كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في جلسة افتتاح اجتماعات الدورة التاسعة والعشرين لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربي

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أصحاب المعالي والسعادة،

أيها الحضور الكرام،

يسعدني أن أُرَحِّبَ اليومَ في بيروتَ ، بهذه النخبة المميَّزة من الأصدقاء والضيوف الأعزاء. إنكم تأتون اليومَ إلى البلد الذي يُحبُّكم، ويُبادلُكُم الوفاءَ والتقدير. وأودُّ أن أُضيفَ إلى ذلك كلِّه، دليلاً آخرَ على المودَّة التي تسودُ التواصُلَ بيننا، وهو مبادرتُكُم لعقد الدورة التاسعة والعشرين لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسَّسات النقد العربي في بيروت. فبيروتُ، على عهدِكُمْ بها، مَوئلٌ للحوار والنقاش، ولطموحاتِ التقدمِ الاقتصادي، وبناء الدولة الحديثة، والإسهامِ في صنع المستقبل العربيّ الآخَر.

تجتمعون اليوم في قلب بيروت إذن، وعلى مقربةٍ من الموقع الذي استُشهد فيه الرئيس رفيق الحريري والوزير باسل فليحان ورفاقُهما في 14 شباط (فبراير) 2005. ومنذ ذلك اليوم المشؤوم والحزين ولبنان يمرُ بمرحلة من أدق وأصعب المراحل في تاريخه الحديث. فالكثيرُ تغير منذ ذلك اليوم. فقدْنا الغاليَ والكبير، وصاحبَ الرؤية والنهج. فقدْنا رجلَ دولةٍ وقومياً عربياً من الطراز الأول جعل لبنانَ وعالَمَ العرب شغلَه الشاغل في جميع المحافل الإقليمية والدولية. فقدَّم الكثيرَ في حياته كلِّها، وفي مختلف المواقع لأجل لبنان ولأجل الوطن العربي ولأجل الارتفاع بالعمل العربي المشترك إلى حيث يريده الانسان العربي. وهو اليومَ في استشهاده، يصنعُ حياةً جديدةً، وتاريخاً جديداً لوطنِنا، ولهذا المشرق العربي المتعطّش للحرية والانتماء والتقدم.

لقد أثبت اللبنانيون مجدداً أنهم على مستوى التحديات وإن كانت أليمةً وموجعة، وتكاتفوا لينفُضُوا عنهم غبارَ هذه الجريمة النكراء، التي هزت لبنانَ والمنطقةَ والعالمَ أجمع. كما أثبت اللبنانيون أنهم يتمتعون بدرجة مناعة عالية، مكنتهم من التعالي على الجراح والمضي قدماً في مسيرة إرساء الديمقراطية وصون الحريات وتعزيز مبدأ المصالحة والحوار والوفاق. فبقدر ما كانت الخسارة يوم 14 شباط (فبراير) كبيرةً وموجعةً، بقدر ما كانت عزيمةُ اللبنانيين جامعةً وبنّاءَةً تعبيراً عن إيمانهم الراسخ بوطنهم وتَوقِهِمْ للحرية والاستقلال وتعزيزِ السيادةِ والعيشِ المشترك. ولعل هذه الصرخةَ الوطنية الجامعةَ التي تجلت في 14 آذار (مارس) ووحدةَ اللبنانيين وإرادتَهم ساعدتْ لبنانَ على تَخَطّي المرحلة الصعبة بأقل الأضرار، لاسيما على الصعيدين المالي والاقتصادي، فأثبت الاقتصادُ اللبنانيُّ مرةً أخرى مناعته، وقدرتَه على التلاؤم.

إنّ اللبنانيين مصمِّمون عن طريق كشف مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد على القيام بمراجعةٍ نقديةٍ للتجربة المُنقَضِية، من أجل الدخول في مرحلةٍ جديدةٍ من الممارسة الديمقراطية والحريات، وفي عمليات بناء الدولة، وحُكمِ القانون والمؤسسات. ونحن نريد من خلال الالتزام الأخلاقي والدستوري والوطني أن نُعطي نموذجاً للاتجاه نحو السِلْم والانتظام الداخلي بأُسلوبٍ ديمقراطي وهادئٍ وبنّاءٍ وقائمٍ على التوافُق، والالتزام بثوابت لبنانَ التاريخية، وعيشِه المشترك، ونزوعِه الإصلاحي في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والإدارية.

