كلمة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في جلسة مناقشة الحكومة في الوضع الأمني

-A A +A
Print Friendly and PDF

دولة الرئيس،

السادة النواب،

 أود في مستهل كلمتي ان اتقدم منكم دولة الرئيس ومن  جميع السادة النواب الذين تعاقبوا في مداخلاتهم القيمة اكانت مؤيدة للحكومة او معارضة او منتقدة لها بالشكر والتقدير.

كما أريد التأكيد في بداية كلمتي هذه باسم الحكومة أنّ الموضوع الأمنيَّ هو رأسُ أَولوياتنا. ففضلاً عن الحرص على حياة المواطنين وأمنهم وأرزاقِهِمْ وممتلكاتِهِمْ، نحن حريصون وعاملون على تحقيق الدولة الآمِنة وليس الدولة الأمنية، كما سبق لي أن قلتُ مراراً، إذ بدون الأمن ودولتِهِ لا تقومُ حياةٌ سياسيةٌ أو اقتصاديةٌ قويةٌ ومُزدهرة. فالأَمْنُ بالنسبة للناس مِثْلُ الخبز، وقد جاء في القرآن الكريم في مجال ذِكْر نعمة اللهِ على قُريش بمكة أنه أَطعَمهُمْ من جوعٍ وآمَنَهُم من خوف، فقرن الأمن بالغذاء في أهميتهما للعيش. ولذلك كلِّه نريدُ القضاءَ على هذا الخطر المستجد الذي تعاني منه البلاد. وأنا واثقٌ أنّ الإخوةَ النوابَ الذين طالبوا بعقد هذه الجلسة، بل وسائر أعضاء المجلس النيابي الكريم، يريدون الأمن والسِلْمَ مثلَنا وأكثر. فالأعمالُ الإجراميةُ الإرهابية تُهدِّدُ أكثر ما تُهدِّدُ الحياة السياسية والحياة الإعلامية، وهما شريانان حيويّان للحياةِ الحرةِ والمُزدهرة بلبنان.

إنّ من حقِّ اللبنانيين أن يشعروا أخيراً بالأمن والأمان، بعد ثلاثين عاماً، من التوتر الأمني أو السياسي أو هُما معاً. ويكونُ علينا أن لا ننسى عاماً كاملاً خطيراً في اضطراباته وتأثيراتِه على البلاد والعباد.

هناك قبل عامٍ محاولةُ اغتيال الصديق والزميل مروان حمادة. وبعدها وقعت جريمةُ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والزميل الوزير والنائب باسل فليحان ورفاقهما. ثم كانت جريمة اغتيال الدكتور سمير قصير، فالأستاذ جورج حاوي، وصولاً لمحاولة اغتيال الزميل الوزير الياس المر، والإعلامية السيدة مي شدياق، اللذين نرجو لهما الشفاءَ العاجل. وبين هذه الجريمة وتلك حدثت تفجيراتٌ في مواقعَ متعددة أضرّت بحياة الناس وممتلكاتِهِم. فمن حقِّ الناس أن تقلَق، ومن حقِّها مطالبةُ الدولة بضمان الأمن، وتحقيق الاستقرار، وكشف المجرمين والإرهابيين، الذين يعبثون بالأمن ويسعَون من وراء جرائمهم لضرب الاستقرار، وإحداث الفتنة، وإفقاد اللبنانيين الثقةَ بدولتهم وحكومتهم ومؤسساتِهِمْ. وهذا تَحَدٍّ نسعى بكل قوانا أن نكونَ أهلاً لمواجهته مهما كلّف الأمر من جهد وتضحيات مدعومين بثقة مجلسكم الكريم وبثقة جميع المواطنين على اختلاف مشاربهم.

