كلمة الاحتفال بالطلاب المتفوقين

-A A +A
Print Friendly and PDF

ليست هذه المناسبةُ مناسبةً عاديةً رغم انها تتكررَ كثيراً في السنوات الأخيرة. فالمتفوّقون من أبنائنا وبناتنا ليسوا موهوبين فقط، بل إنهم يبذلون جهوداً جبّارةً من أجل الإتْقان وإثبات الكفاءة والتزود بالمعارف العصرية.

ثم إنهم يَبْرزون هذا البروزَ المشهودَ في مجالٍ هو أهمُّ مجالات العصر. إذ يقوم النهوضُ العصريُّ على التعليم، والاختبارُ الأساسيُّ للدول والمجتمعات إنما يكونُ في مجال التعليم العامّ، لأنه صار أهمَّ ركائز التنمية الشاملة. فالتعليم والتعلم المستمر من جهة أولى والصحة الجسدية والبيئية من جهة ثانية، هما مجالان تظهرُ فيهما كما في غيرهما من المؤشرات درجةُ تقدم المجتمعات، وتأهُّلُها في بلوغ التنمية المستدامة. ولذلك فالتعلم تَحَدٍّ كبيرٌ، والنجاح يكونُ في الشمول طبعاً تحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفُرص، لكنه يكونُ أيضاً بالنَوعية. وهذا هو المقصِدُ من وراء تكريم المتفوّقين في هذه السِلْعة الإستراتيجية من سِلَعِ العصر والمستقبل.

أما المسألةُ الثالثة فتتعلَّقُ بلبنانَ ودورِه. فقد عُرف عن اللبنانيّ اهتمامُهُ المنقطعُ النظير بتعليم أَولاده. ثم إننا مررنا بتجربةٍ ناجحةٍ طويلة المدى عندما تأسست في بيروت جامعتان مهمتان قبل حوالي القرن ونصف القرن، وما تزالان في طليعة جامعات المنطقة. وقد أدّتا خدماتٍ جُلَّى لما هو أوسَعُ من لبنان وأبعَدُ حتى من المِنطقة العربية. وقد نهض التعليمُ اللبنانيُّ العامُّ كما نهضت الجامعةُ اللبنانيةُ في الستينات من القرن الماضي. وقمنا بعد الحرب بالكثير من أجل النهوض التعليمي والإصلاح التربوي. وللقطاع الخاص دورُهُ الكبير في هذا الصدد. لكنْ بعد أن كنا قبل العام 1975 منفردين، لنا الآن منافسون من الأحبّة والأشقّاء. وهكذا يزدادُ التحدي، ويصبحُ السعي الجاد نحو التفوقُ والتميز ضرورةً علينا أن نرعاها ونهتمَّ بها كما نهتمُّ بسائر القضايا الوطنية الكبرى.

أُرحّبُ بكم أيُّها الشباب المتفوقون. وأرى أنكم تستحقّون هذا التكريمَ  وأكثر. وأشُدُّ على أيديكم من أجل أن ننطلقَ للتعليم المتخصّص فنُبدعَ كما أبدعْنا في التعليم العامّ. ما ذهبْتُ إلى بلدٍ عربيٍ أو غربيٍ إلاّ وسمعتُ ثناءً على اللبنانيين من مسؤولي تلك البلدان. لستُ من أنصار التفاؤلية الشديدة كما تعلمون، لكنني أرى في هذه الألوف التي تتخرج متفوّقةً ومتميّزةً كلَّ عام، فُرصةً نادرةً للبنان من أجل نهوضه الذاتي، ومن أجل تجديد سُمعته وشهرته في العالَم العربي والعالم. هذا هو معنى أنّ الإنسان المتفوق والمتميز والمنتج والمستوعب لثقافة وحضارة العصر هو أكبر استثمارات لبنان. فنحن شعبٌ صغيرٌ لكننا كبارٌ بكم أنتم المتفوقون.

أرجو لكم استمرار النجاح والتقدم، فنحن فخورون بكم، لأن لبنان يكبر بكم، وآمُلُ أن نكون عند حسن ظنكم لجهة ما تحتاجونه وما هو متوافر، ولجهة الثقة التي ينبغي أن تتوافر بينكم وبين وطنكم ونظامكم.

أتمنى لكم كل التوفيق في مستقبلكم آملاً أن ألقاكم في نجاحات مستقبلية إضافية لكم.

 

السراي الكبير

الجمعة في 14 تشرين الأول 2005

 

                               رئيس مجلس الوزراء

                               فؤاد السنيورة

تاريخ الخطاب: 
14/10/2005