إن لبنان اليوم بالفعل أمام أجندة إصلاحٍ كبيرة، ناضلْنا للسير في بنودها منذ سنين عديدة، وكان هناك من يسعى دائماً لعرقلةِ وتفشيل جهودنا في هذا الاتجاه. لكنّ البلادَ اليومَ أمام فرصةٍ تاريخيةٍ وفريدةٍ للإصلاح. فاللبنانيون متفقونَ اليوم أكثر من أي وقت مضى على تطبيق مبدأ الحكم الرشيد وفصل السلطات وتعزيز دور المؤسسات ودور القضاء وضمان استقلاليته. كما أن اللبنانيين متفقون على أهمية اتخاذ الإجراءات السليمة لإرساء قواعد دولة حديثة، عصرية وفعالة، تصبح تدريجياً قادرة على مواكبة التطورات على الساحة العالمية والتلاؤم معها وبالتاليتكون قادرة على مواكبة ديناميكية القطاع الخاص اللبناني، ومحفزة لها وأن تثبت في أدائها، إن علة وجودها هو خدمة الناس .

دولة تعمل على تأمين الأمن والاستقرار للمواطنين، والمحافظة على حقوقهم و على تأمين الخدمات الاجتماعية الأساسية، من تعليم ورعاية صحية، بفعالية وجودة تتماشى والمواصفات العالمية، وضمن الامكانات التي يتيحها الاقتصاد اللبناني.

دولة تحدد دورها في الاقتصاد بما يتلاءم مع قدراتها والتحولات الجارية في العالم من حولنا وتعيد الاعتبار للقطاع الخاص وتعمل على تسهيل عمله وتعزيز مبادراته وتطلق إمكاناته الابداعية ، دون الدخول مباشرةً في عمليات الإنتاج والإدارة للمرافق والنشاطات الإنتاجية،مع وضع الضوابط اللازمة لحماية حقوق المواطنين وسلامتهم.

إنها الدولةُ التي يكونُ فيها المواطن ومصلحته الهدفَالأول والأخير الذي من أجله تعمل، ومحور سياساتها وقراراتها.دولة تكون بكل مؤسساتها في خدمة المواطن، عوضاً عن أن تبقى في خدمة المتنفّذين فيها، والمستفيدين من غنائمها.

لقد عبر اللبنانيون مؤخراً وبشتى الوسائل، عن رغبةٍ ملحةٍ لديهم في العودة الى تنفيذ اتفاق الطائف ، والمضي قدماً في مسار واعد يتمثل باعتماد سياسة إصلاح اقتصادي ومالي وإداري واجتماعي هدفُها إرساء أسس اقتصاد حديث ومنفتح ومنتج يتماشى وتطلعاتِهم وقدراتِهم، ويسمحُ بتأمين النمو المستدام وبإيجاد فرص عمل جديدة للشباب اللبناني. وعلى هذا، ستعمل الحكومةُ على السير في تنفيذ رؤيتها الاقتصادية- الاجتماعية، ذات الاهداف التالية:

أولاً: تعزيز الاستقرار المالي والنقدي بما يمكنها من معالجة مشكلة المديونية من خلال تفعيل النمو المستدام وزيادة معدلاته، وتطبيق برامج التخصيص والتسنيد بما يساهم في تطوير القطاعات الاقتصادية المعنية  وكذلك في ترشيد الإنفاق وتفعيل إيرادات الخزينة وتعزيزها.

ثانياً: تحسين الوضع الاجتماعي وتعزيز استقراره بالعمل الجاد والمبرمج توصلاً إلى القضاء على الفقر المدقع من خلال تعزيز فرص المشاركة أمام جميع المواطنين في العمل المنتج وذلك على أساس إعادة الاعتبار للكفاءة والإنتاجية وكذلك السعي إلى ترشيد الإنفاق الاجتماعي، وتنسيق برامج المساعدات، وتدعيم شبكات الأمان بما يكفل منفعتها لمن هو حقيقة بحاجة إليها بهدف زيادة المردودية الاقتصادية والاجتماعية للإنفاق ، وإصلاح الضمان الاجتماعي وغيرها من المؤسسات العامة.

