كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في مؤتمر وزراء الخارجية

ربَّ مُصادفةٍ خيرٌ من ميعاد. لقد رحبت باللقاءَ بكم لإطْلاعِكم على تطورات أَوضاع لبنان بعد اغتيال شهيدِنا وشهيدِكم الرئيس رفيق الحريري- كما رحبت أيضاً باللقاء بكم أيها الإخوةُ والزملاء للتشاوُر في همومِنا المشتركة، ومستقبلِنا الواحد. وها نحن نلتقي على خيرٍ إن شاء الله في كِنانة الله في أرضه، الشقيقة الكبرى: مصر، وفي رِحاب الجامعة العربية، وضيافةِ أمينِها العامّ الأستاذ عمرو موسى، الذي ما غادر بيروتَ ‘إلاّ ليعودَ إليها في السنوات الماضية، عنايةً منه بأمر لبنان، وحرصاً على الاستقرار والتضامن بين أبناء أُمتِنا وأوطانِنا.
لقد عرفْتُ أكثرَكم أيها الزملاء والأصدقاء خلال تسعينات القرن الماضي، ومطالع هذا القرن، عندما كان الرئيس رفيق الحريري يطوفُ بكم فرداً فرداً ويقصِدُكُم بَلَداً بلداً من أجل إعادة لبنانَ إلى الساحة العربية والدولية، ومن أجل التضامُن العربي والتعاوُن العربي، بالكلمة السمْحة، واليدِ الممدودة، والإرادة التي لا تَلين، والإيمان الذي لا يتزعزع بالأمة العربية ومستقبلِها وموقعِها في العالَم المعاصر وطموحاتِه وآمالِه.
تشغَلُنا جميعاً ثلاثةُ موضوعاتٍ كبرى: الأول: تنظيم إدارة الشأن العامّ في دُوَلنا بما يؤدي إلى قيام أنظمةٍ تمثيليةٍ صحيحة، وحُكْمٍ صالح، وتمكينٍ للناس من تدبير أمورِهِم بما يُصْلِحها ويُحسِّنُها ويُطوِّرُها. والموضوع الثاني: التعاوُن والتضامُنُ والتكتُّلُ على مستوى الوطن العربي دُولاً وقِطاعاتٍ خاصة، بما يحفظ مصالحَنا وأمْنَنا واستقرارَنا وسيادَتنا، ويُنهي فكرةَ الفراغ والحاجة للمَلاءة الاستراتيجية، والحماية والرعاية والإرشاد. والموضوعُ الثالثُ التمكُّنُ من المشاركة في حضارة العالَم وتقدمه وأمْنه، والقدرة على التلاؤم من طريق التكتل والإنتاجية العالية، بحيث نستطيع الإسهامَ في القرارات العالمية الكبرى والمؤثّرة في حاضِرِنا ومستقبلِنا.
والواقعُ أنّ الموضوعَ الأولَ وهو موضوع إدارة الشأن العامّ، والإصلاح السياسي، وبناء الدولة، كان شغلَنا الشاغلَ في لبنان طَوالَ الشهور القليلة الماضية. فبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري على أثر التمديد للرئيس أميل لحّود، وعقب الانسحاب السوري من لبنان، استمرت بعض أحداث الاغتيال والتفجير من قبل من لهم مصلحة في تهديد الاستقرار في لبنان. إلا انه وعلى الرغم من ذلك اتجه اللبنانيون جميعاً لممارسات الاستقلال والسيادة، وتثبيت الأمن والاستقرار، والمراجعة النقدية للمرحلة السابقة من طريق كشف حقيقةِ مَن اغتال الرئيس الحريري، وإعادة المؤسسات للعمل، وفصل السُلُطات، واستقلالية القضاء. أو باختصار: استعادة مقوِّمات الحُكْم الصالح والمُصْلِح الذي عانينا من تضاؤلِهِ أو غيابه إلى حدٍ كبير في الأعوام الماضية. وأستطيعُ القول الآن إننا بفضل إرادة الشعب اللبناني في الحرية، وإصراره على حُكْم القانون، سِرنا خُطواتٍ واسعةً على طريق الاستقرار والإصلاح. فبمساعدة اللجنة الدولية للتحقيق في مقتل الرئيس الحريري بدأت الوقائع تتكشف حول عملية الاغتيال، ويقبعُ قادةُ الأمن السابقون الآن في قفص الاتهام، وتستمرُّ التحقيقاتُ لجلاء كامل الواقعة التي بقدر ما كانت كارثية، فقد أَرغمت عدةَ أطرافٍ على الإصغاء لرغبة الشعب اللبناني في الحرية والحُكْم الديمقراطي، والدولة القوية والشفّافة والمدنية.
لستُ أُريدُ أن أُوجّه إليكم إرشاداتٍ، أيُّها الإخوةُ والزملاء، لكنني لا أرى بديلاً من الدولة المدنية لتحسين إدارة شأنِنا العامّ، وتحقيق الحكم الصالح. لقد عمل الرئيس الشهيد طَوالَ عقدٍ ونصفٍ على بناء الدولة العصرية التي وفَّر لها في الطائف إجماعاً لبنانياً وعربياً. لكنّ نظامَ الوصاية الأمني الذي ساد في لبنانَ وضع عقباتٍ وقيوداً على الحريات والأعمال وفصل السلطات وانتظام عمل المؤسَّسات. وكنا نُداري ونتنازل حفظاً للاستقرار، ولأنَّ إسرائيلَ كانت ما تزالُ تجثُمُ على جزءٍ من أرضِنا. بيد أنَّ التحرير الحقيقيَّ لا يحقّقُهُ إلاَّ نظامٌ حرّ. والنموّ الحقيقي لا يصنعُهُ إلاّ قرارٌ حُرٌّ. والحُكْم الحقيقي لا يستقرّ ولا يستمرّ إلاّ بإرادة الناسِ الحرّة، وفي ظلّ محاسبتِهِمْ ومُراقبتِهِم.
