كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الرئيـس رفيـق الحريـري

أيها الإخوة المواطنون،
يمر عامٌ كاملٌ على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، ونحتشد اليوم في 14 شباط كما احتشدنا يوم مأتمه المشهود، ويوم 14 آذار في ساحة الحرية. كان الأمر عَصِياً على التصور وقتَها وما يزالُ كذلك. بيد أنّ الدَمَ الزكيَّ الذي ضَمَّخ بعبيره أرجاءَ لبنان والوطنَ العربي، غيَّر المعطيات، وقَلبَ التوازنات، فكنتَ يا أبا بهاء مالئَ الدنيا وشاغلَ الناس في حياتِكَ كما بعد استشهادِك.
نقفُ اليومَ مع الرئيس الحريري وأُسرتِه ومع المواطنين اللبنانيين في مواقع الحقّ والواجب والمسؤولية. حقّ الدم والشهادة. وواجب الضمير والوطن. ومسؤوليةُ الشأن العام ومستقبل لبنان واللبنانيين. لقد عمل الرئيسُ الحريري طَوالَ خمسةٍ وعشرين عاماً من أجل الحاضر الوطني والمستقبل اللبناني والعربي. كافح الحربَ باستقطاب شبابِ لبنان للتعليم المستنير والمتقدم وإعدادهم للمستقبل. وكافح النزاعَ بالجَهدِ الفائقِ من أجل تحقيق التوافق بين اللبنانيين. وكافحَ الاختراقاتِ الإسرائيليةَ. بالخيارِ العربي، وَدَعَمَ المقاومةَ من أجل تحريرِ الأرض. وتصدّى مع لبنانيين كثيرين وأشِقّاءَ عربٍ للفتنة المستمرة، والدم المسفوك باتّفاق الطائف الذي أنهى الحرب، وأتاحَ البدْء بالإعمار والنهوض وبناء الدولة.
جمع الرئيسُ الحريري اللبنانيين على صناعةِ مستقبلِ لبنان بأيديهِم ووحدتِهم وإرادتِهِم وعزيمتِهِمْ. واستعادَ بالعمل والإنْجاز ثقةُ اللبنانيين بأنفُسِهِمْ ووطنِهِمْ. وتساوقَ ذلك مع مساعٍ لم تتوقفْ لإعادةِ لبنانَ للساحةِ العربيةِ والدولية، وليس عن طريق التمنيات والرغبات، بل من طريقِ الاعتمادِ على نجاحِ اللبنانيين وتفوُقِهم في كل مكان، وعن طريق الإقناع بأهميةِ الاستقرار والازدهار اللبنانيِّ للعربِ والعالَم. وقد سمعْتُ من عدة شخصياتٍ عربيةٍ ودوليةٍ كيف عرفوا ميزاتِ لبنان واقتنعوا بمستقبلِه من خلالِ إيمانِ رفيقِ الحريري القويِّ بوطنه وبني قومه، وإلحاحِه على أنّ بلدَنا يستحقُّ الاهتمامَ والرِّهانَ المستقبليَّ، مهما بَدَتْ مُشكِلاتُ الحاضر في مقدّمة الصورة ومهما بدت عَصّيةً على الحلّ.
وكما كان الرئيسُ الحريري رَجُلَ الوطنِ ودولتِه ومستقبلِه في حياته، كذلك كان عَلَمَ الحريةِ والاستقلالِ والوحدةِ الوطنية في استشهاده. احتشد اللبنانيون في مأتمه ومن حول ضريحه، وخرجوا يوم 14 آذار بمئات الألوف إعلاناً عن المُضِيِّ في مشروعه، وأجرَوْا انتخاباتٍ حرةً أسّستْ لعهدٍ جديد، وحكومةٍ تمثيليةٍ منتخَبة. وها نحن نعملُ على هَدْي المشروع الإصلاحي الوطني الذي رسم الرئيسُ الحريريُّ معالِمَهُ من أجل استقلالٍ ناجزٍ، ودولةٍ عربيةٍ ديمقراطيةٍ متقدِّمة، يقودُها الشبابُ اللبنانيون الذين تلقّتْ كثرةٌ منهم تعليمَها العالي عن طريق مؤسسةِ رفيق الحريري، ومدرستِه الوطنية.
