كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة بجمعية جامع البحر- صيدا

صاحب السماحة مفتي صيدا،
الإخوة في جمعية جامع البحر،
أيها الأصدقاء،
ليست هذه هي المرة الأولى ولا العاشرة التي ألتقيكم فيها بجمعية جامع البحر، وفي رمضانَ وغيرِ رمضان. لكنها المرةُ الأولى منذ عقودٍ التي يَهِلُّ فيها علينا هِلالُ رمضانَ ولا تَهِلُّ علينا طلعةُ الشهيد الرئيس رفيق الحريري. لقد افتقده اللبنانيون والعربُ والعالَمُ أَجمع. لكنني لا أَظنُّ أنَّ أحداً افتقدَهُ افتقادَ صيدا، وافتقادَ بحرِها وبرِّها وناسِها وجوامِعِها وكنائِسها ومدارِسِها وجمعياتِها الخيرية.
نذكُرُهُ رحمهُ الله فنذكر مسيرةً من العطاء الخيري والوطني والإنساني. ونذكُرُهُ فنذكر نموذجاً للكفاح من أجل العيش الكريم، والحاضر النظيف، والمستقبل الواعد. ونذكُرُهُ فنذكر عالَماً من الأفكار والآفاق والاهتمامات غطّت شتّى بقاع الأرض، كأنما هو رحمهُ الله اختصارٌ مركَّزٌ لتاريخ صيدا كلِّه: في الإبحار الشاسع، وفي الأمل الكبير، وفي المشروعات الإنسانية الهائلة، وفي النفس الخيِّرة التي لا تعرفُ غيرَ البذْل وغيرَ التضحية وغيرَ الاندفاع في السُبُل الصعبةِ التي تتحوَّلُ بالجَهد والجهاد إلى جادَّاتٍ ممهَّدةٍ للوطن والأمة.
أيُّها الإخوة، أيها السادة،
من هنا من صيدا بدأ رفيق الحريري مسيرتيه: المسيرة الأولى التي يبدؤها كلُّ الصيداويين من المدينة إلى العالم، والمسيرة الأُخرى مسيرة الخير والالتزام، والتي تفرَّدَ بها تفرُّداً عزَّ نظيرُه. فما أن أحسَّ رحمه الله ببعض السَعة حتى أقبل على إعادة تشييد المدرسة التي تعلَّم فيها طفلاً وفتىً، ثم ما ترك شبراً ولا مَوطناً ولا جهةً في صيدا وفي لبنانَ وديارِ العرب، إلاّ وحاولَ أن تكونَ له صِلةٌ به، مثل هلال رمضان الذي يبدأُ طفلاً ثم ينمو وينتشرُ نورُهُ بالتدريج حتى يكتملَ بدراً ساطعاً: أبو بهاء قَمَرُنا الذي لا يغيب. بل وأكادُ أقولُ إنّ رفيق الحريري بدأَ كبيراً وسيظلُّ كذلك إن شاء الله: فالباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عند ربِّك ثواباً وخيرٌ أَمَلا. فَرَحِمَ الله رفيق الحريري، ورحِمَ أُسرةً طيّبةً أنجبتْهُ، وأجزلَ مَثوبتَهُ على ما قدَّم لبني قومِه ووطنِه وأمتِه.
كان الرئيس الشهيد يذكُرُ جمعية جامع البحر نموذجاً على التزام أبناء صيدا بمدينتِهِمْ وإنسانِهم. الصيداوي، كما قال، لا يكلُّ ولا يملُّ ولا ييأس. جمعَ أهلُ جامع البحر قُدُراتِهِمْ المتواضعة إلى نواياهُمُ الطيّبة وإلى حبِّهم لبحر صيدا وبَرِّها، فكانت الجمعية التي انطلقتْ من جامع البحر لرعاية ذوي الحاجة وللإسهامِ في تضامُنِ أهل البيتِ الواحد والهمّ الواحد والقضية الواحدة. وهذا هو الشأن في مقاصد صيدا وفي دار الأيتام بصيدا وفي أوقاف صيدا وفي مؤسسة الحريري ومدارس الحريري بصيدا. روحُ الجماعة، وعملُ الجماعة، وتضامُنُ الجماعة، وثقةُ الجماعة بنفسِها وبدينِها وبربِّها وبجوارِها وبالناس أجمعين.
أيها الأصدقاء والزملاء،
على أثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وبسبب استشهادِه يمرُّ وطنُنا بمرحلةٍ شديدة الحساسية. والتحدي المطروحُ علينا هو التحدي الطَموح الذي حَكَمَ مسيرةَ الرئيس الشهيد. لقد أرادَ، مع سائر المخلصين، بناءَ وطنٍ حُرٍ مزدهرٍ يكبُرُ ضمن محيطِه العربي، فيخدِمُ شعبَهُ وأمته. وهذا المشروعُ الذي انطلق من تلك الرؤية الواسعة هو بين أيدينا اليوم، وقد أُنجزت فيه خطواتٌ كبرى، ويكونُ علينا رعايةً لأنفسِنا ومستقبلِ أبنائنا أن نسيرَ فيه، ونستشرفَ آفاقَه الرحبة، مهما بلغت الصِعاب. فالذين اغتالوا الرئيسَ الحريري أرادوا للبنانَ وللمشروع الفَشل. والذي أراهُ أنّ الهمةَ التي حَمَلَتِ المشروع باقيةٌ في أبناء الرئيس الشهيد، وأُسرة الرئيس الشهيد، وفي عزائمكم، وعزائم سائر اللبنانيين. وعندنا فُرصةٌ بفضْل ما تحقَّق، وبفضْل الدعم الذي عرفْتُهُ من الأشقاء العرب والأصدقاء في العالم، أن نمضيَ قُدُماً في سبيل الإنجاز وفي سبيل المستقبل الوطني الواحد. ونحن نستندُ في مسيرتِنا إلى وحدةِ اللبنانيين وإلى إرادتِهِم في العيش الحُرّ والكريم وإلى كفاحهم من أجل الغدِ الأفضلِ للوطن والمُواطن.
