كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في جلسة افتتاح مؤتمر "فرص الأعمال في لبنان"

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

 

أيها الحضور الكرام،

يُسعدني أن أكون معكم في حفل افتتاح مؤتمر "فرص الأعمال في لبنان" الذي ينعقد للسنة الثالثة على التوالي، وكنت قد شاركت في هذا الحدث شخصياً منذ سنتين ممثلاً المغفورَ له دولةَ الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

ويعزُّ على قلبي أن أقف مجدداً أمامكم بعد أن فقدنا رجل الدولة المميز الآتي من نجاحات باهرة حققها في قطاع الأعمال. فهو أينما حل كان سباقاً إلى اتخاذ المبادرات والإجراءات التي من شأنها تحفيز وتسهيل عمل القطاع الخاص وتعزيز إنتاجيته. ولعل نجاح الرئيس الشهيد الذي استند فيه إلى العصامية والمثابرة والصدقِ والإبداع والجرأة في مجال الأعمال هو خير دليلٍ على أن الشباب اللبناني يملك من القدرات والطاقات ما يؤهله إلى الخوض في مشاريعَ وأفكار جديدة وتحقيق نجاحات باهرة في مجالات عدة.

لقد أثبت اللبنانيون المنتشرون في جميع أنحاء العالم، أنهم سباقون دائماً إلى اجتراح المبادرات الخاصة، فأسسوا الأعمال وحققوا نجاحات كبيرة وتبوؤوا أهم وأرفع المناصب. وكنا نلمس ذلك باستمرار خلال جولاتنا الرسمية برفقة الرئيس الشهيد. وكان، رحمه الله، شديد الحرص على الالتقاء بهذه النخب المميزة من اللبنانيين في دول الاغتراب، وكان يعتز كثيراً بالنجاحات التي حققوها ويحاول من خلال علاقاته واتصالاته تسهيل أمورهم وتيسير أعمالهم ولاسيما في لبنان لتمكينهم من التطوير والاستفادة من الفرص المتاحة والكامنة بما يعزز مجالات النمو والتنمية وإيجاد فرص العمل الجديدة لعشرات الألوف من الشباب المنضمين إلى سوق العمل سنوياً.

وبقدر ما كان الرئيس الشهيد يفرح لنجاح اللبنانيين في الخارج، بقدر ما كان حزيناً لعدم تمكنه في الكثير من الأحيان، وخارجاً عن إرادته، من إزالة كافة العراقيل من أمام القطاع الخاص. وكان يردد دائماً أن القطاع الخاص يشكل العامود الفقري للاقتصاد اللبناني ويتمتع بدينامكية فريدة وقدرة هائلة على تخطي الصعوبات، وأن أي جهود تبذل لتعزيز النمو الاقتصادي لن تحقق كامل الأهداف المرجوة منها إذا لم تواكبها إجراءات تهدف إلى إزالة العراقيل كافة التي تعيق عمل القطاع الخاص وتحد من إنتاجيته وقدرته على المنافسة.

لقد أثبت القطاع الخاص اللبناني على مر العقود ولاسيما خلال سنين الحرب الطويلة أنه على مستوى التحديات. وقد صمد ذلك القطاع مجدداً، بعد الجريمة النكراء التي أودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والوزير باسل فليحان ورفاقهما وحياة عددٍ من المواطنين وقتها وبعدها والتي هزت لبنان والمنطقة والعالم أجمع.

 

ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يثبت خلالها الاقتصاد اللبناني مناعته أمام الصدمات. والحقيقة أنه بقدر ما يتمتع الاقتصاد اللبناني بقدرة على التلاؤم مع المراحل الصعبة، بقدر ما يتجاوب أيضاً، وبسرعة، مع التحولات الايجابية والإجراءات التي من شأنها تحفيز النمو وتحريك العجلة الاقتصادية. وهذا مرده إلى تجاوب القطاع الخاص والأسواق المحلية بسرعة مع التطورات الايجابية والفرص البناءة، وتجربة مؤتمر باريس-2 هي خير دليل على ذلك.

