نص كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في حفل إزاحة الستار عن تمثال الرئيس بشارة الخوري

-A A +A
Print Friendly and PDF

سعادة الأخ ميشال بشارة الخوري،

الأستاذ عبد المنعم العريس- رئيس بلدية بيروت،

أيها المواطنون الكرام،

أيها الإخوة والزملاء،

نقفُ جميعاً باحترامٍ اليومَ، وبمناسبة عيد الاستقلال، في ذكرى رجلٍ من كبار رجالات الاستقلال والحرية، ذكرى الرئيس الشيخ بشارة الخوري. نتذكَّرُهُ فنتذكَّرُ المُعاناةَ والنضالَ، ونتذكَّرُ ونُقدِّرُ وبخاصةٍ في هذه الشهور، كم هو الاستقلالُ صعْبٌ ومُكْلِفٌ، وكم تتطلب صيانة الاستقلال والحفاظ عليه من جهود وتضحيات، وكم هي الحريةُ ثمينةٌ وغالية، بل وكم يتطلبُ العملُ السياسيُّ الديمقراطيُّ من أخلاقيةٍ عالية، وحركةٍ لا تَهدأُ، وتَعَالٍ على الجِراح والصغائر، وتضحيةٍ بالذاتِ، من أجل استنهاضِ المواطنين، وبَقاءِ الوَطَن.

لكننا عندما نتذكَّرُ الشيخَ الرئيس بشارة الخوري، لا نفعلُ ذلك بمناسبةِ استعادةِ نُصُبِه وحسْب، بل وبمناسبةِ استعادةِ إسهاماتِه الجليلة في الاستقلال اللبناني والعربي مع زملائه ورفاقِهِ. نتذكَّرُ بالدرجة الأُولى الميثاقَ الوطنيَّ الأول، والتوافُقَ بل الإجماعَ عليه، نتيجةَ العملِ السياسيِّ المستنير والرحْب والواسع الأُفُق الذي صار الكبيرُ الراحلُ إلى جانب الرئيس الشهيد رياض الصُّلح، رمزين كبيرين له، ومُنْجِزَين أساسيَّينِ لأُصولِهِ ومُمارساتِه. تحدَّثْنا كثيراً كما تحدَّث أسلافُنا، في لبنانَ وبلدانِ الوطنِ العربيِّ الأُخرى، طَوالَ العقودِ الماضيةِ، عن الهوية والانتماءِ باعتبارِهِما مُعطىً ناجزاً، وهما كذلك في جزءٍ منهما في التاريخ والعيش المشتَرَك، والقيمِ الكبرى. لكنهما في جزءٍ مهمٍ منهما أيضاً يصنعُهُما العملُ السياسيُّ الكبير، والثقافةُ المتجدِّدةُ والمسؤولة، والتسْوياتُ الوطنيةُ التي تعتمدُ التشارُكَ والتشاوُرَ والتحالُفات والحوار الدائم.

هذا هو الجانبُ الأهمُّ الذي أنجزهُ رجالاتُ الاستقلال، وعلى رأسِهِمْ الشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقُهُما واللبنانيين جميعاً. وهذا العملُ السياسيُّ الكبير هو الذي عَبَّر عنه الرئيس الشهيد رياض الصلح عندما قال إنّ لبنانَ لن يكونَ للاستعمار ممراً ولا مستقَراً. فليس صحيحاً أنّ التسويةَ الميثاقية قامت على التخلّي من جانب المسيحيين عن فرنسا ومن جانب المسلمين عن سوريا، بل الصحيحُ أنّ التوافُقَ الذي أفضى إلى الميثاق هو عقدُ تأسيسٍ سياسيٍ للتحرر من الاستعمار، ولتمتينِ وبلْورةِ الانتماءِ المشتَرَكِ ونتائِجِه: فسوريا ولبنان دولتانِ عربيتانِ مستقلّتانِ يجمعُهُما الانتماءُ الواحدُ والجغرافيا والتاريخ والمصالح والمستقبل، كما جَمَعَهُما النضالُ من أجل التحرُّر من الاستعمار.

