الرئيس الشهيد رفيق الحريري: معالم الدور ومعاني الشهادة"

-A A +A
Print Friendly and PDF

أصحاب السماحة والسيادة والمعالي،

أيها الحضور الكرام،

 

على مشارف انتخابات العام 2000، وكانت الحملاتُ، كما نذكر جميعاً، شديدةً على الرئيس الشهيد رفيق الحريري، قال في استقبال وفدٍ أتى لزيارته في دارتِه بقريطم: ما أزالُ مُصراً على ما قلتُه مراراً أنّ اللبنانيين قد يختلفون على الماضي، لكنهم لا يختلفون على المستقبل. ستَرَون أنّ هذا الغُبارَ السياسيَّ والشخصيَّ سينجلي سريعاً، وستبقى الدولةُ وتتعزز، ويبقى الوطن.

 

ما أحوجَنا إلى تذكُّر هذه الكلماتِ الصادرة من القلب الكبير، في ذكرى مرور عامٍ على استشهاده، ووسط التجاذُبات التي نالت من كل شيءٍ إلاّ من عزيمةِ اللبنانيين، وتشبُّثِهِمْ بوطنهم ودولتِهِمْ.

 

تَعَالَوا أيها الإخوة، نتذكَّرْ الثوابتَ التي انطلق منها الرئيس الحريري، وكلّ لبنانيي السِلْم والأُلفة والمصالحة والعيش المشترك، في عمليات البناء السياسي والعُمراني والاقتصادي والتربوي والإنساني:

  • لبنانُ وطنٌ نهائيٌّ لسائر بنيه. وعلى هذا الأساس علينا أن نضع ورَاءَنا عقوداً من العصبيات والأَولويات المخطئة والمضلِّلة، ودعاوى الأصيل والدخيل. وعلى هذا الأساس دعمت مؤسسةُ الحريري تعليمَ عشرات الأُلوف من الفتيان والفتيات دونما تفرقةٍ أو تمييز. وجاء النصُّ في وثيقة الوفاق الوطني بالطائف على مبدأ المواطنة، وتكافؤ الفُرَص بين المُواطنين، والمساواة أمام القانون، والحريات الأساسية.

 

  • ولبنانُ عربيُّ الهوية والانتماء. وبهذا المبدأ نخرج من تجاذُبات الصراع على الوطن والموقِع والانحيازات والاستقطابات، والاستعانة بالخارج على الداخل، والتمييز بين الصديق والعدوّ.

 

  • ولبنانُ يحيا على وقْع ميثاق العيش المشتَرَك، في تجربةٍ غنيةٍ دامت قروناً وستبقى مزدهرةً في عيون أطفالِنا، وعزائم ناسِنا وإيمانِهِم بوطنِهِمْ ومستقبلِهِمْ. كم سمعتُ الرئيسَ الشهيدَ يقول معلّقاً على هذا الأمر أو ذاك: هذه المسألة ميثاقية، ولا يستطيعُ أحدٌ التشكيكَ فيها، ولا الخروجَ عليها.

 

  • ولبنانُ وطنٌ حُرٌّ سيّدٌ مستقلٌّ، ودولةٌ سيّدةٌ حُرَّةٌ مستقلّة. لقد شهدْنا عهوداً من الانتدابات والحمايات والوصايات. وقد ذهبت كلُّها إلى غير رجعة، بعد أن كلفت اللبنانيين دماءً ودموعاً ومُعاناة وضياعاً للجهد وإطاحة بفرص المستقبل. ولقد علمَتْنا التجارب أنه ليس من حق أحدٍ فرداً أو فريقاً الإخلالَ بهذا الأمر قَيْدَ أُنمُلة، وإلاّ كان متجاهلاً لدروس التاريخ، ولدروس وعِبَرِ التجربة القريبة التي ما نزالُ نُقاسي من آثارِها في أمنِنا وفي عملِنا السياسي، وفي الاستقطابات التي تشهدُها بلادُنا.