إن التحدي الاقتصادي والاجتماعي الأكبر الذي يواجهنا اليوم يتمثل باستعادة النمو المستدام وبخلق فرص عمل جديدة للشباب اللبناني، الأمر الذي سيسمح بالاستفادة من ثروة لبنان الكبرى المتمثلة بطاقاته البشرية المميزة كما والحد من هجرة الأدمغة. وهذا الأمر يتطلب العمل وبجدية على تشجيع القطاعات التي يتمتع لبنان بميزة تفاضلية فيها، والسعي لاستقطاب الاستثمارات الخاصة إليها.

أيها السيدات والسادة،

إن السياسة الاقتصادية والاجتماعية للحكومةتهدف إلى بناء اقتصاد عصري وحديث يكون محوره الأساسي قطاعاً خاصاً وديناميكياً وفعالاً وقادراً على التكيّف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية العالميةوالذي يترافق مع السعي الحثيث لإزالة المعوقات الإدارية والقانونية من أمامه بما يمكنه من زيادة إنتاجه وإنتاجيته وتعزيز ثقة المستثمرين به، وبالتالي يكون قادراً على المنافسة وبما يؤمن نسباً عالية من النمو المستدام ويساهم في خلق فرص عمل جديدة للشباب ويحسن من مستويات ونوعية عيش اللبنانيين.

كذلك، فإن الحكومة مستمرة بإيلاء اهتمام خاص بالقطاعات الإنتاجية التقليدية ولاسيما في الصناعة والزراعةبتأمين المناخات الملائمة لتشجيع المبادرات الاقتصادية والاستثمارية في مجالات الصناعة والزراعة. من جهة أخرى ستعمل الحكومة على توجيه الجهود نحو التركيز على تشجيع الأنشطة وإنتاج السلع ذات القيمة المضافة العالية، والتي يتمتع لبنان بميزة تفاضلية وبالتالي تنافسية فيها. هذا مع السعي المستمر إلى إيجاد الوسائل الكفيلة باستبدال المنتجات التي لم يعد للبنان طاقة على الاستمرار في إنتاجها لكونه لا يتمتع بقدرة تنافسية حقيقية في إنتاجها وذلك بمنتجات تتولاها المؤسسات الإنتاجية المعنية والتي لديها قدرة أكبر على المنافسة فيها. كما ستعمدالحكومةإلى اعتماد الآليات التي تشجع على رفع مستوى الإنتاجية والقدرة التنافسية للمؤسسات الإنتاجية والدفع باتجاه اعتماد المعايير والمواصفات الدوليةمما يمكن السلع اللبنانية من المنافسة في أسواق التصدير.

كما وستعمل الحكومة على تنمية وتطوير قطاع الخدمات القادر على خلق فرص العمل الجديدة, وبالأخص القطاع السياحي نظراً لأهميته الاقتصادية والإنمائية وتأثيره الايجابي على القطاعات الأخرى. إضافة إلى ذلك ترى الحكومة ضرورةمساندة عملية التحوّل الاقتصادي نحو اقتصاد القرن الـ 21، المبني على المعرفة (knowledge economy). وسـتركزعلى ضـرورة الاهتمـام بقطاعـات الاقتصـاد الجديد "NewEconomy" التي من شأنها أن تحقق نسباً مرتفعةً من النمو والعمالة الجديدة وبما يساعد على اعتماد الإنتاج الفكري مصدراً للدخل والثروة الوطنية.

انه، يهمنا التأكيد على أننا سنسعى إلى أن تكون في خلفية جميع سياساتنا ومبادراتنا مسألة تنمية الطاقات البشرية المميزة والمبادرة، والشابة منها خاصة، والتي تُعتبر الثروة الحقيقية للبنان، والتي على أساسها سوف يبني لبنان اقتصاداً عصرياً.

ولا بد من التأكيد أيضاً على أننا سوف نولي المؤسسات المتوسـطة والصغيـرة الحجم "SMEs" اهتماماً خاصاً وتشجع على تأسيس المؤسسات الناشئة "Start-ups" التي تسمح للشباب بالانخراط في القطاعات الإنتاجية وترسّخ بقاءهم في الوطن. كما سنعمدإلى تشجيع المبادرات الاقتصادية الجديدة من خلال تسهيل عميلة الانخراط في العمليات الإنتاجية وكذلك في تأمين سهولة الانسحاب منها إذا اقتضى الأمر. إن هذا ما يتطلب ذهنية جديدة ومبادرة تستوجب عقداً جديداً بين فرقاء الإنتاج المتمثلين بأرباب العمل والعمال والدولة وبما يؤدي في محصلة الأمر إلى إطلاق حيوية الاقتصاد اللبناني وزيادة فرص العمالة فيه.