إنّ التحدّيَ الذي أتحدّثُ عنه: تحدّي تحقيق الدولة الآمنة هو رأسُ واجباتِنا تُجاه اللبنانيين، ونحن لا نتهرب من مسؤولياتِنا بأيّ حال. بيد أنَّ الأمن الشامل وشبهَ الكامل هو أمنٌ سياسيٌّ بالدرجة الأولى، ويتطلبُ توافُقاً سياسياً كبيراً من المواطنين ليس حول الحرية والاستقلال والسيادة فقط، بل وحول ديمقراطية النظام السياسي، وبناء المؤسسات الحامية للنظام. ونحن نناضلُ من أجل إرساء الأعراف في العلاقات الدستورية بين السُلُطات، وفي آليات تبؤ الوظيفة العامة، وفي الوصول المباشر إلى اللبنانيين جميعاً في ما وراء الأحزاب والطوائف والفئات، من أجل استتبابِ سلطة الدولةِ الساعية لتحقيق أمن المواطنين. وليس دونكم سرّ، فكُلُّ محاولاتنا ومساعينا موجودةٌ أخبارُها في الإعلام، وما جرى بالأمس في مجلس الوزراء من إقرار لسلسلة من التعيينات والتشكيلات الأمنية بالإجماع هو حصيلةٌ أوَّليةٌ لمساعي البناء الحثيثة والتي أرجو أن تظهر آثارُها الإيجابية سريعاً في الأمن وفي القضاء وفي مجالاتٍ أخرى كثيرة.

لقد انطلقت وزارةُ الداخلية منذ اللحظة الأولى لإعادة هيكلة وتفعيل المؤسسات الأمنية. وأودُّ التذكير أنه لدى تأليف الحكومة ما كان حالُ الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية وخصوصاً الأمنيةَ منها بأفضلَ حالاً من الجهاز الإداري. وكان لا بد من العمل على البناء والتكامل والتنسيق بحيث تستطيعُ الوزارة مواكبة مستجدات الوضع الأمني المتسارعة في هذه المرحلة الدقيقة والحسّاسة. إنّ كثيراً منكم يعرفون ما أتحدثُ عنه، ولكنْ لا بأس من الإشارة إلى تقرير رئيس لجنة تقصّي الحقائق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري السيد بيتر فيتزجرالد فقد أشار فيه بصراحةٍ إلى ضعف الأجهزة والمؤسسات الأمنية، وطالب بإجراءاتٍ وتجهيزاتٍ لتدعيمِها وجعْلِها أكثرَ فعاليةً واقتداراً لمواجهة التحديات الأمنية المستجدة وذلك من ضمن الإمكانات البشرية والمادية والتنظيمية والتقنية المتوافرة أو تلك القابلة للتوفير من ضمن الجهود الكبيرة التي يجري القيام بها لتأمينها.

والذي تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن الملاك المفترض للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي هو 29500 عنصر. في المقابل فإن العديد المحقق حالياً هو 17904 عنصراً وذلك بعد أن تم مؤخراً تطويع حوالي 5000 عنصر جديد.

عندنا إذن ضَعْفٌ في العُدّة والعديد رغم الزيادة المذكورة. لكنْ هناك عاملٌ آخَرُ لا بُدَّ من الإشارة إليه. فجميعُ الأجهزة الأمنية اللبنانية كانت وحتى عهد قريب تنسِّقُ عملياً مع جهاز الأمن السوري الذي كان يوجِّهُ هذه الأجهزة والتي كانت تنفِّذُ ما يُطْلَبُ منها بالأمر المباشر أو غير المباشر. وما كانت معظمُ الأجهزة والمؤسسات الأمنية اللبنانية تملكُ وسائل وشبكاتٍ لاستقصاء المعلومات الأمنية الكافية لضمان مصلحة البلاد وأمنها الوطني، وتبقى في آن معاً في خدمة المؤسسة بغضّ النظر عن المسؤول الذي يتولى هذه المهمة أو تلك في فترةٍ زمنيةٍ محدّدة. وكما سبق القول، فإنّ تلك الشبكات ما كانت متوافرةً بالشكل الذي يتصورُهُ البعض، إمّا لتراخيها وإهمال القائمين عليها، وإمّا لاعتمادِها على الغير بشكلٍ شبهِ كامل. وهكذا فقد كان التغنّي بالأمن الممسوك شعارَ المرحلة الماضية، في ظلّ التبادُلية المفروضة: أمنٌ ممسوك في مقابل سيطرة النظام الأمني على الحياة السياسية والإفساد المتزايد للحياة الاقتصادية وكذلك التعرض لحريات الناس وكراماتهم. وعندما بدأ نظامُ السيطرة يتفكك بدأ المسلسلُ الإرهابيُّ الذي ما يزالُ يضرِبُ لبنان منذ عام بناء لقرار متخذ على ما يبدو للعبث بالأمن والاستقرار والوحدة الوطنية.