 

  • والنظامُ السياسيُّ اللبنانيُّ مهمتُهُ إدارةُ الشأن العامّ، بالطرائق الديمقراطية، وبفصل السلطات وتعاوُنها، وبالحوار والتوافُق، وبروح التعاوُن والشراكة، وتقديم المصالح الوطنية العُليا. هذا ما نصّ عليه دستور الاستقلال، وهذا ما نصَّ عليه دستور الطائف. وليس من حقِّ أحدٍ فرداً كان أو فريقاً سياسياً أن يقدّم مصالحَهُ أو أفكارَهُ على مصلحة الوطن ومُواطنيه بأيّ حجةٍ كانت.

 

  • وهدفُ النظام السياسي اللبناني نَشرُ الرَفاه والتقدم، وصَونُ الأمن والحريات، وصنع المستقبل القوي والمُزدهر من خلال التلاؤم مع روح العصر واستنهاض همم وجهود اللبنانيين والعمل على استعمال طاقاتهم ومواردهم على الشكل الأمثل الذي يحقق أهداف الوطن والمواطنين. كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يقول: أهم شروط شرعية النظام السياسي نجاحُهُ في الحصول على تأييد ودعم غالبية المُواطنين وسعيه الدائم من أجل الإنجاز. فإن لم يتحقق النجاحُ، فليس ذلك ذنبَ الناس، بل هو ذنبُ الطبقة السياسية، التي ما أحسنت إدارة الشأن العامّ.

 

 

 

أيها السادة،

أيها الإخوة،

 

في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الرئيس الحريري نجدُ بين أيدينا، وفي حاضرنا الوطني، مشروعَ الدولة الوطنية الذي أسهم رفيق الحريري إلى جانب لبنانيين كثيرين، وأصدقاءَ وأشقّاءَ، في إنجازِه، وفي السير خُطُواتٍ واسعةً في تطبيقه، وجَعْلِهِ جزءًا من حياة اللبنانيين، ومن طموحاتهم من أجل وطنٍ مكتمل الحرية والسيادة، ومستقبلٍ لا تَشَرْذُمَ ولا شَتَاتَ فيه.

 

من أجلِ هذا المشروع واجَهَ الحريريُّ ما وَاجهَ، وتحمَّلَ ما تحمَّل، وصارت تجربتُهُ جزءًا من الميراث الوطني، مثلَ الاستقلاليين الأوائل، الذين آمنوا بالعيش المشترك وبقُدرة اللبنانيين على بناء وتطوير النظام الديمقراطي والتوافُقي، الذي يحملُ قَسَماتِ تنوُّعِهِمْ، وتمكُّنِهِمْ بسبب هذا التنوع بالذات من التحاوُر والتآلُفِ والتقدم في السياقاتِ الوطنية والعربية والعالمية.

 

كانَ الرئيس الحريري يقول: قد يستطيعُ الإنسانُ أن يحمل جُرحَهُ إلى إخوانه طالباً مؤازرتَهُم، أمّا إلى الصديق فإنّ عليه أن يبذل جهداً أكبر للإقناع بمؤازرته ومن ذلك الإقناع بميزاتِهِ التفاضُلية، إذا صحَّ التعبير وبالفوائد المشتركة التي قد تتأتّى عن هذا النوع من التعاون. وقد كان الرئيسُ الشهيدُ عميقَ الإيمان بالقُدُرات الفردية للبنانيين، الذين حقَّقوا نجاحاتٍ على المستويين العربي والعالمي. وقد اعتقد أنّ النهوضَ على مستوى الدولة أو مشروعِها هو الذي يجمعُ النجاحاتِ الفرديةَ ويُثَمِّرُها، ويُعَظّمُ من ميزات لبنانَ التفاضُلية. وهذا هو معنى الدور الذي لا يضيعُ من وجهة نظرِهِ للبنانَ الوطن، ولبنانَ الدولة.