ثالثاً: استكمال تنفيذ ورشة الإصلاحات الهيكلية التي تم إطلاقها في أواخر العام 2000، بما في ذلك ما جرى تطويره من برامج ومشاريع إصلاحية في مشروعي موازنتي العامين 2003 و2005 وذلك لوضع الأسس نحو العودة إلى اقتصاد عصري وحديث، وإزالة المعوقات الإدارية والقانونية من أمام عمل القطاع الخاص، وتفعيل الإنتاجية، وتحسين ثقة المستثمر، وإطلاق طاقات القطاع الخاص لتطوير الاقتصاد للاستفادة من الفرص المتاحة والكامنة، وبالتالي إيجاد فُرَص عمل جديدة، لاسيما للشباب من الخريجين الجدد.

رابعاً:إجراء عملية مراجعة لبرامج الاستثمار في السنوات 1993-2004 لتقييم الإنجازات ووجوه القصور والإخفاق على حدٍ سواء، ووضع برنامج مستقبلي للإنفاق الاستثماري بحيث تتركز الجهود المستقبلية على تقييم الحاجات والثغراتوالأولوياتبهدف توزيع الموارد المالية واستعمالها بصورة سليمة وواضحة على المشاريع والبرامج التي تحتاج إلى تمويلمن ضمن المصادر المالية المتاحة للبلاد.

خامساً: تفعيل الإنماء المناطقي والقطاعي، وخلق مساحات اقتصادية تنموية في المناطق اللبنانية المختلفة. من خلال تشجيع القطاعات الإنتاجية التقليدية مع التركيز على القطاعات الحديثة والقائمة على اقتصاد المعرفة والتي يتمتع الاقتصاد اللبناني فيها بميزات تفاضلية. وكذلك تسويق لبنان إقليمياً وعالمياً، والتواصل مع الشباب اللبناني ومع اللبنانيين في دول الاغتراب.

أيها الإِخوة،

لقد باشرت حكومتنا بورشة الإصلاح منذ اليوم الأول لنيلها الثقة. وفي فترة زمنية لا تتجاوز الشهر، استطعنا أن نتقدم على عدة أصعدة. لقد قمنا مباشرة بمعالجة مشكلة الحدود مع الشقيقة سوريا ، وقمنا بتشكيل لجنة من الحكماء والخبراء لوضع قانون انتخابي جديد، وهذا يشكل أول لبنة في عملية الإصلاح السياسي. كما أعدنا الاعتبار لقانون حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب. وعلى صعيد الإصلاح الإداري خطونا خطوة هامة على طريق وضع معايير جديدةً تعتمدُ المنافسةَ والكفاءةَ لانتقاء أفضل القيادات الإدارية لتولي المناصب القيادية في إدارات ومؤسسات القطاع العام وذلك انطلاقاً من قناعتنا الراسخة أن المواطن هو الهدف الأول والأخير الذي من أجله يجب أن تعمل الدولة، وليس العكس. كما جرى إطلاق عدد من المشاريع الاستثمارية للقطاع الخاص والتي حالت سياسات الإعاقة والتعقيد عن المباشرة فيها. وقد وقعنا اتفاقية لاستيراد مادة الغاز أويل من الكويت ونحن ساعون الى توقيع اتفاقية أخرى مع الكويت لاستيراد مادة الفيول أويل بما سينعكس إيجابا على الخزينة اللبنانية وعلى القطاع الخاص. كما أننا ساعون أيضاً لاستطلاع المجالات لتمكين لبنان من استيراد مادة الغاز الطبيعي من قطر وغيرها وكذلك مجالات التحضير لتحديد حقيقة وجود الغاز الطبيعي في المياه الاقليمية بكميات تجارية وامكانية الاستفادة منها. وهناك ورشات عمل تجري على قدم وساق مع جميع الوزراء في ما خص مشاريع الإصلاح ومشاريع القوانين والإجراءات العملية لتحريك العمل الحكومي. كما أدرجْنا مؤخراً عدداً من مشاريع القوانين الاقتصادية على جدول أعمال مجلس الوزراء مثل مشروع قانون الاوف شور والتسنيد وهيئات الاستثمار، وهناك الكثير من القوانين والمراسيم في المجالات الاقتصادية والمالية والإدارية التي هي طور الانجاز. وقمنا أيضاً بتشكيل لجنة من الخبراء تعمل حالياً على وضع برنامج عمل للإجراءات الواجب اتخاذُها لإصلاح عدد من المؤسسات العامة وكذلك الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومن المفترض أن تنتهي اللجنة من عملها خلال وقت قصير.