لقد بدأت مساعينا في السياسة أولاً، بتشكيل حكومةٍ تضُمُّ معظَمَ التيارات والكُتَل السياسية. وما قطعْتُ مع الإخوة والزملاء الذين آثروا البقاءَ خارجَ الحكومة. وأعلنتُ عن إرادتي تطبيقَ الدستور لجهة فصل السلطات وتعاوُنها، ولجهة العلاقة برئيس الجمهورية. لقد اعتقدتُ أنّ إراحة الأجواء السياسية، في الظرف الخطير الذي يمرُّ به لبنان، كفيلةٌ بسدّ الثقوب والتجاذُبات التي يمكن أن تتسلَّلَ منها الفتنة، أو يعتمدَ عليها الإرهابيون.

وفي الوقت نفسِه تحركت وزارةُ الداخلية لإعادة هيكلة مؤسساتها بإجراء التشكيلات، وزيادة عديد العناصر الموجودة في الخدمة الفعلية وتدريبها وتعزيز الخبرات التقنية لديها وتزويدها بالتجهيزات الضرورية والحديثة لدعم قُدُراتها الفعلية في الحركة والقيام بالمهمات المطلوبة منها في هذه المرحلة. وكذلك بادرت وزارة الداخلية إلى الاستعانة بالمهارات والخبرات اللازمة من طريق إجراء الاتصالات بالدول الشقيقة والصديقة لدعم لبنان. كما قد تمَّ أخيراً وبالأمس في مجلس الوزراء تعيينُ مديرٍ عامٍ للأمن العامّ، وكذلك قادةُ وحدات قوى الأمن الداخلي.

ربما تأخرت التشكيلات وكان ينبغي أن لا تتأخر؛ إلا أن هذه التعيينات والتشكيلات لا ينبغي أن تخلق انطباعاً لدى المواطنين أن من شأنها بمفردها أن تحل المشكلة، بيد أنها خطوةٌ مهمةٌ جداً إلى الأمام على طريق محاربة الإرهاب الذي يتطلب جهوداً متواصلةً وعملاً دؤوباً لمواجهة تحدياته ومخاطره.

نحن لا نُنكِرُ وجوهَ القصور، ولا نتنكَّرُ للمسؤوليات المُلقاة على عاتقِنا. فالإضعاف المقصودُ للأجهزة الأمنية اللبنانية موروث من المرحلة الطويلة الماضية، وينبغي أن لا يبقى، وأن يجريَ تجاوُزُهُ بسرعة. ثم إنّ الظرف استثنائي، والجرائم السياسية الحاصلة استثنائية. فالذي نُواجهُهُ اليومَ عدوٌّ إرهابي ما كانت البلادُ مستعدةً له وعلينا الارتفاع إلى مستوى التحدي الجديد بمساعدتِكم أنتم، ومساعدة الأشقاء والأصدقاء، وجهود لجنة التحقيق الدولية، والمجتمع الدولي وقبل ذلك وبعده المواطنون اللبنانيون الذين يشاركون بصبرهم وبصمودهم وتضحياتهم في التصدي لهذا العدو من أجل تحقيق هدف التغلب عليه والذي ليس لدينا إزاءه إلا الإصرار على الانتصار عليه وسننتصر.

دولة الرئيس،

أيها السادة النواب،

لا أريدُ البقاءَ في العموميات. فمن أجل وضع المؤسسات الأمنية في ذروة فعاليتِها على الرغم من كل الصعوبات ووجوه سوء الفهم والتقدير، جرى اتخاذ خطوات محدَّدة أهمُّها:

أولاً:   إنشاء غرفة عمليات مستقلة يصدر عنها تشكيل دوريات مشتركة من قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة.