 

إنّ أَوَّلَ ما يُمكنُ اللجوءُ إليه والسيرُ فيه لتجديد معنى دور الوطن، ودور الدولة، تحقيق الإصلاح. فقد دَمَّرت النزاعاتُ والاصطفافاتُ والوصاياتُ مفهومَ المصلحة العامة في أذهان الناس. والعمليةُ الإصلاحيةُ الكبيرةُ التي نُحاولُ القيامَ بها إنما هدفُها تجديدُ اقتناع الناس بقضية الشأن العامّ ووضع مسألة احترامه في مقدم الأولويات، ولا طريقةَ لذلك غير الإصلاح الذي يعني إيجاد المسار الذي يَضَعُ ذوي الكفاية في المواقع الملائمة استناداً إلى كفاءاتهم ومستوى أدائهم وليس استناداً إلى انتماءاتهم وولاءاتهم، ويكافحُ الفسادَ بالعمل الجادّ والنزيه وبنوعية الأداء وبمدى تحقق الأهداف الموضوعة، ويصحّحُ رؤيةَ الناس للنظام والطبقة السياسية، وللموظفين العاملين في إدارات المصالح العامة، وفي الشأنين الأمني والعسكري. كل ذلك يجب أن يتم من ضمن رؤية منفتحة للاستيعاب والتلاؤم مع التحولات وصنع الفرص التي ينتجها التضامن الهادف بين اللبنانيين ولاسيما الشباب منهم والهادفة إلى المشاركة الفاعلة والمؤثرة في حضارة المنطقة والعالم.

 

 

 

 

 

أيها السادة،

أيها الإخوة والأخوات،

 

إنّ علينا أن نعترفَ بعد عامٍ على استشهادِ الرئيس الحريري رجلِ الدولة والنهوضِ الوطني، أننا ما استطعْنا بعدُ التخلُّصَ من آثارِ ومعالمِ مرحلةِ الوصاية السابقة، ولذلك ما تقدمْنا كثيراً في مجال استكمال المشروع الوطني الديمقراطي لبناء الدولة. الجمهورُ اللبنانيُّ يريدُ التغيير. والانتخاباتُ الأخيرةُ أظهرت رغبةً حقيقيةً في التغيير. وحشود 14 شباط طلبت التغيير. فلا بُدَّ من الاستجابة لتَوق اللبنانيين وآمالِهِم وأشواقِهِمْ للحياة الحرة الكريمة والمزدهرة. والحياةُ الحرةُ والكريمةُ والمزدهرةُ هي التي أرادها الرئيسُ الحريري للبنانيين، وعملَ لها لأكثرِ من عقدين من الزمان.

 

إنّ التجمُّعَ في بيروت في 14 شباط تعبيرٌ أيضاً عن التزام الناس بالعيش المشترك، وسعْيُهُم لتحقيق إجماعٍ حول الثوابت الوطنية لِعيشِهِمُ الكبير، ولدولتِهِم الواحدة، ولشأنِهِمُ العامّ الذي يُهمُّهُم جميعاً، والذي يريدون اللقاءَ على أساسٍ منه. إن الاختلافات مهما بلغ مداها لا ينبغي أن تصرفنا عن إدراكنا لمصالحنا الوطنية العليا وعماد تلك المصالح الوحدة الوطنية بين اللبنانيين وإصغاؤهم لمقتضيات عيشهم المشترك ولدواعي التوافق والحوار حول المسائل الأساسية التي لا قوام للبنان بدونها وإلا فما معنى الثوابت المتباينة التي كان الرئيس الشهيد يتحدث عنها دائما. دولةُ 14 شباط و14 آذار وسائر المناسبات الوطنية هي دولةُ الحقوق والواجبات فلا يمكن التمسك بالحقوق إن لم يترافقْ ذلك مع الالتزام بالواجبات التي يفترضها وجود الوطن ووجود الدولة، دولةُ الالتزام بالحقّ الوطني، وبتقديم المصالح العليا على الأخرى الفئوية أو التي يمكن أن تُشَرْذِمَ أو تُجَزّئَ القضايا العامة. لقد طال علينا العهدُ الذي كنا فيه نبحثُ عن حقوقنا الفردية أو الجماعية، وقد آن الأوان ليكونَ الوطنُ أولاً، ويكونَ شأنُهُ العامّ في المقدمة.

