كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة – بمناسبة إصدار الحسابات القومية للأعوام 1998- 2002

-A A +A
Print Friendly and PDF

أصحابَ المعالي والسعادة،

أيها الحضور الكرام،

يسعدني أن أكون معكم في المؤتمر الصحفي المخصص لإصدار الحسابات القومية للأعوام 1998- 2002، وكنت قد شاركت شخصياً منذ أكثر من عامين في المؤتمر الصحفي المخصص لإصدار الحسابات القومية للعام 1997، في 19 أيار من العام 2003، والذي عُقد برعاية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، عرّاب هذا المشروع، وبحضور الوزير الشهيد باسل فليحان الذي كان المنظِّمَ والمحرِّكَ له.

ولا شكَّ أنكم جميعاً تشاطرونني الإحساس أنّ النجاحَ الذي نحتفلُ به اليومَ ممزوجٌ بالكثير من الحزن والوجع لغياب رجلين عزيزين علينا، نذرا وقتَهما وعملَهما للبنان ولتقدمه وتطوره واستُشهِدا لأجل لبنان... الرئيس رفيق الحريري، والنائب باسل فليحان، الباقيان في قلوبنا وعقولنا، والباقيان ِفي الحياةِ الوطنية. فليكن النجاحُ الذي نحتفلُ به اليومَ عربونَ محبةٍ ووفاء لجهودهما وإيمانهما الصادق بالوطن، وتحيةً وتكريماً لهما.

أيها الحضورُ الكرام،

إنّ النجاحَ الذي نحتفل به يُعتبر خطوةً أساسيةً ومهمةً باتجاه تطوير وإصدار إحصاءات اقتصادية شاملة. وأود أن أتقدم بالشكر الكبير من كل من ساهم وشجع ودعم وواكب هذا المشروع الحيوي.

وبدايةً، أودُّ أن أعبر عن فائق امتناني للسلطات الفرنسية الصديقة التي قدمت الكثيرَ لتنفيذ هذا المشروع ونجاحه. وأخص بالشكر المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في فرنسا (الـ INSEE) والسيد آلان تراناب Alain Tranap، رئيس مكتب التعاون التقني في المعهد، الذي أشرف وتابع شخصياً وبصورةٍ متواصلةٍ تنفيذَ مختلَفِ مراحلِ المشروع.

كما أَغتنمُ الفرصةَ أيضاً للتنويه بجهود فريق العمل في وزارة الاقتصاد والتجارة الذي أَسْهَمَ في إنجاز هذا العمل الذي يوصف بالتقنية العالية, والذي تم تحت إشراف الأستاذ روبير كسباريان الذي وضع معرفته وخبرته تحت تصرف المشروع. كما أشكر أيضاً الإدارات والجهات اللبنانية التي قدمت الدعم بمن فيهم كافّةَ أعضاء اللجنة التوجيهية.

وأود أخيراً وليس آخِراً توجيه الشكر إلى معالي وزراء الاقتصاد والتجارة المتعاقبين، الأستاذ مروان حماده، الأستاذ عدنان القصار والأستاذ دميانوس قطار والأستاذ سامي حداد، على دعمِهِم المتواصل لفريق العمل وتسهيل مهمته، إيماناً منهم بأهمية نجاح المشروع.

أيها السيدات والسادة،

أصبحت الحسابات الاقتصادية للأعوام 1997- 2002 جاهزةً وبمتناوَل الجميع. وقد بُذِلت جهودٌ كثيرةٌ لتكونَ هذه الحساباتُ مطابِقةً في هيكليتِها وصيغتِها والمنهجية المتَّبعة لتوجيهات اللجنة الإحصائية للأمم المتحدة. وأنا على علم بأن صندوق النقد الدولي اعتمد نتائجَ هذه الحسابات في تقاريره ولدى إعداده لتصورات النمو الماكرو اقتصادي.

وقد أثبتت هذه الحساباتُ مرةً جديدة أن الاقتصاد اللبناني يتمتع بخصوصية فريدة، إذ تُشير الأرقام إلى أن الناتج المحلي لا يغطي إلا حوالي 75 إلى 80% من إجمالي الدخل الوطني المتوافر (GNDI). إن الاختلاف بين الدخل المتوافر والناتج المحلي القائم كان معلوماً من الجميع ولكنه لم يكن يقدَّرُ بطريقةٍ علمية. والمعطياتُ المتوافرةُ اليومَ بين أيدينا تسمحُ لنا بتحليل الإنتاج والإنفاق والدخل والتحويلات الدولية الخاصة إلى لبنان.

ولعلَّ هذه الخصوصيةَ التي أثبتتْها الدراسةُ والأرقامُ شكَّلَتْ مناعةً أساسيةً لاقتصادنا الوطني ساعدتْهُ على التلاؤم مع المراحل الصعبة والصمود أمام التحديات. والحقيقةُ أيضاً أن هذه الخصوصيةَ نفسَها ساعدت الاقتصادَ اللبنانيَّ على التجاوب، وبسرعة، مع الخضات الايجابية والإجراءات التي من شأنها تحفيز النمو وتحريك العجلة الاقتصادية. وتجربةُ مؤتمر باريـس-2 هي خيرُ دليلٍ على ذلك.

