كلمة- اجتماع المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً}.
ويقول رسول الله محمدٌ صلواتُ الله وسلامُهُ عليه: "كل المسلم علىالمسلم حرام دمه وماله وعرضه".
في الوقت الذي يحرص فيه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها على إظهار الصورة الحقيقية المشرقة للإسلام.
وفي الوقت الذي يعملون فيه على مدّ جسور التواصل والتعارف مع المؤمنين بالرسالات السماوية وبأهل العقائد المختلفة، وبالناس جميعاً على قاعدة الآية القرآنية الكريمة: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}.
وفي الوقت الذي يتعرض فيه الإسلام بكل ما يدعو إليه من سماحة ورحمة وعدل وسلام إلى حملات افتراء ظالمة تتعمد تشويهه واتهامه بما هو منه براء.
وفي الوقت الذي يتنادى فيه المسلمون إلى التصدي صفاً واحداً وقلباً واحداً لتداعي الأمم عليهم: "كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها" على نحو ما جاء في الحديث النبوي الشريف.
وفي الوقت الذي يتحتم فيه على المسلمين جميعاً أن يعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا لاستعادة موقعهم المحترم بين الأمم ودورهم البناء في عالم القرن الواحد والعشرين، والذي يحتم عليهم أن يعيدوا النظر في سلوكهم وتعاملهم في ما بين بعضهم البعض وحيال الآخرين وأن يدركوا مسؤولياتهم تجاه مجتمعهم وأمتهم، بما يتناسب مع قيم الإسلام، وبحيث تأتي أعمالهم مصدقة لما وقر في قلوبهم من إيمان، فلا يقولون شيئاً ويأتوا بما يناقضه.
في هذا الوقت بالذات تطلّ الفتنة المذهبية البغيضة برأسها البشع من العراق لإثارة العداوة والبغضاء بين المسلمين وتمزيق صفوفهم واستضعافهم وتشويه صورتهم وصورة الإسلام ديناً وثقافةً ومنهجَ حياة.
إنّ التعدد في الاجتهادات الفقهية تحت راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" هو من أسس ومن مقومات السماحة في الإسلام. وهو يشكل ينبوع تراثه الفقهي المنفتح الذي أغنى التشريعات العالمية على مدى التاريخ. والاختلاف الفقهي لا يبرر الخلاف على الإطلاق. فكيف إذا وصل الخلاف غير المبرر إلى حد توظيفه في ارتكاب مجازر منكرة تودي بحياة أبرياء مؤمنين، صمدوا ويصمدون في بلدهم لثقتهم بالله وبدينهم وبتاريخهم وبعيشهم الواحد ومستقبلهم. وكيف إذا أدى إلى الاعتداء على حرمة "بيوتٍ أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب"، كما جاء في القرآن الكريم.
إنه لما يدمي قلوبنا ويثير قلقنا واستهجاننا أنّ هذه الاعتداءات الآثمة والمتنقلة استُخدمت أسوأ استخدام بهدف إثارة الفتنة بين المسلمين. وعلى الرغم من أن المراجع الدينية من مختلف المذاهب وفي مختلف دول العالم الإسلامي أدانتها وشجبتها، لكنّ الأيدي العابثة التي تريد شراً بالمسلمين وبوحدتهم لم ترتدع، وهو الأمر الذي يتطلب مزيداً من الوعي ومزيداً من العمل المشترك لرصّ الصفوف وتوحيد الجهود وإشاعة روح السماحة الإسلامية والاحترام المتبادل بين أهل الاجتهادات المذهبية المتعددة، كما يتطلب مزيداً من الجهد التربوي والثقافي لرفض الغلو والتطرف ونبذ منهج التكفير الذي ينكر على المؤمنين إيمانهم بالله ورسوله، والذي يتنكر لدعوة الله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمناً تريدون عَرَضَ الحياة الدنيا}.
إن العلماء المسلمين السنة والشيعة في لبنان المجتمعين في دار الفتوى في بيروت برئاسة صاحبي السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد راغب قباني ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، التزاماً منهم بهذه الثوابت الإيمانية.
