كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة فـي لقـاء القـادة الروحييـن

-A A +A
Print Friendly and PDF

أصحابَ الغبطة والسماحة والسيادة،

السادةُ الكرامُ الأفاضل،

 

لقد باركْتُمُ الليلةَ هذه الدار، دارُ جميع اللبنانيين بدون استثناء. ونأمل أن تباركوا مائدتنا، وهي تقليدٌ لبنانيٌّ وعربيٌّ ودينيٌّ عريقٌ وباق. تقليدُ الدار الواحدة هو تقليدُ العقد اللبناني، عَقْدُ العيش المشترك، والميثاق الواحد. وتقليدُ المائدة هو تقليدُ الخبز والملح، حيث لا يبقى من المرء إلاّ خُلاصةُ روحه وإنسانيته الخالدة، وحيث لا يبقى لأحدِنا إلاّ ربَّهُ وأخاهُ يُقاسمُهُ زادَهُ ويبوحُ له بالسرّ الخالص، وما بينهما غيرُ وجهِ الله ذي الجلال والإكرام.

 

أحببتُ أن ألتقيَ بكم الليلة، باعتباركم القادةَ الروحيين للبنان من سائر الطوائف. ولا شك إننا كنا نتمنى أن يكون معنا غبطة البطريرك صفير الذي اعتذر في اللحظة الأخيرة ونأمل إن شاء الله أن يكون معنا في كل المناسبات الأخرى ويبارك هذه الدار كما باركتموها أنتم، نلتقي ونحن على مقربة أيامٍ قليلةٍ من مرور عامٍ كاملٍ وصعب على استشهاد الرئيس الحريري، رجل الحوار الوطني، وميثاق العيش المشترك. وقد قال لي مرتين على الأقلّ، أولاهما قبل نهاية العام 1998، وثانيتهما في ما أذكر عام 2003: "كم أودُّ أن أجمع في السراي الكبير أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة". ولذلك فأنا على يقينٍ أنه رحمه الله مبتهجٌ الآن باجتماعنا في هذه الليلة المباركة، ليلةِ عاشوراء، ليلةِ الشهادة والشهداء، وعيد مار مارون رجل الزهد والتبتل.

 

إنني أعلمُ إدراكَكُم للمخاطر التي يواجهُها وطنُنا، وأعلمُ مقدارَ الحكمة والتجربة اللتين تتمتعون بهما، وأعلمُ أنّ بين أَولويات اهتمامِكم العلاقاتِ التضامُنية القائمة بين جماعات وطننا وعائلاتِه الروحية. واستناداً إلى هذه الخلفيات أردتُ أن أتشاورَ معكم كيف نستطيعُ العملَ معاً من أجل لبنان، في هذا الظرف، وفي سائر الأحوال.

 

إنّ ميثاقَ العيش المشترك الذي ارتضيناه يعني جميع اللبنانيين، وكلَّ السُلُطات والمرجعيات بما في ذلك المرجعيات الدينية. وقد تجلَّى ذلك في الدستور اللبناني، حين قال بتأدية فروض الإجلال لله تعالى، واحترام سائر الأديان والمذاهب، والمصالح الدينية.

 

وميثاقُ العيش المشرك، ووثيقة الوفاق الوطني في الطائف التي صارت دستوراً تُقيمُ شراكةً وطنيةً واسعةً وتوافُقية. نحن جميعاً بمقتضى هذه الشراكة أطرافٌ متساوون في المواطنة والحقوق والمسؤوليات، نعيشُ معاً ونعملُ معاً ونناضلُ معاً من أجل وجودِنا العامّ والحُرّ والمُشترك. ففي الوجود الوطني ليست هناك فئاتٌ حاميةٌ وأُخرى تطلب الحماية، بل نحن سواسيةٌ كأسنان المِشْط، كما جاء في مواريثِنا الدينية والسياسية.