لقد صار واضحاً ومنذ أواسِطِ الخمسينات من القرن الماضي أنّ الاضطرابَ السياسيَّ يحصُلُ عندنا عندما يُحاولُ فريقٌ طائفيٌّ أو سياسيٌّ الإخلالَ بأحدِ طَرَفي المُعادلة: معادلة الانتماء أو معادلة الاستقلال. وهذا ما قَصَدَهُ الرئيس الشهيد رفيق الحريري في المقولةِ التي أَطْلقَها في شبه إكمالٍ لمقولة الرئيس رياض الصلح السالفة الذكر، قال الرئيس رفيق الحريري: إنّ لبنان لا يُحكَمُ من سوريا، لكنه لا يُحكمُ ضدَّ سوريا.

وهكذا فالانتماءُ القويُّ والذي يتجهُ للاكتمال هو القائمُ على الحرية، وعلى تربية الأجيال، وعلى إنضاج المصالح، وعلى الندّيّة والتشارُك، وهذا كلُّه هو الذي أرساهُ رجالاتُ لبنان من بشارة الخوري ورياض الصلح إلى رفيق الحريري، وهذا ما يقعُ على عواتقِنا الآن واجبُ وحقُّ الاستمرار في السير فيه. لن نتخلَّى عن الحرية. لن نتخلَّى عن الإصلاح. لن نتخلَّى عن الديمقراطية. ونحن مقتنعون أنّ هذه القيمَ هي شروطُ العروبة الحقّة في عالَم اليوم.

أيها السادةُ الأفاضل،

إننا اليومَ إذن بصددِ العملِ على تطبيق الميثاق الوطني الثاني، ميثاقِ الطائف ودستورِه، ميثاق العيش المشترك والانتماء الواحد، ميثاق رفيق الحريري، الذي أسهم إسهاماً أساسياً في العملِ له وإنجازِه، ثم أسهم إسهاماً أساسياً في بناءِ دولتِه بعد سدِّ الخَلَلِ الذي أحدثه النزاعُ الداخلي، وكلُّ ذلك بالحوار والانفتاح وبالعمل السياسيِّ والاقتصاديِّ البنّاء والمُستنير والسِلمي. وأرى أنّ نهجَ الحريري الإصلاحي السياسي والإعماري هو النهجُ الوحيدُ الصالحُ لعملياتِ البناءِ الجديد، وهو نفسُهُ نهجُ بشارة الخوري ورياض الصُلح ورجالات الاستقلال: الحوار والمفاوضة والتشاوُر للوصول للتوافق وللوصولِ للإنجاز وبناءِ الحياةِ الوطنيةِ الحُرَّة والديمقراطية. وهو النهجُ نفسُهُ الذي ما نَجَحَ غيرُهُ في العالَم المُعاصر.

إنني أفهمُ هذه الحالةَ من نَفَادِ الصبر لدى المُواطنين، فهُمْ يُعانونَ ويتحمَّلون منذ بدايات الاضطراب السياسي ثم الأمني في مطلع السبعينات. لكنني على ثقةٍ أنَّ الصبرَ على العملِ السياسي الجادّ، وبالعمل السياسيَّ الجادّ والمسؤول، كفيلٌ بالوصولِ بنا إلى ما نُريدُهُ من استقرارٍ ونهوضٍ وتقدُّم.

