رد الرئيس فـؤاد السـنيورة على مداخلات النواب في نهاية جلسات مناقشة البيان الوزاري للحكومة

دولة الرئيس،
حضرات السادة النواب،
استمعتُ، كما استمع زملائي في حكومة "الإصلاح والنهوض" طَوالَ اليومين الماضيين إلى مداخلات السادة النواب من مختَلَف الكُتَل في المجلس الكريم. وأنا أشكُرُ، وليس على سبيل المجاملة أو الأدبيات السياسية، كلَّ الإخوة الذين تحدّثوا أو علّقوا أو حتى انتقدوا، فقد وردت في كثير من المداخلات إضافاتٌ تزيدُ من وضوح وفَعالية البيان الوزاري، أو وجهاتُ نظر إصلاحية وتغييرية تتطلبُ دراسةً جادّةً، مما يستدعي تحويلها إلى السادة الوزراء لتدخُلَ في برامج عملِهِمْ- وهذا ما سأقترحُهُ عليهم لإعداده على مساحة المئة يومٍ القادمة وفي المراحل التي تليها- أو تضمنت بعض المداخلات أخيراً، نظراتٍ في القضايا الوطنية ومتعلَّقاتِها الإقليمية والدولية، والتي لا بد من التأمُّل فيها في هذه المرحلة الحسّاسة والدقيقة التي يمرُّ بها وطنُنا، وتَمرُّ بها منطِقتُنا. إنها جميعاً مسائل هامة تتطلَّبُ مشاركةً من سائر المعنيين من اللبنانيين بالشأن العامّ الوطني والعربي والدولي.
وقد توافقونني الرأي على أنّ هذا ليس الوقت المناسب للدخول في مناقشةٍ وافيةٍ لآراء وطروحات الزملاء من الأنواع الثلاثة، وسأكتفي بتركيز وتوضيح الخطوط العامّة للبيان الوزاري في ضوء تلك المداخلات والطروحات، وبخاصةٍ أنّ بعضَ الإخوة النواب شكوا من كثافة البيان، وشكا البعضُ الآخَرُ من أنه يتضمنُ توجهاتٍ وليس سياسات، أو أنه، رغم طوله، أَغفل بعضَ الأمور.
إن هذا البيانَ الوزاريَّ هو أولاً إعلانٌ للشعب اللبناني وللعالم أجمع عن إرادة هذه الحكومة والتزامها وتصميمها على بدءِ مسارٍ جديدٍ من أجل الإصلاح والنهوض وتعزيز الديمقراطية نظاماً وممارسة. وبالتالي فإن هذا البيان يرسم بوضوح وإن بخطوط عريضة اتجاهات هذا المسار، دون أن يدخل في كل مجال في تفاصيل السياسات والبرامج التنفيذية. إن بعض هذه الإصلاحات يمكن أن تُنجز بسرعة، وبعضَها يحتاج لفترةٍ أطول والبعض الآخر وفي حالات معينة يحتاج تنفيذه لسنوات وفقاً لطبيعة الإجراءات المطلوبة، ولكن هذه الحكومة ستشْرع بهذه المسيرة بجوانبها كافة بعزيمةٍ لا تتزعزع. فالمطلوبُ من الوزارات الآن العملُ على تحويل تلك التوجهات الإصلاحية إلى برامج عمل وسياسات، تتتابعُ خُطُواتُها، وتُسدِّدُ التجربةُ خُطانا في السير فيها، وكذلك رَقابةُ مجلِسكم الكريم.
ولأنها بدايةُ مسارٍ للتصحيح والإصلاح، فإنّ البيانَ الوزاريَّ ثانياً هو بيانُ إرادةِ تطبيق الطائف، أو بالأحرى تصحيح الخلل المزمن في تطبيق وثيقةِ الوِفاق الوطني. لقد جاء في البيان الوزاري: ما عاد مقبولاً أن يعيش اللبنانيون في ظل دستورٍ نضعُهُ ولا نطبّقُهُ أو نلتزمُ به، ومؤسَّساتٍ أكثرُها لا يعمل، وقوانين لا تُنفَّذ. ولذلك فنحن مُصِرُّون على مبدأ فصل السلطات، أي على أن تقومَ كلُّ سلطةٍ بعملِها، السلطة التنفيذية بالعمل التنفيذي، والسلطة التشريعية بالعمل التشريعي والرقابة على أعمال الحكومة، والسلطة القضائية بما شُرِّع لها من اختصاص. ولذلك فسنتقدمُ من الرأي العام في كل شهرٍ بوقائع التقدم على خط المسار الإصلاحي والنهضوي الذي ارتضيناه والتزمنا به. وعلى كل سلطة أن تلتزم بحدود صلاحياتها التي نص عليها الدستور، مؤكدين على ضرورة عدم تداخل السلطات أو اشتباكها. ونتعهدُ بعدم التدخل سلطةً دستوريةً ومسؤولين في أعمال السلطة القضائية. لا نريدُ العودةَ لتجربة المعاناة التي ضربت المؤسسات، وأَوشكت أن تضربَ معنى الدولة والنظام. إننا نريد تحقيقَ فصلِ السلطات هذا، لكي لا تتعدى سلطةٌ على سلطة، ولكي تنضبطَ الأجهزة الأمنية في إطار عملها فتلتزمَ بأحكام القانون وتخضعَ للسلطة السياسية.