 

واستناداً إلى هذه الثوابت الدينية والوطنية يكونُ علينا سياسيين وقادةً روحيين، الإحجامَ عن استخدام اللُّغةِ المزدوِجة: واحدةً نخاطبُ بها جماعتَنا الخاصّة، وأُخرى موجَّهة إلى سائر اللبنانيين. والواقعُ أنّ الزملاءَ في الجهات السياسية مُخاطَبون من القادة الروحيين بتجنُّب مشكلات العصبية والازدواج. وتشهدُ السنواتُ الماضيةُ لكم جميعاً أيها السادةُ الأجلاء أنكم قدّمتُم وكان هاجسُكُم دائماً تقديم اعتبارات العيش المشترك والمُواطنة الواسعة على كلّ ما عداها من اعتباراتٍ وحساسيات، وفي أصعب الظروف والضغوط.

 

إنّ علينا جميعاً ومن ضمن الالتزام بميثاق العيش المشترك السعيَ الدائمَ والدؤوبَ واليوميَّ لدرء مخاطر الانقسام الطائفي لأسبابٍ سياسية أو غير سياسية. فالاختلافُ السياسيُّ مشروعاً كان أو غير مشروعٍ يكونُ علينا العملُ جميعاً لكي لا يتحولَ إلى اصطفافاتٍ طائفية، من أجل الشراكة، ومن أجل المواطنة، ومن أجل المصالح الكبرى لشبابنا وشاباتنا وأجيالنا القادمة، ومن أجل المستقبل.

 

إنكم يا أصحابَ الغبطة والسماحة والسيادة، لا تخوضون في المعتَرَك السياسي اليومي، ولذلك فأنتم مؤهَّلون أكثرَ من غيرِكم- ومعكم كلُّ رجال الدين- للإسهام في تثبيت السلْم الأهلي، ليس من طريق إدانة مشاعر التعصب والعداء والعنف عند انفجارها وحسْب، بل ومن خلال نشْر قيم الاعتدال والسماحة والمُوادعة والتسالُم في الأزمنة العادية، وفي الظروف الاستثنائية. عندنا في الموروث الديني، ولدى كلّ جماعةٍ وعائلة روحية تأويلاتٌ مختلفة للنصوص والمواريث. لكنْ من الذي يستطيع أن يُنكر قيامَ المسيحية على المحبّة والإيثار والتوحُّد مع الآخَر والشهادة له وبه ومن طريقه، كما ورد في المَثَل الإنجيلي للخدَّين الأيمن والأيسر، ومن الذي يستطيع أن يُنكر النصَّ القرآنيَّ الذي يقولُ فيه ابنُ آدمَ مخاطباً أخاهُ الذي يريد قَتْلَه: "لئن بسطْتَ إليَّ يدَكَ لتقتُلَني ما أنا بباسطٍ يديَ إليك لأقْتُلَكَ إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين". لا بد من الوقوف في وجه اللُّغة التكفيريةِ وتلك التي تحضُّ أو يمكن أن تدفَعَ للعنف ضدَّ الشركاء في الوطن أو تُسوّغَه بأيّ صورةٍ من الصُوَر.

 

وفي الواقع إنّ هناك مخاوفَ لبنانيةً مشتركةً، تتحولُ بسبب العجزِ والشائعات ونقْصان التبصُّر، خوفاً من "الآخَر الطائفي". ويكونُ علينا جميعاً أن نعملَ على تبديد المخاوف أو بالأْحرى وَضْعَها في نصابِها. فلا يُحسَبُ القلقُ على المصير المشترك خاصاً بفئةٍ دون سواها، ولا الخشيةَ من اضطراب الأمن شأناً يَخُصُّ طائفةً بعينِها.