لا شك انه وخلال تولي الرئيس الحريري سدة المسؤولية كانت هناك، وللأسف، عرقلةٌ للعديد من المشاريع الاستثمارية التي من شأنها أن تُوجِدَ فرص عمل جديدة، وقد عملنا على إزالة تلك العراقيل وسنباشر بتنفيذ التزامات الدولة المالية في ما خص الاستملاكات الضرورية لإطلاق حزمة كبيرة من تلك المشاريع بما يؤدي إلى تحريك شتى القطاعات الاقتصادية واستعادة النمو للاقتصاد بعد أن بلغت نسبته حوالي خمسة بالمائة في العام 2004.

 

أيها الزملاء والأصدقاء،

وتبقى قضيةُ المديونية والعجز المالي المشكلةَ الأساسيةَ التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني. ونحن نعي تماماً أن معالجة هذه المشكلة تتطلب مقاربةً شاملةً ومتكاملة. وأود التأكيد هنا أن الحكومة ستعمل بجدٍ وجديةٍ على معالجة هذه المشكلة إنْ لجهة العمل على  زيادة الإيرادات وتحسين جبايتها، أو لجهة ترشيد الإنفاق، أو لجهة المضي قُدُماً بعمليات التخصيص والتسنيد.

إنّ المتغيرات التي يشهدُها لبنانُ، تتطلب من جهة أولى السير في الإجراءات الجادة التي بدأت في مؤتمر باريس 2، ومن جهة ثانية السير الجاد نحو التلاؤم مع المتغيرات بما يمكن لبنان من اعتماد المبادرات والأفكار الجديدة والخلاقة وبما يتيح للبلاد التقاط الفرص المتاحة والكامنة.

 من جانب آخر ، فإن لبنان يستحق التفاتةَ دعمٍ وتضامُنٍ من جانب الأشقاء والأصدقاء في العالَم. وقد تلقَّينا بداية مثلَ تلك الإشارات فعلاً من الدولتين الشقيقتين المملكة العربية السعودية والكويت. كما أن هناك  دول أخرى شقيقة وصديقة ومؤسسات عربية ودولية أبدت تأييدها ودعمها لبرامج لبنان الاصلاحية واستعدادها للمساعدة بطريقة تكون مواكِبة لتنفيذ لبنان لبرامجه الإصلاحية، بما يسمح بعودة النمو وتدعيم الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي والاجتماعي في البلاد.

إنه مامن شك أن نجاحَ مسيرة الديمقراطية والحريات والإصلاح في لبنان ستكون له انعكاساتٌ ايجابيةٌ ليس على لبنان فحسب بل على المنطقة جمعاء. ونجاحُ مسيرة الديمقراطية والحريات والإصلاح في لبنان سيكونُ خيرَ مثالٍ على أن المضيَّ في هذا الاتجاه في دولنا العربية أمرٌ ليس بالمستحيل ويمكن تنفيذه بهدوء وروية وإيجابية.

 

أيها الحضور الكرام،

منطقتنا، كما لبنان، تمر بمرحلة من أخطر وأدق المراحل. والتحديات التي نواجهها على الصعيد الاقتصادي لا تقل أهمية عن التحديات السياسية، مما يجعل من العمل العربي المشترك والانفتاح الاقتصادي بين دولنا ضرورةً ملحة. وأود هنا التذكيرَ بما قاله الرئيس الشهيد رفيق الحريري حول هذا الموضوع في الملتقى الاقتصادي السعودي- اللبناني في الرياض في 22 شباط (فبراير) 2004. يومَها أكّد الرئيس الشهيد على أمرين اثنين:

"أولاً، إن تفعيل العلاقات التجارية والاقتصادية وفرص الاستثمار بين بلداننا العربية لم يعد بمتناول الحكومات فقط، بل أصبح بمتناول القطاع الخاص أيضاً. إذ إن القطاع الخاص أصبح اليوم المحرك الأساسي لأية عملية تكامل بين اقتصاداتنا العربية.

