العمل للناس وتحسين مستويات ونوعية عيشهم ومستقبلهم. لقد دفع هذا البلد الصغير ثمناً كبيراً لتصارع الخيارات والمفاهيم والمشروعات والأفكار على مرّ تاريخه المعاصر ومن حقه في المرحلة الجديدة التي نمر بها أن يملك قراره في الحرية والعيش الكريم والمستقبل الواعد.

لقد كان اللبنانيون بين مؤسسي منظمة الأمم المتحدة ومن واضعي شرعتها، وما تخلوا في أحلك الظروف عن المطالبة بدور الأمم المتحدة الفعّال في إرساء معاني السلم والأمن الدوليين. لذلك يريحهم أن تسعى الأمم المتحدة إلى الإصلاح في داخلها لتؤمن تمثيلاً أكثر عدالة ما بين الدول، وترفع الظلم الأمني والسياسي والاجتماعي عن كافة البلدان. نحن في لبنان والعالم العربي نعيش في منطقة غير مستقرة بفعل الاحتلال والفقر وضيق مساحات الحرية، وننظر دوماً إلى الشرعية الدولية لتنصف الضعيف وتُحقّ الحقّ وتُدافع عن إنسانية الإنسان وحرياته أينما كان. فهذه المنطقة التي عانت طويلاً تستحق الحياة والمشاركة في عالم أفضل. لا نستطيع قبول ما يحدث في العراق وفلسطين. ونستنكر بشدة اغتيال السفير المصري في العراق كما نستنكر أشدَّ الاستنكار ما حدث في لندن من تفجيرات واعتداء على الأبرياء.

إن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الإصلاح هو خطوة متقدمة لإطلاق الحوار الفعلي لمناسبة العيد الستين للمنظومة الدولية حول التحديات التي تواجه عالمنا اليوم، وهو يعيد موضوع الشرعية الدولية الى صلب النقاش، حيث تبدأ بالتغيير من الداخل وتواكبه من خلال إيجاد مساحات حوارية حوله.

كما تعلمون يتناول تقرير الأمين العام أو مشروعه للإصلاح والتغيير ثلاثة مجالاتٍ أساسية: مجال تجديد الفكرة العالمية والإنسانية للمؤسسة الدولية، ومجال التصدي للمشكلات الأساسية لهذا العصر وأهمّها الفقر، ونقص الموارد، والتوازن البيئي والسكاني، وعدالة التوزيع، وتحسين التواصل بين أجزاء العالَم. والمجال الثالث: الإصلاح الإداري الذي يكافح الفسادَ من جهة، ويجعل مؤسسات المنظمة الدولية، ووكالاتها وبرامجها المتخصصة أكثر قدرةً على التصدي للمشكلات العالمية.

نحن معنيون بالأمم المتحدة وجوداً وإصلاحاً. ومعنيون بأن نكونَ جزءاً من هذا العالَم بالمشاركة والمُصالحة والإسهام وقضاء الحقوق والواجبات.في هذا المجال تحتل بيروت بالفكرة وبالتجربة منزلة ً أردناها في السنوات الماضية ونريدها الآن أن تكون بيئة من بيئات التعاون الإقليمي. ومن اجل ذلك جاءت الأسكوا إلى بيروت، وسعينا من أجل شراكاتٍ وشبكاتٍ للتعاون على المستويين الرسمي ومؤسسات المجتمع المدني. وقد تحقق الكثير من التعاون، ونحن نتطلَّعُ إلى المزيد من التعاون والى التكامل مع المراكز الأخرى العربية والدولية.

لا نُريدُ أن نَخيفَ العالَم، ولا أن نخافَ منه. ونريد أن نتلافى مُشكِلاتنا بالإصلاح بمبادراتٍ ذاتيةٍ تتلاقى مع الأجواء العالمية. ولذلك فالأملُ كبيرٌ بالأمم المتحدة وبإصلاحاتها، وبتطوير قُدٌراتِها، وبعملها على التكامل والتعاون الإقليمي.

أشكر لكم حسنَ استماعِكُم، متمنياً لكم التوفيقَ في أعمالِكُم.

تاريخ الخطاب: 
07/07/2005