هناك تحديان كبيران إذن: تحدي متابعة مشروع رفيق الحريري من أجل النهوض والتقدم، وتحدي الحفاظ على الوحدة الوطنية، والدولة الحرة والديمقراطية، ولا نجاحَ إلاّ بهما. لكنْ هناك تحدٍ ثالث خاصٌّ بنا نحن أهل صيدا أو أننا نتحمل مسؤوليةً خاصةً في نِطاقه: إنه تحدّي حفظ الأخوة والتضامُن بين صيدا والإخوة الفلسطينيين فيها وبجوارِها. ما أتى هؤلاء الإخوة إلى لبنانَ مختارين، ولا هم يتمتعون بعيشٍ رغْد، وإنما اضطرهم إلى ما هم فيه العدوُّ الصهيوني. وقد عشْنا معهم عقوداً شاركونا في سرَّائها وضرَّائها. وهناك محاولاتٌ منذ شهورٍ لبَثِّ الفتنة بيننا وبينهم، يتصدي لها العقلاء والعروبيون في صيدا. وسنظلُّ نعملُ نحن في الحكومة اللبنانية بالتواصُل المباشر، وبالحديث مع السلطة الفلسطينية وممثلي الإخوة الفلسطينيين، لكي تعودَ الأمورُ إلى نصابها مهما كلَّف الأمر. وأنا على يقينٍ أنَّ أُخُوَّتَنا ستصمد، وأنَّ أمتَنا ستنتصر، وأنّ قضيتَنا المُحِقَّة في فلسطين ستجدُ حلاًّ عادلاً بفضل كفاح الشعب الفلسطيني وصبره وصَونه لوحدته وعروبته. ما كانت المخيّمات آمنةً ولا هادئةً طوال عقود النزاع. وبعد الطائف تلاعب بها النظام الأمني كما نعلمُ جميعاً، لأسبابٍ وغاياتٍ لا علاقة لها بمصلحة الشعب الفلسطيني أو قضيته. إنّ المشكلةَ بين الأخ وأخيه لا تُحلُّ بالسلاح، بينما القضيةُ واحدةٌ والأخوةُ قائمة، وقد قال رسولُ الله صلوات الله وسلامُهُ عليه: مَنْ حمل علينا السلاحَ فليس منا. وهكذا فنحن جادُّون في حلّ كل القضايا بالحوار والتعاون، لمنع السلاح خارج المخيمات، وضبطه بداخلها. ومن واجب الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية وخصوصاً بعد أن أصبح اللبنانيون قيّمين على أمورهم أن تحفظ أمن الناس جميعاً، مواطنين كانوا أم ضيوفاً بما فيهم الأشقاء الفلسطينيون الذين هم أكثر مَنْ عانى ويعاني من انعدام الأمن وفلتانه. وللإخوة الفلسطينيين حقوقٌ مدنيةٌ وإنسانية وحياتية لا بد من إحقاقها بعد طول غياب.
أيها الإخوةُ الأفاضل،
أيها الصيداويون العاملون في البِرِّ وفي الخير وفي معنى المدينةِ والجماعةِ والأمة. انتم لا تَحْقِدون ولا تنهمكونَ في الصغائر، لكنكم لا تقبلون الظُلْمَ وانتهاكَ الحُرُمات وخيانةَ الثقةِ والخُلُق، والوطن وإنسانية الإنسان. نُريدُ أن نَعرفَ مَنْ قتل رفيق الحريري ولماذا، ولا نقبلُ أن يكونَ دمُ الشهيد دماً ضيَّعَهُ أهلُه. ونريدُ أن يُعاقَبَ القَتَلَة والمجرمون والمتواطئون. أمّا الرئيسُ الشهيد فستنتصرُ وداعتُهُ وشهادتُهُ، كما انتصرت شهادةُ شهداء صيدا الكبار من رياض الصلح وإلى معروف سعد.
بارك الله سبحانه صيدا وبحرَها وبَرَّها ومزارات أوليائها وشهدائها وأضرحةَ صالحيها وصالحاتها. ورحم الله رفيق الحريري ونوَّر ضريحَه وجبينَه الوضّاء يومَ لا وجهَ إلاّ وجهُهُ عزَّ وجلّ.
عاشت جمعية جامع البحر.
عاشت صيدا. عشتم وعاش لبنان.
صيدا- السبت في 8 تشرين الأول 2005
رئيس مجلس الوزراء
فؤاد السنيورة