وكما نحتاجُ إلى تعاونِكم في تطبيق المبدأ الدستوري بفصل السلطات، نحتاجُ إلى التعاوُنِ في التصويب والتصحيح والاستكمال لتطبيق الدستور، وتفعيلِ عملِ المؤسسات الدستورية. نحتاجُ إلى ورشة عمل كبيرة تأخذ طابعاً وطنياً في مجال تقديم مشاريع القوانين من جانب الحكومة وسرعة مناقشتها وإقرارها من جانب المجلس. ولا أُريدُ الدخولَ في جدالٍ حول التجربة السابقة والمؤسفة- بل المؤلمة- في الكثير من نواحيها. إذ إننا اليومَ ما عُدْنا نستطيعُ التحجُّجَ بهذا الأمر أو ذاك. فالحياةُ السياسيةُ السليمةُ حياةٌ عَلَنيةٌ ونِقاشيةٌ وحواريةٌ وعندما تعملُ المؤسسات الدستورية بسلامةٍ وشفافية، تكونُ العلنيةُ، التي تُقْنِعُ أو لا تُقْنِع، هي الوسيلةُ الوحيدةُ للسير في هذا الأمر أو ذاك أو الابتعاد عنه. ولذلك تسعى الحكومة وتتوقعُ من مجلسكم الكريم ورشةً تشريعيةً كبرى تضعُنا فعلاً في قلب المسار الجديد الذي أعددْنا العُدَّة للسير فيه، من أجل المصلحةِ الوطنية، ومن أجل مستقبل لبنان الدولة، ولبنان النظام.
كما أسلفتُ، كانت لمداخلات الزملاء خلال هذه الأيام الثلاثة ثلاثةُ وجوه. الوجهُ الأول المتعلق بالتعقيد والتوسُّعِ وعدم الوضوح في البيان، وأعتقدُ أنني أجبتُ عن هذا الأمر في النقطة الأولى. فهذا البيان تعبيرٌ عن مسار يتطلب عدة سنواتٍ لتنفيذه، لكننا نبدأُ الآنَ السيرَ فيه حيث تتحولُ التوجهاتُ إلى برامجَ وسياسات. وستعملُ كلُّ وزارةٍ فوراً على وضع البرنامج الإصلاحي والتنفيذي بحسب الاختصاص للشهور القليلة القادمة وكذلك لما بعدها.
أما الوجهُ الثاني، فقد تمثَّل بحديث طويل ودقيق من بعض الإخوة النواب عن الأوضاع الأمنية والاجتماعية والصحية والضمان الاجتماعي والزراعة والصناعة والكهرباء والنمو وفرص العمل وغيرها، وكلُّ تلك الموضوعات وردت في البيان الوزاري، لكنّ النوابَ أضافوا الكثير، واقترحوا أفكاراً وبرامج، وأرى أنه ينبغي التعمق فيها من جانب الوزارات. وسأعملُ بنفسي على المراجعة والمتابعة مع جميع السادة الوزراء لكي يستقيمَ العملُ ويجري التقدم على طريق الإنجاز وتلبية الحاجات وفي مقدمها الأمن وأهمية تعزيزه بما يطمئن المواطنين.
