كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في معرض الكتاب الفرنسي بعنوان: "اقرأ بالفرنسية والموسيقى"

سعادة السفير الصديق برنارد ايمييه،
أيها الإخوة والأصدقاء،
أودُّ في البداية أن أشكرَ لمنظمِّي هذا المعرض من المركز الثقافي الفرنسي والسفارة الفرنسية، إقبالَهُم على المُضيِّ في هذه المناسبة الثقافية المهمّة، للمرة الرابعة عشرة رغم الظروف التي شهدَها لبنان بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. إنها دليلٌ على الثقة بلبنان ودوره ومستقبله،
وعلى الحبّ للبنانَ والحرص على ثقافته وتعدديتهِ وازدهارِه. وأنا مثلُ سائر اللبنانيين، وإن لم أكن ذا ثقافةٍ فرنسيةٍ، مُحبٌّ للثقافة الفرنسية، ومُطّلعٌ على أعمالِ أعلامِها في الأدب والفلسفة والتاريخ والاقتصاد، كما أن زوجتي فرنسية الثقافة، ولهذه الأسباب كلِّها أنا شديدُ الاعتزاز بمشاركة هذا العدد الكبير من الكتاب الفرنسيين واللبنانيين في المعرِض الحالي، وأنا أشكرُ أيضاً لهم هذه الهمّة وهذه الثقة بلبنان وجمهورِ قرائه.
أيها الأصدقاء،
لقد تنبهتُ إلى أهمية معرض الكتاب الفرنسي ببيروت بعنوان: اقرأ بالفرنسية والموسيقى، قبل عدة سنوات. وقد نبّهتْني إليه في البداية مقالات كتبها المفكر الشهيد سمير قصير. ففي حُمَّى مقولات الصراع الحضاري، والصراع الثقافي، بدت الفرانكفونية مساحةً للحوار المستنير حول ثقافة التنوع والتعدد والاعتراف. وما أزال أرى أنّ صراع الحضارات مقولةٌ عقيمة، ليس لأنَّ الصراع غير ممكن، بل لأنّ حضارةَ العالَم واحدةٌ، وإنما تتنوع وتتعددُ ثقافاتُه. والذين ينتصرون لمقولة الصراع لا ينتصرون في الحقيقة للحضارة الغربية أو الشرقية أو الإسلامية، بل إنهم يريدون فَرْضَ إلغاء الثقافات الأُخرى المحلية وغير المحلية. وهكذا تبدو الفرانكفونية باعتبارها ثقافةً متميزة، فاتحةً لآفاقٍ أُخرى؛ وهي تتصدى لمقولة الصراع الحضاري، وتفتح على النسْبية الثقافية وعلى التعدد الثقافي، وتجعلُ من الصعب على دُعاة الصِدام الخَلْطَ بين الأمرين: أَمْر الحضارة العالمية الواحدة، وأَمْر الثقافات المتنوّعة التي تُسهمُ بذاتيتها وانفتاحِها في الوقت نفسِه، في الاستظلال بالحضارة العالمية، والمشاركة بفاعليةٍ فيها. وبذلك فقد أتاحت اللغة الفرنسية الفرصة لعدد من الثقافات المحلية والإقليمية للتعبير عن ذاتيتِها من جهة، وللدخول من جهة أخرى في الآفاق الجديدة على قاعدة أن الجميع يستطيعون المشاركةَ على قَدَم المساواة في حضارة العصر، دونما عُقدة نقصٍ، ودونما حاجةٍ لمحاولات الإلغاء المتبادَل. فلا خشيةَ على الثقافات التاريخية من العصر، ولا من العولمة، وإنما تُواجهُ المحلياتُ الثقافيةُ المُشكلات عندما تنعزلُ أو تتقوقعُ فلا تتجددُ ولا تتمكنُ من البقاء على قَيد الحياة، ويُضطرُ المتشبثون بها إلى اعتبار تجاوُزِها إلغاءً لذاتيتهِم وهويتِهم. من هنا فإنّ الحيويةَ التي تُظهِرُها الفرانكفونية تُتيحُ أيضاً حلاًّ لمسألة الهوية بحيث يصبح الانضواءُ في حضارة العالَم السبيلَ الرئيسيةَ والفُضْلى لتجديد الهوية الذاتية، وتوسيعِها باعتبارها انتماءً معتَرَفاً به، وإثراءً للنسَق القيمي والثقافي والتاريخي. هذا هو الفَرْقُ بين الماضي والتاريخ. الماضي ينقضي بانقضاء وظائفه المادية وسياقاتِه، والتاريخ يبقى ببقائه وتجدُّدِه في الإنسان وقِيَمِهِ ومقولاتِه الكبرى وإنجازاته.
أيها الأصدقاء،
لقد ساهمت اللغة الفرنسية بتنمية وإثراء ثقافة المتوسِّط، التي كانت حضارةَ العالَم، وهي اليومَ باقيةٌ باعتبارها إحدى ثقافاتِه الرئيسية، والتي لا يمكنُ تصوُّر الحضارة العالمية بدونها، لذلك لا يمكنُ تصوُّر الثقافة المتوسطية بدون الثقافةَ الفرنسية. وهكذا فإنّ الفرانكفونية تُهمُّنا أيضاً باعتبارها ثقافةً رئيسيةً في منطقتِنا، وباعتبارها أحد منافِذِنا على الحضارة العالمية. فنحن عربٌ متوسطيون، أسْهمنا في حضارة العالَم من خلال البحر المتوسِّط، ونُوشِكُ أن نُسهمَ بهذا الميراث، وبمواريث الإنجاز والتأهُّل، ومن خلال الشراكات التاريخية والمُعاصِرة في نظام العالَم المعاصر وتقدمه وأمْنه.