وثانياً، من واجبنا اليوم كحكومات عربية أن نؤمِّن الإطار القانوني والمؤسساتي لتسهيل مبادرات القطاع الخاص في مختلف البلدان العربية، من خلال المضي قُدُماً في عمليات التحرير والإصلاح الاقتصادي، إنْ لجهة تطوير التشريعات التي تحكم التبادل التجاري والعمل الاستثماري بين بلداننا وملاءمتِها والقوانينَ العالمية، أو لجهة تحديث عمل مؤسساتنا الوطنية. فالعديد من البلدان العربية قطعَتْ شَوطاً كبيراً في هذا المجال، ولا يصحُّ الوقوفُ عند هذا الحد. بل يجب علينا كحكومات أن نستمر بجهودنا في هذا الاتجاه، ولندعْ القطاع الخاص يقوم بعمله".

إن هذا الكلام للرئيس الشهيد لا يحتاج إلى المزيد من التأكيد، لاسيما وأنَّ منطقتَنا العربية تشهد تدفقاتٍ ماليةً مهمةً جداً نتيجةَ ارتفاع المداخيل من صادرات النفط، مما يستوجب منا جميعاً العمل وبسرعةٍ على إطلاق أو استكمال برامج الإصلاح الاقتصادي والإداري والقانوني لوضع الأسس لاقتصاداتٍ حديثةٍ ومتطورة، مما سيؤهلنا لاستقطاب رؤوس الأموال العربية وتوظيفها في دولنا. ولا بد هنا من الإشارة إلى أننا نسمع الكثيرَ من الكلام عن أهمية استقطاب رأس المال الأجنبي إلى بلداننا بحيث أصبح هذا الموضوعُ شغلَنا الشاغل، غير أنني أود أن أؤكد أن الأهمَّ استقطابُ السيولة الفائضة في عالمنا العربي وهذه وحدها كفيلةٌ بإيجاد فرص عمل لملايين من الأشخاص وخصوصاً الشباب منهم.

وهنا أدعو القطاع المصرفي العربي إلى لعب دور أساسي في هذا المجال، وطرح أفكار وأدوات جديدة تساعد وتشجع على استقطاب رؤوس الأموال العربية وتوظيفها في خدمة التنمية الإقليمية والوطنية. ويمكنُنا هنا الاستفادةُ من التجارب الدولية ومن الخبرات العربية، كما أدعو صندوقَ النقد العربي لأن يلعبَ دوراً فاعلاً ويكونَ نقطةَ ارتكازٍ في هذا المجال.

أصحاب المعالي والسعادة،

أيها الأصدقاءُ والزملاء،

الاقتصاد المزدهر والنمو المستدام وتحسين مستويات عيش المواطن ، وهو ما تنشدون وننشد، كلُ ذلك لا يقوم بدون دولة الحريات وحكم القانون. ونحن جادُّون، ومن أجل أمن المُواطن والوطن، في هذه المرحلة الحاسمة من حاضر دولتِنا ومستقبلِها، في تأمين حياة المواطنين وحرياتهم وحكم القانون.

لقد كان هناك مَنْ قال في حملة "الأيدي النظيفة" بإيطاليا إنّ النظامَ السياسيَّ لا يصلُحُ عن طريق القضاء، كما أن القضاء لا يستقيم بتدخل السلطة السياسية فيه. وأنا مؤمنٌ بفصل السلطات وتعاوُنها، حسبما نصَّ عليه الدستور اللبناني، دستورُ التوافُق والعيش المشترك، ولبنان الرسالة بالطائف. بحيث تقوم كل سلطة بمهماتها وصلاحياتها في ظل الكفاءة والشفافية. لكنّ السلطةَ القضائيةَ اللبنانيةَ كانت تتعرضُ في المرحلة الماضية لضغوطٍ وتدخلاتٍ كثيرةٍ وفي اتجاهاتٍ متناقضة. تارةً لمنع المواطن من الوصول إلى حقّه، وطوراً للاعتداء على حريات ومصالح مواطنين آخَرين. ونحن اليومَ أمام تحدٍّ كبير للسلطتين القضائية والتنفيذية، وهو تحدّي الاستقامة في ظلّ الدستور، وفي ظلّ فصل السلطات،  والخضوع للمسائلة من جانب السلطة التشريعية، والمواطنين. إنها حملةُ الأيدي النظيفة، والعقول النظيفة، والضمائر النظيفة، والدولة النظيفة، والوطن النظيف. إن هذا مسار طويل ونحن محتاجون إلى ممارسةٍ واستنهاضٍ وخطواتٍ أولى قوية وحاسمة لن نحجم أو نتردد في اتخاذها على رغم مصاعبها، لكي تنتظم سياقاتها. وإذا قيل إنه ليس من الطبيعي أن تَحْدُثَ هذه التجاذُبات بين السُلُطات، وداخل كلِّ سلطة، فإننا نقول إنّ الممارسات غير الطبيعية، وغير الدستورية، هي التي أدَّت إلى هذه الأمور غير الطبيعية:

