كلمـة دولـة رئيـس مجلـس الـوزراء الأسـتاذ فـؤاد السـنيورة في حفل إفطار جمعية متخرجي المقاصد الإسلامية- في بيروت

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها المقاصديون،

نحضُرُ الإفطارَ اليومَ في جمعيةٍ هي أحدُ مآثر جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ومتفرعاتِها. وبقدْر ما كانت المقاصدُ جمعيةَ خيرٍ عميمٍ وعرفانٍ كبير، كانت جماعةَ نهوضٍ وتقدمٍ وعُمران. وظلّت ولقرنٍ وربع القرن بيئةً رئيسيةً من بيئات المجتمع المدني، وتعبيراً من أهل بيروت عن إدراكهم لواجباتهم تُجاه أنفسهم ومجتمعهم ووطنِهم. وقد كانت للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو خريج مقاصد صيدا، مواثيقُ تضامُنٍ وعرفانٍ للمقاصد من صيدا إلى بيروت، ازدهرت في حياته، وستبقى بعد وفاته رحمه الله، كما تبقى الصدقاتُ الجارية والزكوات وأعمالُ الخير والاحتساب الكبرى.

وما كان اغتيالُه رحمه الله جريمةً عادية، ولا هي تمّت في سياقاتٍ عادية. ومن أجل هذه الخصوصية استحقّت تلك الجريمةُ النكْراء اهتماماً استثنائياً من أجل كشف الحقيقة، وإحباطِ نوايا وممارساتِ الإجرام ضدَّ لبنان وأمنه واستقراره ووحدة بنيه. وهكذا فقد صبر اللبنانيون على آلام الجراح طوال الشهور الماضية، واستحقُّوا في النهاية التقريرَ الذي كشف المسار والملامح الرئيسية الأولية للحقيقة التي انتظروها بفارغ الصبر.

إننا في الوقت الذي نتوجهُ فيه بالشكر والتقدير للجَهد المشكور والمحترم الذي بذلته لجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي ديتليف ميليس، نودُّ أن نتوجَّه بالشكر أيضاً للمجتمعَين العربي والدولي على اهتمامهما بقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واهتمامهما ببقاء لبنانَ وحريتِه واستقلالِه وأَمْنِه.

إنني إذ أتوجَّهُ بهذه المناسبة إلى اللبنانيين لطمأنَتِهِمْ إلى تباشير تحقُّقِ أملهم في البدء بكشف حقائق اغتيال الرئيس الشهيد، أتوجَّهُ في الوقت نفسِه إلى أسرة الرئيس الشهيد عقيلةً وأختاً وأخاً وأولاداً وحفَدة، لأقول لهم إننا جميعاً معهم في هذه اللحظات التي يتجددُ فيها حُزْنٌ لم ينقَضِ، وصبرٌ ما تزعزع، وإيمانٌ بالله عزَّ وجلّ ورحمتِه وعنايته، وعدْله: "الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، صدق الله العظيم.

أيها المقاصديون،

نتطلَّعُ اليومَ إلى المستقبل بعيونٍ جديدة. إنها عيونُ الثقة والأمل. الثقة بالله وبالنفس، والثقةُ بالمشروع الذي خَلَّفَهُ رفيق الحريري. لقد سعى الرئيس الحريري لإنهاء النزاع الداخلي على مدى عشر سنوات. وعندما حقّق الطائفُ الذي أوصلت إليه مساعيه إنهاءَ الحرب، سعى على مدى التسعينات وما بعد لتطبيقه. وقد بدا لأول وهلةٍ مع التمديد واغتيال الرئيس أنّ المشروع الوطنيَّ انقضى بذلك. ثم كانت أيامُ 14 آذار وحركة المواطنين الرافضين للجريمة ومفاعيلها، والانتخابات والآن انكشاف الحقائق الأساسية في جريمة الاغتيال، كلُّ ذلك أدّى لتجديد الثقة، وتجديد الأمل، وتجديد العمل على المشروع، مشروع رفيق الحريري، مشروع الدولة الآمنة والحرة والديمقراطية والعصرية القادرة على حفز النمو والتنمية المستدامة.