الفرانكفونية تعبيرٌ عن نجاح الثقافة الفرنسية ليس في أوروبا المعاصِرة فقط، بل وفي العالَم. ولذلك فإننا معنيون بالثقافة الفرنسية أيضاً وأيضاً في عمليات الحوار العربي/ الأوروبي، والإسلامي/ الأوروبي بما يتجاوزُ الاقتصادَ والتجارةَ إلى الثقافة. وإنني وبالرغم من القضايا الحاضرة في هذا الحوار والتي تبدو أحياناً مستعصيةً على الحلول المباشِرة، فإنني متفائلٌ بهذا الحوار العربي/ الأوروبي، والإسلامي/ الأوروبي، باعتبارِه خيارَ الحاضر والمستقبل، وستكونُ الفرانكفونية لغةً وثقافةً أحد أسباب تقدُّمِهِ ونجاحِه. فعلاقتُنا بالثقافة الفرنسية ليس سببَها الرئيسيَّ العهدُ الاستعماريُّ لأوروبا وفرنسا، بل وبالدرجة الأولى تلك الشراكةُ الحضاريةُ منذ ما يزيدُ على العشرة قرون، وبالمعنيين الجيو استراتيجي والثقافي.
أيها الأصدقاء،
نحن في لبنان معنيُّون بفرنسا وبالثقافة الفرنسية وبالفرانكفونية. ففرنسا فاعلٌ رئيسيٌّ في لبنان منذ العشرينات من القرن الماضي وحتى اليوم. وما غابت فرنسا عن دنيا لبنان والعرب منذ الحرب العالمية الثانية. لكنها عند العرب وعند اللبنانيين على الخصوص، باقيةٌ بقوة، بسبب الحضور الثقافيّ بالذات. إنها حاضرةٌ في اللسان، وفي الثقافة المادية، وفي قيم الحرية والعدالة، وفي مُثُل الحاضر وإنسانياته. وإذا كان الفعلُ الثقافيُّ الباقي والمتطور عمليةَ أخذٍ وعطاء، فإنّ أعلاماً كُثُراً من لبنانَ أسهموا في صنع الثقافة الفرنسية المُعاصرة وأصبحوا من أركانها.
إنّ تاريخنا مع فرنسا الدولة، وفرنسا الثقافة، طويلٌ وعريقٌ، وهو بسبب الصِلات الوثيقة، والإرادة المشتركة، والمصالح المشتركة، وقبل ذلك وبعده، بسبب القيم الثقافية قيم الحرية والإخاء والمُساواة، باقٍ في الحاضر والمستقبل.
ونحن اليوم في لبنان وبعد ثلاثين سنة من المعاناة، نعيد بناء وإصلاح الديمقراطية ونُظُمها وممارساتها. ولا يغيب عن بالنا أن الإصلاح في جوهره هو عمليةٌ ثقافيةٌ بامتياز، بحيث يؤكد على إعادة بعث القيم الحية في المجتمع، عنيت بها قيم الحكم الصالح والمشاركة فضلاً عن قيم السيادة والاستقلال، وهي قيم عرفها اللبنانيون وزخرت بها الثقافة الفرنسية، وباسم هذه القيم استقل اللبنانيون عن الانتداب الفرنسي عام 1943. هذه هي العبرة الأساس اليوم التي نستذكرها ونحن على مشارف الاحتفال بعيد الاستقلال الثاني والستين للجمهورية اللبنانية، المعمد بدماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وهو الذي لعب دوراً ريادياً في إرساء وتطوير علاقة حضارية بين لبنان وفرنسا متجاوزاً الماضي نحو المستقبل الرحب الذي يتطلع إليه المسلمون والمسيحيون تعبيراً عن توجه عربي إسلامي للتفاعل الخلاق مع حضارة الغرب وتدعيماً لحضارة عالمية نحن جزء منها.
أيها الأصدقاء،
لقد أردْتُ بحضوري افتتاح معرِض الكتاب الفرنسيّ، التعبيرَ عن تقديري لفرنسا الدولة رئيساً وشعباً وفرنسا الثقافة والعدالة والحرية، لما قامت به وتقوم من أجل استقلال لبنانَ وحرياتِه، ومن أجل كشف الحقيقة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
تحياتي للذين واظبوا على إقامة هذا المعرِض، وللذين واللواتي حضرنَ ويحضرون، وللذين واللواتي يساعدون في نشر الثقافة الفرنسية، ثقافة الانفتاح والتعدد والحريات.
تحية لروح الرئيس الشهيد رفيق الحريري رائد تطوير العلاقات اللبنانية- الفرنسية وتحية لروح الشهيد سمير قصير العربي الفرانكفوني بامتياز.
أدعوكم إلى القراءة بالفرنسية والموسيقى.
شكراً لحسن إصغائكم، والسلام عليكم.
مركز بيال للمعارض- بيروت
الخميس في 10 تشرين الثاني 2005
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