أيها المواطنون،
أيها اللبنانيون،
نجتمعُ من جديدٍ في يومِ استشهاد الرئيس الحريري، لنجدِّدَ عهدَ الوفاء وعهدَ الفداء وعهدَ الوفاق، وعهدَ الحرية، وعهدَ الاستقلال، وعهدَ المستقبل الزاهر والمتقدم. كان الرئيس الشهيد يردد: لا أحدَ أكبرُ من وطنه، ونحن نقول: ولا احد أكبرُ من شهادته. لقد افتدى الشهيدُ وطنَهُ الذي عمل له لعقدين ونصف العقد بدمه. والحقُّ الوطنيُّ اليومَ للشهادةِ وللرئيسِ الشهيد السيرُ في مسيرته، والسيرُ في مشروعِه، والسيرُ في إنجازه، وقبل ذلك وبعده: الوفاءُ له في إيمانه بلبنانَ الوطن، ولبنانَ الحرية، ولبنانَ الوحدةِ الوطنية، ولبنانَ الدولة العربية الديمقراطية المتقدمة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما النصرُ صبرُ ساعة! لقد كان الرئيسُ الشهيد يستشهد بهذا القول النبوي في حالتي التخاذلِ والتسرُّع. الزمانُ زمانُ لبنان. والمستقبلُ مستقبلُ لبنان، ونحن صابرون وصامدون ومُثابرون في وجه شتّى التحديات، وأمامَنا مقولةُ رفيق الحريري: لقد اختلف اللبنانيون على الماضي، لكنهم لن يختلفوا على المستقبل. فلتكن سنويةُ شهادةِ الرئيس فرصةً للتعبير عن الوحدةُ وفرصةً للتعبير عن خيارِنا الوحيد والباقي، خيارِ رفيق الحريري، خيارِ العيش المشترك، ووثيقةِ الوفاق الوطني.
في يوم شهادتِك أيها الحبيب الغالي أنت وباسل فليحان وجميع الرفاق والشهداء الذين سقطوا معك، يومِ الاحتفاءِ بذكراك ومسيرتِك، ولوعةِ الوطن والمواطنين عليك نُعاهدُكَ على متابعةِ مسيرةِ التحقيق حتى ينبلجَ فَجْرُ الحقيقة، ويُساقَ المرتكبون المجرمون إلى العدالة. ونعاهدكَ على أن نظلَّ أوفياءَ للانتماء العربيِّ الذي رسَّخْتَهُ وجدّدْتَهُ. نعاهِدُكَ على الالتزامِ بسيادةِ لبنان وحريتِه واستقلالِه وإكمال تحريرِ أرضه. ونعاهِدُكَ أخيراً على المبادرةِ في طريق الإصلاح الذي اتخذتَهُ سبيلاً للنهوض الوطني والقوميُ وللمعاصرة الوطنية والقومية.
قال لنا الرئيسُ الحريري ونحن نعود معه من سفرةٍ بعيدة: هل تعرفون ما هو منتهى أملي اليوم؟ أن استطيعَ النومَ الليلةَ في بيروت! لقد بلغ الرئيس الشهيد أقصى آمالِه: ضمَّهُ قلبُ المدينة التي أحبَّ وعَمَّر، ورقَد بين الناس الذين عمل لهم ومعهم وبهم، وفي الضريح الذي صار مقصداً لجميع اللبنانيين والقاصدين بيروتَ من العرب، الذين كان رفيق الحريري مرآتَهم ومحطَّ آمالِهِمْ، ينظرون إليه كأنما ينظرون بعيون المستقبل الزاهر وعقوله القادرةِ والمبدِعة. نعم رقدَ الحريريُّ بجوارِ المسجد الذي خَطَّطَ وَشيَّد، وعلى مقرُبةٍ من الكنيسة، يتداولُ على سَمْعِ بصيرته صوتُ المؤذِّن وجَرْسُ الجَرَسِ على مدى دهور بيروتَ الخالدةِ ولبنان. وستظلُّ ذكراه ناضرةً عندنا نُضرةَ وجوهِ الفتياتِ والفتيانِ الذين علّم ودرَّب وأقْدَرَ من أجل الحاضرِ والمستقبل. ونُضرةِ الورودِ التي تُكَلِّلُ ضَريحَهُ الريّان، ودوحَتَهُ الباسقةَ على مدى الزمان. ما انتهى ولن ينتهيَ مَنْ كانت هذه حياتَهُ، وكانت تلك شهادتَه.
رَحِمك الله يا دولةَ الرئيس رحمةً واسعة، وباركَ ثراكَ الطيِّب، ورعى عهدَكَ الميمون، وصُحْبَتَكَ التي لا تُنسى، وأسرتَكَ العزيزةَ الباقيةَ عزةً وشموخاً.
رحِم الله رفاقَكَ الذين استُشْهدوا معك والذين استُشْهدوا بعدِك: منهم مَنْ قضى نَحْبَهُ ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً.
لقد عدتَ إلى بيروت بعد سفرٍ طويل طويل، وهاهم أحبابُكَ آتون للزيارة يومَ 14 شباط: ألا تهبُّ كعادتِكَ لاستقبالِ ضيوفِكَ يا أبا بهاء؟!! رحمك الله.
السراي الكبير
الثلاثاء 14 شباط 2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