ثانياً:   إعطاء التعليمات إلى وزارتي الداخلية والدفاع لإجراء تنسيق مباشر ما بين قوى الأمن الداخلي والجيش دون التقيد بالروتين الإداري. وقد جرت اجتماعاتٌ تنسيقيةٌ فعلاً بين الجيش وقوى الأمن الداخلي. وبنتيجة ذلك زادت قيادة الجيش من إجراءاتها لمراقبة وضبط تحركات الأشخاص والمعدات عبر الحدود البرية والبحرية. وهناك الآن حواجزُ مكثَّفةٌ ودورياتٌ ونقاطُ مراقبةٍ في المناطق الساحلية والجبلية، وبخاصةٍ في الأماكن التي دلّت الخبرة والمعلومات على أن التسللَّ يجري منها. وتعملُ مديريةُ المخابرات بالجيش بشكلٍ مركَّزٍ إلى جانب قوى الأمن الداخلي في مجال كشف مرتكبي أعمال التفجير والتدقيق بكل عملٍ مشبوه، مع الاهتمام بالأمن الوقائي والاستنباقي. وأريد التنويهَ هنا بأمرين: المسارَ الجيّد لعمليات التنسيق بين الأجهزة الأمنية كافة. والأمر الآخر: الجهوزية العالية للجيش اللبناني التي ارتفعت للحدّ الأقصى بما في ذلك إشراك جميع القوى، والتمديد لعدة آلافٍ من المجنَّدين للتمكُّن من القيام بالمهامّ الاستثنائية في هذا الظرف بالذات.

ثالثاً:   الاهتمام بقطاع المعلومات. لقد أجرى وزير الداخلية تشكيلات محدودة في قوى الأمن الداخلي والأمن العام. وقد نتج عن ذلك تحسُّنٌ ملموس في نوعية المعلومات وكميتها، وإنْ لم تصل بعدُ للمستوى المرجوّ. وقد أبلَغَني وزيرُ الداخلية أنّ الأجهزة الأمنية، وبسبب تكثيف التنسيق في ما بينها، استطاعت تأمين المستلزمات الضرورية لانطلاقةٍ قويةٍ في وحدة المعلومات بالذات. وبسبب النجاح في تنسيق المعلومات بين الجيش والقوى الأمنية الأخرى، أمكن القيام بمهامَّ عديدةٍ مشتركة، ومن ضمنها مداهمة العديد من مخازن أسلحة ومتفجرات في العاصمة والمناطق، وإلقاء القبض على الأشخاص الذين لهم علاقةٌ بهذه المضبوطات وإحالتهم على القضاء المختصّ.

رابعاً:  ولكي يستقرَّ التنسيقُ ويصبحَ مؤسَّسياً فقد تقرر تفعيل وتنشيط غرفة عمليات مشتركة للمعلومات الأمنية والاستعلام المنصوص عنها في المرسوم 2791 تاريخ 14 آذار 1980 والتي لم تُعطَ دورَها سابقاً على الإطلاق بين سائر الأطراف الأمنية والسلطات المختصة في المجلس الأعلى للدفاع. وآمل أن يسهم ذلك وعما قريب في حشد كل الإمكانات المتوافرة داخلياً وعلى كل الأصعدة الأمنية والدبلوماسية وتلك القابلة للتأمين من الأشقاء والأصدقاء للتصدي للإرهاب بالوسائل الأنجع والأقدَر.

خامساً:إعطاء التعليمات اللازمة لإعداد مشروع تشكيلات عامة في الأجهزة الأمنية. وما جرى في مجلس الوزراء يومَ أمس كفيلٌ بجعْل التشكيلات هذه وما سيليها على مستوى مختلف القطاعات والوحدات في قوى الأمن الداخلي مُجديةً وناجحة.

والذي أُريدُ لَفْتَ الانتباه إليه أنّ القوى الأمنية والعسكرية أسهمت في الشهور الماضية في مواكبة عمل لجنة التحقيق الدولية بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقامت بتنفيذ مهمات إلقاء القبض على المشتَبَه بهم بهذه الجريمة، وسَوقهم إلى الدوائر القضائية المختصّة بكفاءةٍ مميَّزة شهد لها بها رئيسُ لجنة التحقيق الدولية نفسه.

سادساً:تقوم الحكومة وهي لم ولن تدخر جهداً في تعزيز التواصل الدبلوماسي مع جميع الدول الشقيقة والصديقة ليكونوا سندا للبنان واستقلاله وحريته وسيادته ودعم جهوده في مواجهة تلك الاعتداءات الارهابية التي يتعرض لها وذلك في شتى المجالات والمحافل وبما يمكن لبنان من لاتغلب على تلك الاعتداءات .