 

إنّ الوقوفَ في وجه التغيير الذي يَبني الدولةَ الآمنة، الدولةَ الديمقراطية، دولةَ جميع اللبنانيين، إنما هو وقوفٌ في مواجهة مشروعِ رفيق الحريري الذي هو حلم اللبنانيين، وحيلولةٌ دون المستقبل الحُرّ والمزدهِر والسيّد للوطنِ والمُواطنين.

 

 

من أجلِ لبنانَ ومستقبلِه، ومن أجلِ رفيق الحريري ومشروعِه، لن نقبلَ بالمُراوحة، ولن تُخيفَنا السدود والعقباتُ المصطَنَعة، ولا شائعاتُ الفتنة والتدمير والإرهاب. بعد استشهاد الرئيس الحريري أنذرتْنا أطرافُ النظام الأمني بالويل والثبور وعظائم الأمور إن حَرَّكْنا ساكناً، أو رفعْنا أصواتَنا حتّى بصُراخ الاستغاثة. وترتفعُ هذه الأيام الأصواتُ نفسُها بالنَغَمات نفسِها، كأنما هو إنجازٌ عظيمٌ لهم حصولُ تفجيرٍ أو اغتيالٍ أو إحراق.

 

 

 

لا مَخْرجَ للبنانيين من حالةِ المُراوحة، ونُذُرِ التقوقُع والخوف والتفجير إلاّ بمشروع الرئيس الحريري للدولة الحرة والآمنة والقوية التي تصون أمن الناس وتحفظ شأنهم العام ومصالحهم الكبرى، والتي لا مكانَ فيها للفتنةِ وهماً أو واقعاً. ولا مكانَ فيها للمتآمرين والفاسدين رغبةً أو واقعاً. لا مكانَ فيها لغير الشجعان، أهلِ النزاهةِ والوطنيةِ، والذين يحملون في رؤوسهم وقلوبهم هَمَّ الوطن حاضراً ومستقبلاً.

 

أيها السادة،

أيها الإخوة،

أحبابَ الرئيس الشهيد،

 

أسهم الرئيس الشهيد إسهاماً أساسياً في إنهاء الحرب وإرساء السِلْم. كما أسهم إسهاماً كبيراً في عمليات النهوض الوطني وبناء الدولة. بيد أنّ هناك إسهاماً آخَرَ كبيراً له لا يؤتى على ذكره في العادة. لقد غيَّر القائدُ الشهيد من اهتماماتِنا، وأخرجَنَا من المحلية الضيّقة التي أدخلَنَا فيها النزاعُ الداخليُّ الطويل. بدأ اللبناني يعود للتفكير في تطوير عمله، وفي مستقبله الاقتصادي والاجتماعي، بل وفي العالَم من حوله عربياً ودولياً. بدأ يفكِّرُ في العالَم من حوله من أجل التواصُل والتقدم في الداخل كما في الخارج.

 

 

 

نُريدُ التغيير الذي يُقَوِّي هذا التطورَ النوعيَّ الذي أدخلهُ مشروعُ رفيق الحريري للنهوض على حياتنا الفردية والوطنية. ونُريدُ التغييرَ الذي يُسَرِّعُ من إنهاء المرحلةِ السابقةِ ورموزِها. ونُريدُ التغييرَ الذي يمكّنُنا من متابعة عمل الرئيس الشهيد من أجل الدولة والوطن والمستقبل.

 

لقد اعتبر المجرمون أنهم مكروا وفازوا لجهة اغتيال الرئيس. لكنّ المَكْرَ السيئَ لا يَحيقُ إلاّ بأهله، فيمكُرون ويمكُرُ اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين. سيقادُ المجرمون إلى العدالة. ويبقى الشعب اللبناني، وتبقى إرادتُه، وتبقى دولتُه.

 

رحمَ الله الرئيسَ الشهيد رفيق الحريري. وتقبَّلَ جلَّ وعلا شهادتَهُ في سبيله: "من المؤمنين رجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم مَنْ قضى نحبَه، ومنهم مَنْ ينتظر وما بدَّلوا تبديلا". صدق الله العظيم.

 

قصر الأونيسكو

الجمعة في 24/2/2006

 

                                      رئيس مجلس الوزراء

                                      فؤاد السنيورة

تاريخ الخطاب: 
24/02/2006