 لقد توجهت الاشتباهات والتحقيقات القضائية الى قادة الأجهزة الأمنية الذين سيطروا مباشرة أو بالواسطة ، ولأكثر من عقد ، على حياة البلاد السياسية و الاقتصادية والقضائية، بالتخطيط والمشاركة في قَتْل رئيس وزراء البلاد، وأكبر شخصيةٍ سياسيةٍ فيها. فهل يكون الأمر طبيعياً عندما يقوم المسؤولون عن أمن المواطنين بالتآمر على ذاك الأمن بالذات؟  ثم لولا هذه الأوضاع غير الطبيعية في سُلُطات الدولة وأجهزتها لما احتجْنا إلى لجنةٍ دوليةٍ للتحقيق في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. إن ما يجري الآن هو عودة الى السير نحو الاستقامة في عمل مؤسسات الدولة ، بما يؤدي إلى إنهاء الدولة الأمنية، وإحلال حكم القانون، بما يدعم الاستقرار، ويقوي الوحدة الوطنية.

أيها الإخوةُ والزملاء،

سينكشِفُ المجرمون وقَتَلَةُ الرئيس الحريري ورفاقه، كما سينكشفُ القابعون وراء الجرائم الأُخرى السابقة واللاحقة، مهما علا قَدْرُهُم، وعَلَت مواقِعُهُم. وسيتمُ الالتزامُ في كلّ ذلك بالدستور والقانون، وفَصْل السُلُطات، والتداوُل السِلْمي على السلطة، والقضاء القوي والمستقل.

إننا بصَدَدِ استكمالِ تطبيق الطائف، الذي بادَرَ إليه الرئيسُ الشهيد، كما بادر لتطبيقِه، وأرسى دعائمَ النهوض الاقتصادي، وعمليات بناء الدولة وحكم القانون. نحن مصمِّمون على إزالة العوائق التي وقفتْ في وجهه رحمه الله، والسَيْر، ومن ضمن النظام والقانون والمؤسَّسات، في بناء الدولة العصرية، دولة حُكْم القانون، الدولة الديمقراطية، التي تضمنُ الأمنَ والازدهارَ لمواطنيها وللأشقاء والضيوف، وتتحمَّل مع الأشقاء والأصدقاء أعباءَ ومسؤوليات الانتماء العربي، والمستقبل العربي، والازدهار العربي.

إنّ ميراثَ رفيق الحريري، وأنتم أيها الإخوةُ تعرفونه جميعاً، هو ميراثُ السيادة الوطنية والاستقلال ، والانتماء العربي القومي ، والرؤيةِ النيِّرة، والتغيير البنّاء ، والتضامُن الكبير، والعمل من أجل الوطن والأمة.

أشكر لكُم أيها السادةُ حضورَكم إلى بيروتَ ولبنان . وأخص بالذكر الصديق د. جاسم المناعي على جهوده البناءة في عقد هذه الدورة لمجلسكم الكريم في ربوع وطننا. إن حضوركم اليوم هو تعبيرٌ عن الثقة وعن التضامن وعن الودّ. وأنا واثقٌ أنكم ستعودون مراتٍ ومراتٍ لتشهدوا اكتمال تحقُّق دولة رفيق الحريري، دولة كلّ اللبنانيين، وكلّ العرب.

والسلام عليكم.

تاريخ الخطاب: 
05/09/2005