أيها السيدات والسادة،

إن تحقيق الأهداف المذكورة أعلاه، والتي نصبو جميعا إليها، يعتمد بصورة أساسية على نجاح الدولة من خلال أنظمتها ومؤسساتها وممارساتها في إفساح المجال أمام المبادرات الفردية للإنتاج والاستثمار وتنشيط الحركة الاقتصادية من جهة، ومن خلال تخفيف عبء التكاليف المترتبة على المواطنين وعلى المؤسسات الإنتاجية من جهة أخرى.

إن فهمنا لهذا الواقع يدفعنا إلى العمل على تطبيق مبدأ الحكم الرشيد ومحاربة الفساد والرشوة والعمل على إيجاد أسس حديثة للمساءلة والمحاسبة والمراقبة، وفصل السلطات وتعزيز دور المؤسسات ودور القضاء وضمان استقلاليته. هذا إضافةً إلى العمل على إعادة صياغة دور الدولة العصرية والفعالة وإعادتها إلى الاعتبار مبادئ وقيم الكفاءة والإنتاجية والنزاهة وسيادة القانون، بحيث تصبح الدولة ومؤسساتها تدريجياً قادرة على مواكبة التطورات على الساحة العالمية والتلاؤم معها وبالتاليتكون قادرة على مواكبة ديناميكية القطاع الخاص اللبناني، ومحفزة لها وأن تثبت في أدائها دوماً، أن علة وجودها هو خدمة الناس.

دولة تحدد دورها في الاقتصاد بما يتلاءم مع قدراتها والتحولات الجارية في العالم من حولنا وتعيد الاعتبار للقطاع الخاص وتعمل على تسهيل عمله وتعزيز مبادراته وتطلق إمكاناته الإبداعية، دون الدخول مباشرةً في عمليات الإنتاج والإدارة للمرافق والنشاطات الإنتاجية،مع وضع الضوابط اللازمة لحماية حقوق المواطنين وسلامتهم.

أيها السيدات والسادة،

إن لبنان اليوم بالفعل أمام أجندة إصلاحٍ كبيرة، هدفها الأول والأخير تحقيق النمو المستدام وخلق فرص عمل جديدة. ونحن ناضلنا للسير في بنود هذه الأجندة الإصلاحية منذ سنين عديدة، وكان هناك من يسعى دائماً لعرقلةِ وتفشيل جهودنا في هذا الاتجاه. لكنّ البلادَ اليومَ أمام فرصةٍ تاريخيةٍ وفريدةٍ للإصلاح لا عذر لنا على الإطلاق إن ترددنا أو تواكلنا أو تأخرنا. إن تحقيق الأهداف التي توافق اللبنانيون عليها يشترط تطبيق حزمة كاملة ومتكاملة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية والمالية والتي ينبغي تنفيذها دون انتقاص أو اجتزاء أو انتقائية أو إبطاء، وهي التي جرى تفصيل قسم كبير منها في البرامج والمشاريع الإصلاحية المبينة في مشروعي موازنتي العامين 2003 و2005. إن تنفيذ هذه الإصلاحات يمكن لبنانمن تحسين مجالات استعمال كامل طاقاته وموارده البشرية والمادية والزمنية، العامة والخاصة، ويضعه على المسار الراعي للاستثمار والداعم لعمل القطاع الخاص وتحقيق النمو المستدام وخلقفرص العملالجديدة.

إن اللبنانيين متفقونَ اليوم أكثر من أي وقت مضى على تنفيذ المشاريع الإصلاحية كافة، ونحن عازمون على المضي قدماً بهذا الاتجاه.