لقد حقّقت الحركةُ الشعبيةُ الزاخرةُ والشاملةَ والتي تصاعدت بسبب اغتيال الرئيس رفيق الحريري حتى الآن ثلاثة انتصارات: توحيد الشعب اللبناني من حول الحرية، وجمع الكلمة من وراء الدولة الآمنة والنظيفة والديمقراطية، والمُضيّ قُدُماً في تقويم الحياة الوطنية والدستورية من خلال تطبيق الطائف، مشروع رفيق الحريري، ورؤيتِهِ للبنان ودوره الطليعي في المنطقة والعالَم. ونحن مقْبلون الآن على الانتصار الرابع إذا صحَّ التعبير وهو انتصارُ العمل السياسي الوطني، والتوافُق الوطني على التغيير تصحيحاً وإصلاحاً وإنشاءً لتزولَ كوابيسُ الماضي، وتتفتَّحَ آفاقُ المستقبل.

لدينا فُرصةٌ كبرى الآن للسير في سبيل لبنان الديمقراطي الحرّ والمُزدهر. فقد كشف تقرير ميليس نظامَ التبعية والوصاية بشكلٍ كامل. والتغيير ممكنٌ بل ضروري. ذلك أنّ كشف الحقيقة يتجاوزُ المسائل السياسية والقضائية إلى الإسهام في مكافحة الفساد والإفساد وتناميهِما، وإزالة المعوِّقات بإزاحة بقايا النظام الأمني، وإقامة الدولة المدنية الآمنة والمستقرة. وإلى جانب أمل الشعب اللبناني وعمله، لدينا هذا الاهتمام العربيُّ والدوليُّ بمساعدة لبنان، وتأمين عوامل استقرارِه ورفد جهود اللبنانيين لتعزيز نموه وازدهارِه.

هناك إحساس بالتهيُّب لدى اللبنانيين مبعثُهُ أمران، الأمر الأول يدور حول تطورات العلاقة مع سوريا بعد أن ذُكر عددٌ من مسؤوليها في تقرير ميليس. ولستُ أُريدُ هنا التقليلَ من شأن هذه الخواطر والمخاطر. لكنّ الانتماءَ واحد، والمصالح واحدة، والجغرافيا واحدة، والتاريخ واحد. وقد اختلفت حكوماتٌ لبنانيةٌ وسوريةٌ من قبل، دون أن يستطيع أحدٌ تغيير الجغرافيا أو الانتماء أو التاريخ أو المصالح المستقرة والمشتركة لدى الشعبين الشقيقين. ولستُ أرى بديلاً عن ثلاثة مبادئ لتعزيز هذه العلاقة: الحرية، والتكافؤ، والعدالة. ومن ضمن هذه المبادئ ستظلُّ العلاقةُ مع سورية علاقةَ أُخُوّةٍ وتعاوُن، دون أن يعني ذلك أنّ الذين يسيئون إلى سموِّ هذه العلاقات الأَخَوية لن يتعرضوا للمحاسبة والمعاقبة، سواءٌ أكانوا لبنانيين أم سوريين.

أما السببُ الثاني للتهيُّب لدى اللبنانيين بعد تقرير ميليس، فهو أن نستبدلَ وصايةً بأُخرى. والواقعُ أنّ قرار الحرية قرارٌ لا يتجزأُ، وإذا كنا مصرّين على الحرية والنِدّيّة والعدالة تُجاهَ الأخ والشقيق، فكيف لا نُصِرُّ عليها تُجاهَ أممِ ما وراء البحار؟ لقد استقرَّ الإجماعُ منذ الميثاق الوطني الأول على مقولة الرئيس رياض الصلح: لا نريد لبنان للاستعمار ممراً أو مستقراً، بل نريده وطناً عزيزاً سيداً حراً، ولدينا الإجماعُ المتجدد على مقولة الرئيس رفيق الحريري: إنّ لبنانَ لا يُحكم ضد سوريا، كما أنه لا يُحكمُ من سوريا. عندنا مشروعُنا الخاصّ للنهوض والتقدم، ونحن نتوَجَّهُ للجميع طالبين المساعدة، ونقبلُ من المساعدات ووجوه التضامُن والتعاون ما نرى أنه يتفقُ مع استقلالِنا وحريتِنا ومشروعِنا النهضوي والتغييري.