وقد اتجهت كلماتُ كثيرٍ من النواب باتجاه مطالب المناطق، ومطالب الإنماء المتوازن والشامل، ومطالب الإصلاح الاقتصادي. والبيانُ الوزاريُّ لهذه الناحية يتضمنُ رؤيةً شاملةً لطرائق التصدي للمشكلات الاقتصادية، وللتنمية الشاملة. الغالبيةُ العُظمى من المطالب محقّةٌ، وهي من حقوق المواطنين، ولكنْ علينا في كل أمر أن نحدّد بدقة الكُلفة والأعباء ومن سيتحمّلُها في محصِّلة الأمر. هناك مشروعاتٌ توقفت لأسبابٍ سياسية لأكثر من ثلاث سنوات، سنطلقُها على مداها، مثل مسألة تسْديد قيمَة الاستملاكات في سائر المناطق اللبنانية والتي صدر بشأن تمويلها قانون خاص والتي سنتمكن عند تسديد مبالغها من إطلاق عشرات المشاريع الحيوية والإنشائية في شتى القطاعات وفي جميع المناطق اللبنانية والممولة في قسمٍ كبيرٍ منها بقروض ميسَّرة من الصناديق العربية والدولية والتي تتعدى قيمتها عدة مئات من ملايين الدولارات والتي من المؤمل أن تسهم في تحريك عجلة النشاط الاقتصادي في البلاد وتعزز مستوى الثقة في الاقتصاد ومعدلات نموه. كذلك ستعمد الحكومة أيضاً إلى إطلاق العمل في عدد من المشاريع الأخرى التي تم التفاوض في ما خصها على القروض الميسرة لتمويلها وهي أيضاً تشمل مجالاتٍ عدة وفي قطاعات مختلفة في شتى المناطق اللبنانية والتي لا مجال لتفصيلها الآن.
دولةَ الرئيس، السادة النواب،
إنّ الذي أراهُ في النهاية أنه بدون تحقيق النموّ المستدام، فإنّ كثيراً من مطالب السادة النواب، والكثير من احتياجات المواطنين ستكونُ صعبة التحقيق. لذلك أُصِرُّ كما أصر كثيرٌ من الإخوة النواب على السير قدماً ودونما خوف أو تردد في مسيرتنا المباركة لتحقيق الإصلاحٍ الأمني والاقتصاديٍ والمالي والاجتماعي الجذري مهما كانت مصاعبه وأعباؤه وآلامه على المدى القصير وكذلك على السير في طريق الإصلاح والتخصيص لترشيق إدارة الدولة وجعْلها أكثر كفاءة وإنتاجية، وعلى التعاون وتقوية الاتصال بالأشقاء والأصدقاء من أجل الاستمرار في تفعيل وتحديث الاقتصاد، وفَتْح الآفاقِ له، وتحرير القطاعات الاقتصادية من الاحتكار العام والخاص، وزيادة معدلات النمو بما يسهم في التخفيف من العجْز والدَين توصُّلاً وبشكل تدريجي لتحرير موازنة الدولة من أعبائهما. ومما لا شك فيه على الإطلاق يا دولة الرئيس أنه كلما تقدمْنا على مسار الإصلاح، وعلى مسار استعادة ثقة اللبنانيين والأشقاء والأصدقاء، كلما زادت قدرتُنا على الإنجاز، وبالتالي على تلبية الاحتياجات، وعليه يجب أن يكون معلوماً لدينا جميعاً أن علينا الحرص على الموازنة الدائمة بين توقعاتنا وبين جهودنا المبذولة فكلما زادت الثانية استحقينا زيادةً في الأولى.
دولة الرئيس،
لقد كانت للإخوة النواب وجهاتُ نظرٍ في مواضيعَ وردت في البيان الوزاري، أوردت تصحيحاتٍ وفتحت آفاقاً. وأبرزُ مثالٍ على ذلك مداخلة معالي الأخ الدكتور بهيج طبارة، رجل القانون الكبير، التي ذكّرت بالتجربة الماضية المؤْلمة، كما أوضحت لنا أموراً لجهة الفصل بين السلطات، ولجهة استقلالية القضاء، ولجهة ضرورة أو عدم ضرورة استصدار بعض القوانين. وستعملُ هذه الحكومةُ على دراسة هذه الملاحظات، وغيرها من الإسهامات ذات الطابع الدستوري والقانوني، من أجل الأخذ بها من ضمن ورشتها الإصلاحية. وفي استجابةٍ سريعةٍ لأحد هذه المطالب المهمة والوطنية، فإن مجلس الوزراء سيعملُ قريباً على إقرار مشاريع المراسيم التطبيقية لقانون التنصت بالنسبة للهيئة المستقلة لمراقبة التنصت والتحقق منه وكذلك لمواقع التنصت، وسوف نحرص مع وزير الاتصالات على التأكد من التزام الجميع بالقانون.