 

ولكي لا أبقى في العموميات، أذكُرُ ما تعرفونه جميعاً عن الظروف الاستثنائية التي نمرُّ بها. فقد انقضى علينا حوالي الثلاثين عاماً، وأمنُنا ليس بيدنا، إمّا بسبب النزاع الداخلي، أو بسبب الاحتلال الإسرائيلي وكذلك بسبب الوجود العسكري والأمني السوري. ثم إنّ البلادَ تتعرضُ منذ عدة أشهر لضغوطٍ قويةٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ ومن الداخل والخارج. والاغتيالاتُ والأحداثُ الأمنيةُ الأخرى انتهاءً بيوم الأحد الماضي، دليلٌ على ذلك كلّه. إنها تجاربُ ودروسٌ علينا أن نستفيدَ من آلامها ومعاناتِها لكي لا تحدث مرةً أخرى. وفي هذه الظروف فإنكم لا شك تشاركونني الرأيَ أنه لا بد أن يتّصف المسؤول السياسي أو الديني بالرؤية الوطنية الواسعة والحزم والحكمة. وتستطيعون أنتم المساعدةَ لأنكم ولا شكَّ مقتنعون كما أنا مقتنعٌ وأكثر أنْ ليس هناك استهداف خاصّ لطائفةٍ أو فئةٍ لأسبابٍ دينية أو مذهبية. هناك قرائنُ على أنّ المُراد تخويفُنا وإثباتُ عجزنا جميعاً عن تدبير شؤونِنا بأنفُسِنا بعيداً عن الوصايات والتدخُّلات.

 

أصحابَ الغبطة والسماحة والسيادة،

الإخوةُ الأفاضل،

 

هناك أمران أخيران. سمّت الحكومة الحاليةُ نفسها حكومةَ "الإصلاح والنهوض" وهي تعي دورَها بحسب هذه التسمية. وهي عازمةٌ رغم العوائق المعروفة التي تسببتْ بتعثُّرٍ وتأخُّر، أن تفيَ بوعودِها بكل تصميم. وهي تحتاجُ إلى دعمٍ حقيقيٍ من جميع اللبنانيين. وهي تريدُ مشاركتهم في تطوير مشروعِها الإصلاحي وشرحِه والدفاعِ عنه وتنفيذه والحصول على كل الدعم من الأشقاء والأصدقاء لهذا المشروع الإصلاحي الذي يمكن أن ينقلنا من خلال جهد اللبنانيين ومن خلال عرقهم ومساعدتهم ومساعدة الأشقاء والأصدقاء إلى القرن الـ 21، إلى حيث يريد شباب لبنان وشاباته أن يكونوا. انه من خلال ذلك نستطيع إنفاذُ المشروع الإصلاحيّ هو الردُّ الأنجعُ على محاولات الإعاقة والتعجيز. وهو الخيارُ الباقي للإفادة من الفُرَص الممكنة والمتاحة. لقد فوَّتْنا الكثير، وربما كانت لنا أعذار، وما عادَ لدينا عذرٌ الآن، ولا مندوحةَ عن الاهتمام بمستقبل وطنِنا وحرياتِنا ودولتِنا ومستقبلِنا. نريدُ أن نستكمل التحرير، وأن نبني الدولة الحرةَ والمنيعة، وأن نستعيدَ صورةَ لبنان المنفتح والمتسامح والديمقراطي. ما عاد لدينا الكثير من الوقت، ولا طريقةَ غير طريقة المبادرة للتصدّي لكلّ هذه المهامّ، التي تبدو صعبةً إنْ وقعْنا في المراوحة، ونحن قادرون عليها إن اجتمعنا على القيام بها مواطنين ونظاماً ودولة.

 

أما الأَمْرُ الآخَرُ فهو أنّ الحكومةَ معنيةٌ بأمن جميع المواطنين، جميع اللبنانيين. وهي تعتبرُ ذلك أَولويةً وطنية، لا يختلف اثنانِ في أَمْرِها. وهي جادَّةٌ في محاسبة المقصّرين، وملاحقة المجرمين ومعاقبتهم كما ينص القانون. أما الذين جرى توقيفهم وهم أبرياء فسيصار إلى إطلاق سراحهم وسريعاً، أما الذين ارتكبوا جرائم في حق الدولة وأمن الدولة فلا بد أن يطالهم القانون. إن الدولة والحكومة ساعية لتنمية قدرات أجهزتها الأمنية والقضائية دون تردد ولا إبطاء