أيها الإخوة،

نحن لا نعيشُ في المرّيخ، بل على هذه الأرض، وفي هذه المنطِقة وهذه السِياقات المعروفة. وليست هناك فئةٌ لبنانيةٌ أكثرُ وطنيةً أو عُروبةً من الفئةِ الأُخرى، كما قال الشيخ بشارة الخوري. وسنتمكَّنُ بالتوافُق الداخليّ من حفظ حريتنِا واستقلالِنا، كما سنتمكَّنُ بالتوافُقِ نفسِه من صَون علائقِنا بأشقّائنا وتطويرِها. والطائفُ منطَلقٌ وسقْفٌ نأْوي كلُّنا إليه، ونتفيَّأُ ظِلالَه. ولا أرى مَنطِقاً سليماً في تشاؤمِ الذين يدْعُوننا للجُمود بحجّةِ خوف الانقسام، ذلك أنَّ حركتنا إنما هي حركةٌ باتجاه الفعْل وباتجاه التوافُق والتلاؤم، وباتجاه روحية التسوية السياسية التي أنجزها رجالاتُ الميثاق الأول، فتحقَّقَ الاستقلال. لقد فوَّتْنا فُرَصاً كثيرةً لعواملَ ليست كلُّها خارجةً عن إرادتِنا. وقد كنتُ أرى الرئيسَ الشهيد رفيق الحريري يكادُ ينشقُّ غَيظاً في مناسباتٍ كثيرةٍ لِفَوات الفُرَص وضَياعِها دونما سببٍ وجيهٍ غير المناكفات والتسلُّط والمصالح الخاصّة. ولذلك فنحن حريصون اليومَ قبل الغد على النجاح الوطني والقومي، بقدْرِ حِرصنا على حريتِنا واستقلالِنا وعروبتنا وإنسانيتِنا.

إنّ الرسالةَ التي نتوجَّهُ بها إلى اللبنانيين في ذكرى بشارة الخوري، وفي ذكرى الاستقلال: أنتم تكملون ما بدأه أسلافُكم في مجال الحرية، والاستقلال، والسيادة، كما أنكم اليومَ أمام مهمةِ إقامة الدولة العصرية، دولةِ المواطنين الأحرار الأقوياء بانتمائهم، والأقوياء بديمقراطيتهم وتقدمهم من خلال الالتزام بنهج الإصلاح الذي يمكننا من التلاؤم مع المتغيرات والاستمرار في ذات الوقت بالتمسك بمسلماتنا الوطنية والقومية. إنّ هذه الذكرى اليومَ وللمرة الأولى منذ عدة عقود هي مناسبةٌ للمراجعة ولتجديد العهد وهي للشباب بالذات والذين نريدُهم أن يقيموا التوازُنَ المطلوبَ والمرغوبَ بين حقوق المواطن وواجباته والتزاماتِه: حقّ الحرية وحق الدولة المدنية، وحق المشاركة بالديمقراطية. والالتزام بالعمل الوطني الذي يجمعُ، والذي يُنجز، والذي يحرِصُ على مقتضيات المسؤولية وتحمل أعبائها حيثما كان وذلك حتى يصان الاستقلال وتتعزز السيادة ويتأمن دوام الحريات.

الأخ الأستاذ ميشال بشارة الخوري،

أيها السادةُ الأفاضل،

لقد كان عملُ الشيخ الرئيس بشارة الخوري أساساً في الاستقلال وبناء الدولةِ الأُولى. ونحن هنا اليومَ للإعلانِ عن الالتزام بهذا الأَمْر، أمر الوفاء الوطني لرجالاتِنا الكبار، وأمر الإجماع الوطني، باستعادة نصبِ بشارة الخوري.

إنّ لبنانَ ما تعوَّد التنكُّرَ للكبار الذين عملوا في نِطاقِ الدستور، وفي نِطاقِ التوافُق والإجماع. ولذلك سيبقى بشارة الخوري، ويبقى نُصُبه، وتبقى ذكراهُ إكليلَ غارٍ على جبين لبنان الحرّ، لبنان القوي، لبنان الدولة التي يجب أن نعمل على تحقيقها، الدولة التي تحمي ولا تُهدّد، تصون ولا تُبدّد. دولةٌ ولاؤها الوحيد لمواطنيها، ولمؤسَّساتها الدستورية. الدولة التي تشدُّ أَزْر الصديق، وتردُّ كيدَ العدوّ، وتتحمَّلُ مع أمتها العربية مسؤوليات المستقبل الواعد والزاهر إن شاء الله.

عاشت ذكرى بشارة الخوري، وعاش عملُهُ الوطني.

عاشت بيروت، عشتم، وعاش لبنان.

تاريخ الخطاب: 
21/11/2005