أيها الأصدقاء،

إنه وبالإضافة إلى عزيمة اللبنانيين وإدراكهم لمصلحتهم وإيمانهم بمستقبل وطنهم، فقد تلقينا العديد من إشارات الدعم والتضامن من جانب الأشقاء والأصدقاء في العالَم. ولقد تلقَّينا بداية مثلَ تلك الإشارات فعلاً من المملكة العربية السعودية والكويت وجمهورية مصر العربية. كما أن هناك دولاً أخرى شقيقة وصديقة ومؤسسات عربية ودولية أبدت تأييدها ودعمها لبرامج لبنان الإصلاحية واستعدادها للمساعدة، بما يسمح بعودة النمو وتدعيم الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي والاجتماعي في البلاد.

إنني أود التأكيد هنا أن زيارتنا الأخيرة إلى الولايات المتحدة تصب في الاتجاه نفسه لناحية استقطاب الدعم الدولي لبرنامج لبنان الإصلاحي. والدول الشقيقة والصديقة التي شاركت في اجتماع نيويورك، أبدت اهتماما متزايدا ببرنامج الحكومة الإصلاحي، كما أثنت على الجهود التي تقوم بها الحكومة على صعيد الخطوات التي تتخذها في هذا المجال. كما أبدت هذه الدولتمسكها باستقلال وسيادة لبنان وثقتهابمستقبله وبالخطوات الجريئة التي اتخذتها الحكومة وتعمل على اتخاذها على صعيد العملية الإصلاحية، سواء على المستوى الإداري أو على مستوى الإصلاحات السياسية والمالية والاقتصادية وكيفية ترجمتها إلى مشاريع إصلاحية حقيقية. ونحن نعرض عليها برنامجا جريئاً وواقعيا قابلا للتنفيذوالذي لا بديل عملي له مع استعدادنا وانفتاحنا الدائم للاستماع لشتى وجهات النظر والحوار معها والمراجعة من أجل تحسين مستويات قراراتنا لما فيه خير لبنان واللبنانيين. إلا أنني أود التأكيد هنا أن تنفيذونجاح هذا البرنامج منوط باللبنانيين أولا، وتأتي المساعدات الخارجية مكملة لجهودنا المحلية وداعمة لهذا النجاح.

إنه يكون علينا إذاً أن نثق بأنفسنا وببعضنا بعضاً، وأن يعلوَ التزامنا الوطني والقومي على كل اعتبار وأن نحاذر الوقوع في متاهات التردد والانطواء والعصبيات، لكي يثق الأشقاء والأصدقاء بنا. أنه ليس مهماً ما يريده الآخرون منا بقدر ما يهم ماذا نريد نحن من أنفسنا ولوطننا ومن أجل ماذا نعمل وكيف لنا أن نستجمع جميع الطاقات والإمكانات لتحقيق هدف اللبنانيين ولاسيما ما تتمناه أجيالنا الشابة في العيش الحر والكريم.

أيها الأصدقاء،

ستتوج تظاهرة دعم لبنانالتي بدأت في نيويورك بعون الله وتوفيقه وعمل اللبنانيين ونضالهم بانعقاد مؤتمر بيروت أواخر السنة الجارية، من اجل إقرار آلية تقديم المساعدات الاقتصادية والتقنية للبنان بما يدعم برنامجه الإصلاحي، الأمر الذي من شأنه تعزيز النمو والازدهار وتفعيل الحركة الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة.

أيها السيدات والسادة،

أود أن أشكر مؤسسة Lebanon Opportunitiesوجميع العاملين فيها والسيد رمزي الحافظ على هذه المبادرة لإقامة وتنظيم هذا المؤتمر للسنة الثالثة على التوالي وأن أشكر كذلك جميع المنتدين والمشاركين في هذا المؤتمر وجميع الذين ظل إيمانهم بلبنان ومستقبله ومستقبل قطاعاته الإنتاجية بحجم طموح اللبنانيين وسعيهم الدائم نحو آفاق لا حدود لها متمنياً لكم جميعاً وللبنان كل التوفيق.آملاً أن تتوسع المشاركة في هذا المؤتمر الذي أصبح حدثاً سنوياً لتشمل رجال أعمال ومستثمرين عرباً وأجانب.

 

مع تمنياتي لكم جميعاً بالتوفيق.

 

الثلاثاء في 27 أيلول 2005

مركز المؤتمرات- الضبية

                                رئيـس مجلـس الـوزراء

                                فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
27/09/2005