سابعاً:  وفي موضوع اخر ومع اقرارنا الكامل بان لا شيء يعوض عن خسارة الارواح وعما تتسبب به تلك الاعتداءات من اعاقات وخسائر ، الا اننا بادرنا وعقب عودتنا من الولايات المتحدة الى الدعوة لاجتماع للهيئة العليا للاغاثة للبت وبسرعة في التعويض على الخسائر التي يتحملها المواطنون والتي اعلنا عنها في حينه وقد جرى رصد مبلغ عشرة مليارات ليرة بشكل اولي لهذا الخصوص يفترض انه قد بدأ العمل بدفعها .

دولة الرئيس،

الإخوة النواب،

يعرفُ كثيرٌ منكم ماذا قال السيّد المسيح لمارتا، قال لها: إيهِ مارتا، إيهِ مارتا، تسألين عن أشياءَ كثيرة، والمطلوبُ واحد! المطلوب من جانب المجرمين والإرهابيين زعزعة الاستقرار الأمني في لبنان، والضرب في مناطق معينة لإحداث شرخ وطني، أما اللبنانيون فيريدون الدولة الآمنة. وأنا واثقٌ أن المجرمين لن يتمكنوا بعد 14 آذار من الوصول إلى التفرقة والفتنة. لكنْ هذه أرواحٌ بريئةٌ ينبغي حمايتُها والحفاظُ عليها. وهذا بلدٌ قضى عقوداً في التوتر والتوتير، ويريد الأَمْن والهدوء، والاستقرارَ والازدهار. ليس هناك شعبٌ في العالَم أحقّ من الشعب اللبناني بالحرية والاستقلال، وبالاستقرار والأمن والديمقراطية. قلتُ إنّ المجرمين لن يستطيعوا تفكيكَ الوحدة الوطنية. لكنهم يستطيعون النَيلَ من ثقة الشعب اللبناني بنظامه ودولته ومؤسساته إذا لم نتعاضد ونتآزر من حول دولتنا ونظامنا الديمقراطي وأمن مواطنينا، فنتصدى لهذه الموجهة الإرهابية المجرمة. وهذا هو التحدي الثاني المطروح على هذه الحكومة، وعلى المجلس النيابي، والسلطة القضائية، والجهات الأمنية. التحدي الأول كَشْفُ المجرمين وضَرْبُهُم. والتحدي الثاني استعادةُ الثقة بالدولة والنظام، من طريق التوافُق على البناء المؤسَّسي الأمني والقضائي والسياسي. ومن طريق اعتبار العمل السياسي الديمقراطي، والتداول السلمي على السلطة، وخضوعها للمراقبة والمحاسبة، مسلَّماتٍ وحقوقاً للمواطنين لا يَمَسُّ بها إلاّ الخارجون على الدستور والقانون وإرهابيو التفجيرات والاغتيالات.

لن نوفّر إذن جهداً أمنياً أو سياسياً لضرب الإرهابيين، ولاستعادة الثقة بالنظام وبالدولة. لا يجوزُ أن تكونَ الجريمةُ أكبرَ من الوطن. ولا تنسَوا أننا نباشر ممارسةَ الأمن اللبناني الذاتيِّ، والتوافُقات الديمقراطية، للمرة الأولى منذ ثلاثين عاماً تقريباً. عندما تذمَّر أمامي بعض الوزراء من طول مدة إعداد البيان الوزاري والتوافُق عليه، قلتُ لهم: أنا كنتُ وزيراً في كل حكومات الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولا أذكر كيف كُتب البيانُ الوزاريُّ الأول، أما البياناتُ الأخرى فكانت تأتينا في معظمها جاهزة، ونُضيفُ نحن إليها بعض الأمور التقنية المتعلقة بالأشياء التي لن تُنَفَّذ، فاصبروا علينا، لأننا نكتُبُ للمرة الأولى، وبأنفُسِنا بيانَنا الوزاري!

لقد خرجْنا من الأمن الممسوك، والأمن المستعار، ونريد الوصولَ حمايةً للوطن ولأرواح المواطنين، إلى الأمن الوطني المستند إلى مشاركة الناس وتبنيهم لقضية تعزيز الأمن، وثقة الشعب اللبناني بدولته ونظامه، واطمئنانه إلى حاضره ومستقبلِه.