أيها الإخوة،
أيها السادة،
أما الموضوع الآخرَ، موضوعُ التعاوُن العربي، والتضامُن العربي، فهو موضوعُ وجودٍ وحياةٍ ومستقبل: لماذا تتداعى علينا الأُمَمُ كالأكلةِ على القصْعة؟ لأمرين اثنين: الثروات والموقع الاستراتيجي، وإحساس الآخرين بالقدرة على الابتزاز والقدرة على السيطرة والتحكم. ولا مخرجَ من هذا وذاك إلاّ بالتكاتُف والتضامُن. فحتى الصين احتاجت إلى تكتُّل شرق آسيا. وها هي تتجه للتعاوُن مع الهند خصمِها التقليدي. فلا بُدَّ من أن نربح في معركة استعادة العراق. ولا بُدَّ من الربح في معركة إصلاح الجامعة وتقويتها. ولا بد من الربح في مشروع إقامة السوق العربية. ولا بد من النجاح في التعاون الوثيق في كلّ المجالات.
والإصلاحُ الداخليُّ العربي، والتكتلُ العربيُّ القوي، والنموُّ العربيُّ القوي، هو الذي يمكّنُ من الدخول بقوةٍ في الاقتصاد العالمي، والتأثير في القرارات الكبرى المتعلقة بمنطقتنا. والذي أراهُ أنّ هذه هي السبيلُ الوحيدةُ لدحْر رؤية الفراغ الاستراتيجي، وهي السبيلُ الوحيدةُ لإنقاذ العراق وفلسطين. فمشكلاتُنا مع النظام العالميّ هي مُشكلات الضعف والتفرُّق والتشرذُم وقلّة الإنتاجية وضعف النمو. كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يقول: إنّ مشكلات الصين مع الولايات المتحدة أكبرُ من مشكلاتنا معها. ومع ذلك فإنّ الصين لم تحتجْ في حلّ مشكلاتِها مع قادة النظام العالمي إلى ممارسةٍ مثل ممارسة 11 سبتمبر. لا نريدُ أن نُخيفَ العالَمَ ولا أن نخافَ منه، بل نُريدُ التواصُلَ معه، والمشاركة فيه على قَدَم المُساواة والندية.
وكما أنّ السوقَ العالمية مهمةٌ بالنسبة لنا، فكذلك المؤسساتُ الدوليةُ التي تقرّر في مسائل الحرب والسلم، كما في مسائل التنمية. وهناك نقاشاتٌ مُستَعِرَةٌ الآنَ في أروقة المنظمة الدولية حول إصلاح الأُمم المتحدة، وإعلان الأَلفية، ونحن مَعْنيُّون بالإثنين، لنكونَ من هذا العالَم وفيه. فتوسيعُ المشاركة، وتوسيعُ بيئات القرار، وإقْدار المنظمة الدولية على الحركة والفعالية، كلُّها أمورٌ حيويةٌ بالنسبة لنا.
الحكمُ الصالح، والتكتلُ القوي، والمشاركةُ المنتجة للتأثير في القرار، كلُّ ذلك كفيلٌ بأن يُحدثَ التغيير المطلوبَ الصائنَ للقيم، والصائنَ للأمة والانتماء، والصائنَ للمصالح. والجامعةُ العربيةُ القويةُ بالالتزام، والقويةُ بالقدرة على الحركة، كفيلةٌ بأن تكونَ البيئة الصالحةَ لِتَكَوُّنِ الوطنِ العربي الجديد، والانتماء العربي الجديد، والقوة العربية الجديدة.
هناك تحدياتٌ كبرى تُواجُهنا في المدى العربي الشامل وتأتي في مقدِّمتِها قضيةُ فلسطين، التي تبلُغُ الآن إحدى مراحلها الحاسمة. وهناك الأحداثُ الدائرةُ بالعراق، والتي نستطيع بالعمل المشترك أيضاً مساعدةَ الأشقّاء العراقيين على بناء الوطن والدولة على الوجه الذي يحقّق المصالح الكبرى للشعب العراقي.
سعادة الأمين العام،
أيها الإخوة،
كان العملُ العربيُّ المشترك عِشْقَ الرئيس رفيق الحريري الذي لا حدودَ له. وكم اعتزَّ ووثِقَ بالحضور إلى المبنى التاريخي للجامعة العربية، ورَحَباتِها السمْحة. وكان يطمحُ ويعملُ لتكونَ الجامعةُ والقاهرة ما كانته بروكسل والمفوَّضية الأوروبية بالنسبة للاتحاد الأوروبي. فلنبْق للجامعة العربية لكي تبقى الجامعةُ لنا: "أمّا الزبدُ فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكُثُ في الأرض"، صدق الله العظيم.
والسلام عليكم.