وتمسكاً منهم بالأخوة الإسلامية، وبوحدة الصف الإسلامي، في لبنان وفي العالمين العربي والإسلامي، وقد هالهم ما جرى ويجري في العراق من محاولات آثمة لإثارة الفتنة المذهبية التي لا تخدم سوى أعداء العراق والأمتين العربية والإسلامية.
يهيبون بإخوانهم العلماء المسلمين السنة والشيعة في العراق وفي العالم الإسلامي كله، التصدي للفتنة بالمزيد من الحكمة والتعالي، والوقوف في وجه محاولات التفرقة بالمزيد من التضامن والوحدة.
وهم إذ يعاهدون الله ورسوله والمؤمنين على العمل معاً يداً واحدة وقلباً واحداً على نبذ الفتنة والتفرقة والتمسك بأهداب الوحدة: "إنّ هذه أمتكُم أمةً واحدةً، وأنا ربكم فاعبدون"، وعلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة: "أُدْعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة"، يناشدون إخوانهم العلماء في شتى أنحاء العالم، التفانيَ في صيانة مجتمعات العالم الإسلامي مما يحاك لها من فتنٍ ودسائسَ هدّامة، والدفاع عن وحدتها وسلامتها من المحاولات التي تستهدف العبث بأمن المسلمين ووحدتهم وأُخُوتّهم: "واتّقوا فتنةً لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة، واعلموا أنّ الله شديدُ العقاب".
إن إنقاذ العراق، شعباً ومقدسات، من الفتنة المذهبية التي كشفت عن مخالبها هو إنقاذٌ لكل دولةٍ إسلامية، وإنقاذٌ للمسلمين جميعاً مما يُستدرَجُون إليه من تمزق وانقسام، وهو إنقاذٌ للإسلام مما يتعرض له من افتراءٍ وظُلْم وتشويه.
إنّ العلماء المسلمين، الشيعة والسنة، إذ يُعربون عن احترامهم لحقوق الإنسان الذي كرّمه الله وفضّله على كثير ممن خلق واستخلفه في الأرض لعمارة الكون، بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو دينه أو لغته.
وإذ يؤكدون احترامهم المطلق لدور العبادة جميعها التي يذكر فيها اسم الله ويسبح له بلغات وبطرق ووسائل متنوعة.
وإذ يشددون على تمسكهم بمبدأ وحدة الدين وتعدد الشرائع.
وإذ يرفضون ويدينون تكفير المسلم للمسلم بذريعة الاختلاف المذهبي أو الاجتهادي.
وإذ يرجعون لقول الله تعالى بأنه هو وحده عزّ وجلّ الذي يحكم بين الناس فيما هم فيه مختلفون.
يدعون إخوانهم المسلمين في لبنان إلى عدم الانجرار إلى هذه الفتنة التي تستهدف المسلمين، وإلى صيانة وحدتهم وأخوتهم الدينية والوطنية والتي هي أساس في صيانة وحدة لبنان واللبنانيين، وأن يشكلوا درعاً واقعياً، كما كانوا دوماً وعلى مر السنين، للإسلام والمسلمين في وجه كل من يتربص بهم شراً ومن يحاول أن يفكك وحدتهم وأخوتهم، كما يدعون إخوانهم المسلمين جميعاً في كل أقطار العالم إلى الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق وإلى أن يذكروا نعمة الله عليهم ليبقوا كما أراد لهم الله إخواناً متحابين متراحمين، وكما أرادهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الأعضاء بالحمى والسهر"، تحت راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
إنّ العربَ والمسلمين جميعاً يتطلعون إلى الشعب العراقي الحبيب بمختلف فئاته، بأملٍ كبيرٍ وثقةٍ لا تتزعزع بقدرته على تجاوُز الاحتلال بالحرية، والفتنة بالتوحُّد، والاستقطابات بالوطنية الحقّة: "ولينصرنّ الله مَنْ ينصره إنّ الله لقويٌّ عزيز".
والله ولي التوفيق
دار الفتوى- بيروت
الاثنين في 27 شباط 2006