وتمحور الوجهُ الثالث من مداخلات السادة النواب على أفكار وتساؤلات تتصل بمواضيع عدة ذاتُ أبعادٍ وطنية وقومية وعلى جانب معين من الحساسية ومنها ما يتعلق ببعض مضامين قرار مجلس الأمن الرقم 1559 والوضع الأمني في المخيمات الفلسطينية، وقضايا أخرى مهمة. وأريد أن أؤكد لكم أن هذه الموضوعات ليست غائبةً عن اهتمامات هذه الحكومة أو أولوياتها. إذ إن المسؤولية في مقاربة هذه المواضيع أو غيرها وبغضّ النظر عن حساسيتها هي اليوم مسؤولية لبنان واللبنانيين أولاً وآخراً، باعتبارها تتصل بوحدة البلاد واستقرارها ومصالحها العليا.
إنّ أموراً كهذه تحتكمُ فيها الحكومةُ إلى الدستور والى نظامنا التوافقي وبالتالي إلى التوافُقات التي يولّدُها النقاشُ الهادئ والمنفتحُ والشامل بين اللبنانيين. توافقات تصوغُها كما قال سعاد النائب الأستاذ محمد رعد "رؤيةٌ وطنيةٌ واضحةٌ مشتركةٌ تُعالَجُ في ضوئها الاختلالات، ويتحقق على أساسِها التوازُن، ويتعزز الانتماءُ والعيشُ الوطنيُّ بها". والرؤيةُ الوطنيةُ الجامعةُ في كُبرى المسائل، لا طريقةَ للوصول إليها إلاّ من خلال الحوار الداخلي اللبناني، وأجواء التفاهم والحرص الوطني المشترك، مثلما قال النائب رعد أيضاً.
أما ما أثاره بعض النواب بشأن العلاقات مع الشقيقة سوريا فأنا ذاهبٌ غداً إليها. ونحن كما سبق القول نريد علاقاتٍ جيدة وصحية تقوم على الاحترام والندية في التعاطي، وتلتزم بالمواثيق والعهود على قاعدة مصالح البلدين المتوازنة، وتسودها روح التعاون والتضامن وحس الانتماء العربي. هذا ما نسعى إليه وسوف نعمل على تحقيقه بإذن الله.
دولةَ الرئيس،
الإخوة النواب،
إنّ حكومةَ الإصلاح والنهوض اعتمدت في ظل نظامنا القائم وكغيرها من الحكومات السابقة على تمثيل المجموعات والطوائف، إلا أنها ليست حكومةَ محاصصة بتوجهاتها الإصلاحية والوطنية، ولا تفهم نفسها كذلك. إننا ملتزمون كحكومة منسجمة ومتضامنة بالسير في خط الإصلاح والنهوض، بالانفتاح على الشباب والمؤسسات الأهلية والمجتمع المدني، وإشراك الناس ولاسيما الشباب في صنع حياتهم الوطنية ومستقبلهم الواعد، منطلقين من روحية 14 آذار التي وحدّت اللبنانيين على السيادة والحرية، ملتزمين بالعمل من أجل حاضر وطنِنا ومستقبلِه، وأنتم مدعوون لمُساءلتنا ومحاسبتِنا على أساس الدستور، وأساس الإنجاز.
نحتاجُ إلى الإصلاح، ونحتاجُ إلى الاستقرار، نعم، نحتاجُ إلى الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. وأساسُ الاستقرار التوافُقُ الوطني الحقيقي المنبثق عن الحوار والمبني على الإرادة اللبنانية الحرة. هكذا كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يفهمُ الأمور حتى اغتياله يوم 14 شباط، وهكذا نفهمُها اليوم. رؤيةُ رفيق الحريري هي رؤيةُ الشباب الذين تجمعوا في جميع الساحات، هي رؤية بناء الدولة العصرية والمستقلة والمنفتحة والديمقراطية. وسنبقى على هذا النهج، وفي أفق هذه الرؤية من أجل مستقبلٍ أفضل للبنان، لشباب لبنان واللبنانيين جميعاً.
أشكركم مرةً أُخرى على هذا النقاش البناء و المفيد، وأتقدم منكم بطلب الثقة لحكومتنا لبدء العمل في هذه المهمة الوطنية الشاقة والجليلة.
مجلس النواب
بيروت في 30 تموز 2005
رئيس مجلس الوزراء
فـؤاد السـنيورة