 

لسنا معصومين. نحن نصيبُ ونُخطئ. ولكن نتعلم من أخطائنا ونبني عليها لكي تزيد من نجاحاتنا لكننا مصرُّون أيضاً على الشراكة الوطنية، وعلى أنّ الدولة هي الحاميةُ للجميع وهي سقْفُهُم. ولن نَقْبَلَ الأمنَ الذاتيّ من جانب أيّ فئةٍ، كما لن ننكمشَ ونَجْبُنَ ونتركَ كلَّ فئةٍ أو طائفةٍ تلجأ للوسائل المتاحة لحمايةِ نفسِها وأَمْنِها. لقد انتهت الحربُ الداخليةُ منذ زمن. والتحالُفات أو الاختلافات كلُّها سياسيةٌ من وجهة نظر الحكومة والدولة. وليس هناك أمنٌ ذاتيٌّ لفئة، ولا أمنٌ بالتراضي. وقد تحددت المسؤوليات، وإذا أردْنا وطناً ودولةً فعلى كلٍ أن يتحمل مسؤولياتِه. قلتُ مساءَ أمس في الجامعة الأميركية: إنّ الصراعَ على لبنان قد انتهى، بإرادةِ اللبنانيين وجهدهم وكذلك عملِهِمْ، وجهود الرئيس الحريري في حياتِه ومفاعيل شهادتِه. فلنكن مع وطننا ودولتِنا، لكي يبقى وطنُنا، وتبقى دولتُنا لنا.

 

أيها السادة الأجِلاَّء،

 

لقد شرَّفتُمُ السراي الكبير بقبولكم الدعوة وحضورِكم الكريم. وهذه فرصةٌ لقيامِ صِلَةٍ مباشرةٍ مع حَضَراتِكم وتواصل دائم، لتبادُل الرأْي والمشورة، وفي سائر الأحوال، وليس فقط في أحوال الشدائد والأزمات فقط.

 

في موروثِنا الديني المسيحي والإسلامي دعاءٌ معروفٌ، يدعو الأخُ المسيحيُّ ربَّه أن لا يُدْخِلَهُ في التجربة، ويسألُ المسلمُ المولى سبحانه تعالى أن يَقِيَهُ البلاءَ والامتحانَ والفتنة. فاللهمَّ لا تَفتِنّا ولا تُدخِلْنا في التجارب.

 

سنبقى معاً من أجل مواطنينا وأمننا ومستقبلنا وعيشنا المشترك ووطننا لبنان الرسالة التي قال عنها سيادة البابا. نحن أربعةُ ملايين من البشر، نستحقُّ الحرية والسيادة والاستقلال والعيشَ الكريم. ولن نتخلَّى جميعاً عن القيام بواجبنا مهما بلغت التحديات، كان أستاذي المرحوم قسطنطين زريق يقولُ لي: مهمٌّ أن نتمسَّك بحقنا، لكنّ الأهمَّ العملُ على استحقاق ذاك الحقّ. وهذا هو التحدّي الآن لنا جميعاً، كلبنانيين أن نعمل كي نستحق لبنان. واثق مثل ما أنتم واثقون، مثل ما هم أيضاً مئات الآن من الشباب، الأربعة ملايين لبناني ينظرون إلينا جميعاً.

 

في شتى مواقعنا لكي نعمل سوياً حتى نستحق لبنان.

أنا واثق أننا سننجح إكراماً لأربعة ملايين لبناني.

 

أشكركم على تشريفكم هذه الدار، ومباركتكم لها وهذه إن شاء الله ليست هي المرة الأولى وستكون هناك مرات ومرات، ويكون معنا إن شاء الله نيافة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير.

 

شكراً لكم، ومرحباً في كل وقتٍ وآن.

 

السراي الكبير

الخميس في 9 شباط 2006

 

                                رئيـس مجلـس الـوزراء

                                فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
09/02/2006