وفي هذه المناسبة، لا بد من إعادة التأكيد على أهمية اعتماد لغة الإحصاءات الدقيقة والواضحة والتأكيد على أهمية وجود قاعدة بيانات إحصائية شاملة ودورية لما للأمر من فائدةٍ على المستوى الاقتصادي والوطني، لاسيما لدى صانعي القرار وواضعي السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فالإحصاءات الدقيقة والواضحة تساعد على رسم الواقع الاقتصادي والاجتماعي والاستثماري للبلد المعني بصورة موضوعية، وتساعدُ على المقارنة مع الماضي ووضع أُسُس وأهداف للمستقبل، وبالتالي هي أساسيةٌ في صنع السياسات السليمة والفعالة. وتكتسب الإحصاءاتُ الجيدةُ أهميةً خاصةً في عملية استقطاب الاستثمارات ووضع البرامج الإنمائية لمساعدة المناطق الأكثر عَوَزاً، وتطوير وتفعيل البرامج الاجتماعية التي من شأنها تدعيمَ شبكات الأمان. كما تساعد الإحصاءات على تحديد الميزات التفاضلية للاقتصاد الوطني والاستعمال الأفضل للموارد المتاحة.

وللحسابات الوطنية تحديداً دورٌ بارزٌ في رسم الواقع الماكرو- اقتصادي، وتقدير معدلات النمو المستقبلية، وتفسير التفاعل بين مختلف القطاعات. ومع إصدار سلسلة الحسابات يُفسح المجال لإجراء دراسات تقييمية وتحليلية مختلفة، منها ما هو أكاديمي ومنها ما هو تطبيقي قد يُسْهِمُ في تطوير سياسة الحكومة الاقتصادية.

وتعتزمُ الحكومةُ المُضِيَّ قُدُماً باتجاه تدعيم وتطوير الإحصاءات الوطنية، وقد أوعَزْتُ إلى فريق العمل لدينا باتخاذ الإجراءات الضرورية والقيام بالتنسيق اللازم مع مختلف المعنيين بهدف استكمال إصدار الحسابات الوطنية للعامين 2003 و2004 تمهيداً للعودة لإعداد ونشر هذه الإحصاءات بشكل طبيعي وسنوي. كما أننا بصدد التعاون مع البنك الدولي لوضع مخطط توجيهي شامل للإحصاء في لبنان (To Develop a statistical master plan for Lebanon)

أيها الحضور الكريم،

قام معالي وزير الاقتصاد والتجارة الأستاذ سامي حداد بمبادرة تنظيم ورشة للخبراء في شؤون الاقتصاد والإحصاء ستنطلقُ مباشرةً بعد الانتهاء من هذا المؤتمر الصحفي، وستُتيحُ لهم تحليلَ ومناقشةَ كافة النتائج التي توصلت إليها الدراسة والتعليق عليها بشكلٍ معمَّقٍ ومفصَّل. وأشكرُ جميع المشاركين في الورشة على اهتمامهم، آملاً أن تكون النقاشاتُ مثمرةً وبنّاءةً. وسأبادر إلى الإطلاع على نتائجها ومتابعتها مع وزير الاقتصاد والتجارة وجميع المعنيين للتأكيد على مدى اهتمامنا بهذا التعاون وتعزيز آثاره الإيجابية على كيفية الاستفادة من هذا الحوار لما فيه تحسين مستويات ونوعية التوجهات والقرارات.

أيها السيدات والسادة،

إن نجاح مشروع التعاون مع الـ INSEEوصدور الحسابات الوطنية للأعوام 1997- 2002 يشكل تقدماً مهماً في مجال الإحصاء، الأمر الذي يجب ان يُعَزز ويُتابع. ونحن نتطلع الى التعاون مع جميع الدول والمؤسسات الدولية التي هي على استعداد لمساعدتنا ودعم جهودنا في هذا المجال. كما ونتمنى أن يتواصل التعاوُنُ التقني بيننا وبين فرنسا من خلال الـ INSEEبنفس الروحية والفعالية.

فهدفُنا النهائي بالإضافة إلى تطوير الإحصاءات والأرقام، تطويرَ ثقافة إحصائية واقتصادية أيضاً تكون بمستوى التطور الفكري والثقافي الذي يتمتع به لبنان. وهذا يتطلب جهوداً جبّارةً وعملاً دؤوباً إنْ على صعيد الخبراء والتقنيين أو على صعيد صانعي القرارات الاقتصادية. فالتطور والنمو الاقتصادي لأي بلدٍ ديمقراطي يجب أن يواكبه، وبشكل متواز، تطور إحصاءات اقتصادية واجتماعية دقيقة، وشفافة، وواضحة، تكون دوماً بمتناول الجميع.

وسنظل على أتم الاستعداد لدعم كل الجهود الآيلة لتوفير افضل المعلومات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، وسنولي هذا الموضوع كلَّ الاهتمام الذي يستحقه.

وشكراً.

الجمعة في 30 أيلول 2005

رئاسة مجلس الوزراء

                                رئيـس مجلـس الـوزراء

                                فــؤاد الســنيورة

تاريخ الخطاب: 
09/09/2005