إنني لستُ أرى ما يبرّر التخوف من سوء العلاقة مع سوريا، أو التَبَعية لإحدى الدول الكبرى، لأننا بقدْر إيماننا بحريتنا ووطننا، مؤمنون بالانتماء العربي، ومقتنعون بأنّ العلاقات الحَسَنة مع الشقيقة سوريا ضرورةُ حياةٍ ومستقبل. وقد توافقْنا انطلاقاً من مبدأ الحرية على خُطُوات تطبيق دستور الطائف، وإحداث التغييرات الدستورية والسياسية الضرورية لقيام الدولة المدنية الديمقراطية.

إنّ التحدي الذي نُواجهُهُ الآن، وأكاد أعتبرُهُ السببَ الثالثَ للتهيُّب هو الجرأة على سلوك درب الإصلاح بإيمان والتزام وإقدامٍ وجرأةٍ بالتغيير والتجديد وإعادة بناء المؤسَّسات، وكلُّ ذلك في سياق تطبيق الطائف. نحتاجُ إلى استعادة وتيرة الحياة السياسية القوية والمزدهرة والتي كانت هي هدفَ الرئيس الشهيد وعملَه. ولستُ أخشى على الوحدة الوطنية والعيش المشترك من جرَّاء الإقدام على بناء الدولة، والمشاركة في حضارة العصر وعصر العالم، وإنما أخشى عليهما إذا حدث عكْسُ ذلك، أي العجز والتردد والجمود والغرق في التفاصيل، والانقسام- وليس الاختلاف في وجهات النظر- بداعٍ وبدون داع، والتعظيم من شأن الخصوصيات على حساب الوطني والعام.

أيها المقاصديون،

نحن اليومَ في رحاب المقاصد، رحابِ مؤسسةٍ مدنيةٍ كبرى، أسهمتْ في بناء بيروتَ ولبنان. وبقدْر ما تقوى المؤسسات المدنية، بقدْر ما تشعر الدولةُ ويشعُرُ مواطنوها أنهم مصونون، وأنّ مصالحهم مُراعاة، وأنّ مستقبلَهم بأيدٍ أمينة. إنها فلسفةُ المشاركة، والتي بقدْر ما تتّسع، يكون إسهامُ المواطنين في العمل العامّ فاعلاً ومؤثراً.

إنني من هذا الموقع، وفي حضور هذه الشخصيات الوطنية، أُجدّدُ الشكر والدعم للجنة التحقيق الدولية وعلى رأسها القاضي ديتليف ميليس، لما أنجزتْه، وتستمرُّ في إنجازه بالتعاون الكامل والمشكور مع القضاء اللبناني، والأجهزة الأمنية. إنّ الذي تحقَّقَ هو خطوةٌ واسعةٌ ومتقدمةٌ على طريق الوصول إلى الحقيقة الكاملة التي لن نتراجع عن الوصول إليها، من أجل حاضر الدولة اللبنانية ومستقبلِها.

سنستمرُّ في العمل من أجل الحقيقة. ونستمرُّ في المُضيِّ قُدُماً في البناء الوطني، والإصلاح الوطني، والوفاق الوطني، والتغيير الوطني.

والشكرُ كلُّ الشكر للإخوة العرب الذين وقفوا ويقفون معنا، في سبيل كشف الجُناة، وبناء الدولة اللبنانية المستقرة والآمنة.

والشكر للإخوة العرب وللأصدقاء الدوليين الذين تجمعوا بنيويورك، وسيتجمعون إلى جانب الأشقاء العرب والأصدقاء الآخرين ببيروت آخِرَ هذا العام، من أجل دعم عمليات نهوض لبنان.

رحم الله الرئيس رفيق الحريري. ورحم رفاقَه المظلومين الأبرار.

عاشت الحقيقة وانتصرت. عاشت بيروت.

عاشت المقاصد. وعاش لبنان.

فندق فنيسيا- بيروت

الثلاثاء في 25 تشرين الأول 2005

 

                                     رئيـس مجلـس الـوزراء

                                     فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
25/10/2005