نحن نقبل الانتقاد، بل ونُرحّبُ به. لكننا لا تقبلُ التجنّي، ولا نراه مفيداً في الوصول للأهداف التي نتوخَّاها. فليس صحيحاً أنّ الأمن كان مستتباً لوجود قادة الأمن السابقين؛ الذين لم يكن للكثير من ممارساتهم أي علاقةَ بالحفاظ على أمن المواطنين. وليس صحيحاً أننا عندما نطلب مساعدةً تقنيةً من طرفٍ عربي أو دولي، فمعنى ذلك أننا نخضعُ للإمبريالية والاستعمار. فهذه دعاوى في غيرِ موضِعِها، وهي لن تُخيفَنَا، وسنظلُّ نستعينُ بكلّ مَنْ نعتقد أنه قادرٌ على مساعدتِنا في كشف المجرمين والإرهابيين، أو في مساعدة الجهات الأمنية اللبنانية وذلك وفق ما نرى فيه مصلحة لبنان واللبنانيين.

إنني أرى أنّ قرار اللجوء للتفجير والقتل اتُخذ منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة. وما يزال القابعون وراء ذاك القرار، ينفّذونه حتى اليوم، مع دوافعَ جديدةٍ نتيجةَ اقتراب ظهور تقرير لجنة التحقيق الدولية. ونحن مصمِّمون على مجابهة هذا الإرهاب بالعمل السياسي الوطني والعربي والدَولي، وبالأجهزة الأمنية القوية والقادرة، والتي ستُثبتُ للشعب اللبناني أنها أهلٌ للمهمات الصعبة المُلقاة على عاتِقها.

أنا آسِفٌ للضحايا البريئة. وآسِفٌ للشخصيات الكبيرة التي ضربها الإرهاب، وضربتها الجريمةُ الكافرةُ بالأخلاق وبالأوطان وبالأديان. كيف يمكن التعويض عن الرئيس الحريري والوزير فليحان؟ وكيف يمكن التعويض عن سمير قصير وجورج حاوي؟ ثم كيف يمكن التعويض على مروان حمادة والياس المر ومي شدياق، والمواطنين الكثيرين الذين فقدوا حياتهم أو ممتلكاتهم؟

لا بد من مواجهة الجرائم والمجرمين؛ حمايةً للمدنيين والسياسيين والإعلاميين. إنها معركةٌ ضد الإرهاب الذي لن يتورع عن المحاولة ربما مرة بعد أخرى لتحقيق أهدافه الدنيئة. وهي معركةٌ من أجل الحريات الديمقراطية، والمجتمع المدني القادر والفاعل. لقد دخلتْ للأسف في تاريخ لبنان المعاصر هذه الأحداث الجِسامُ التي لا يمكنُ تبريرُها أو القَبولُ بها. قد لا نعرفُ الآن من كان وراء هذا التفجير أو ذاك، لكننا صِرنا نعرفُ الوسيلة للوصول إليهم في محصلة الأمر. وأرجو أن أَمثُلَ أمامكم في يومٍ قريب، نكونُ قد توصّلنا فيه إلى كشف هؤلاء القَتَلة، ومن يقفُ وراءَهُم، وما هي المصالحُ التي يخدمونها بجرائمهم وانتهاكاتِهِم لأمن الناس وحياتِهم. أما حياة الشعب اللبناني فلن تعطلها أصوات وتصرفات الثأريين والمجرمين ودعاة الفتنة والخراب: يرضى القتيل وليس يرضى القاتِلُ.

دولة الرئيس،

أيها السادة النواب،

لقد أردتُ من وراء عرض هذه الوقائع والاستنتاجات أمام مجلِسكم الكريم، أن تكونوا على بيِّنة مما تقوم به هذه الحكومة لمكافحة الجريمة والإرهاب. الإرهاب الذي يضربُ لبنان، وسنتخلَّصُ منه بفضل وحدتنا وتضامُننا وإيماننا بوطنِنا، وبأنّ الديمقراطية لا تعني الضَعْفَ، بل تعني الثقة والقوةَ برأي الناس، وقرارِهِم، وحقّهم في الأمن والحياة الحرة الكريمة.

وشكراً.

تاريخ الخطاب: 
05/10/2005