كلمة رئيس مجلس الوزراء في المؤتمر الدولي الذي يقيمه اتحاد المهندسين اللبنانيين مع الاتحاد الدولي للمعماريين حول "المدن المتوسطة"

السادة في الاتحاد الدولي للمعماريين،
السادة ممثلو اليونيسكو،
الإخوة في اتحاد المهندسين اللبنانيين،
أيها المهندسون،
تأتون اليومَ لعقد مؤتمرٍ مهمٍ في موضوعٍ مُهمّ. فمنذ عقودٍ تتوجه الأنظار والاهتمامات إلى موضوع الهجرة من الريف إلى المدينة أو إلى العواصم الكبرى، وإلى موضوع الاكتظاظ المديني، وكيف يمكن أن يُسهم المهندسون بالإبداع والملاءمة في التصدّي لذلك كلِّه، إلى جانب الفئات العاملة الأُخرى في التنظيمات المدنية، وفي مؤسَّسات الدولة الأخرى من أجل تحسين مستوى ونوعية عيش القاطنين في المدن. بيد أنّ المدن الصغرى والبلدات، والتي آثَرْتُم إطلاقَ اسم "المدن الوسيطة" عليها ما حظيت بالعناية الكافية، وفي المشرق العربي- والإسلامي على الأقلّ. فلقد عرفت بعضُ البلدات القديمة بعضَ الاهتمام بسبب أهميتها التاريخية والسياحية. بيد أنّ البُعدَين العمراني والاقتصادي ظلاَّ بمنأىً عن التقدير، إمّا لضآلة الاستثمارات، أو للانصراف للاعتناء بالمُدُن الكبرى. والواقعُ أنّ المدن الصغرى والبلدات يمكنُ أن تكونَ لها وظائفُ فائقةُ الاعتبار في مجتمعاتنا بشكل عام ولاسيما في هذه الظروف المتغيِّرة، من طريق التنمية الاقتصادية، ومن طريق تحسين الإدارة البلدية وزيادة اهتمام مؤسسات المجتمع المدني، وأخيراً وليس آخراً من طريق الأنماط المعمارية التي يُبدعُها المهندسون، الذين يعيدون تشكيل العالَم، في تحسين مستويات التخطيط والتنفيذ المدني.
أيها السادة،
أيها الإخوة،
نعم، تُنْسَبُ مقولةُ تشكيل العالَم من جانب المهندسين، إلى المهندس الكبير وعالِم البصريات الحسن بن الهيثم عندما كان يعملُ على إيجاد طريقةٍ لرفع مياه النيل من طريق تغيير مجراه. وهكذا فَمِسطَرَةُ المهندس وبيكارُهُ، وخطوطُهُ ورسومُهُ وبصرُهُ وبصيرتُهُ، كلُّ ذلك يصنعُ عالَماً جديداً، ولذلك فقد ارتبطتْ أزمنةُ التغيير الكبرى بالهندسة والمهندسين، وبخاصةٍ بعد أن تعددتْ اختصاصاتُهُم، وتنوَّعَتْ إسهاماتُهُم، بحيث صاروا أَحَدَ أَبرَزِ صُنّاع العُمران أو الحضارة بالمصطَلَح الخَلدوني. ولبنانُ بالذات مَثَلٌ واضحٌ على ذلك، سواءٌ في عُمرانه الحديث الأول قبل حوالَي القرن ونصف القرن أو عُمرانِهِ الثاني مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري منذ أواخر الثمانينات وحتى اليوم.
أيها المهندسون،
إنكم تجتمعون الليلة في السراي الكبير المبني في نهاية القرن التاسع عشر، والذي تعرض للقصف والدمار خلال الحروب التي عصفت بلبنان وبوسط العاصمة بيروت والتي أعاد الرئيس الحريري تجديده وتطويره بهذه الطريقة الرائعة الجامعة بين الكلاسيكية والحداثة والرونق النابع من طبيعة لبنان وأنماط البناء فيه.
لقد فكَّرَ الرئيس الحريري في كيفيةِ إعمارِ وَسَطِ بيروت منذ العام 1982. وقام بمحاولةٍ من أجل ذلك بمبادرةٍ شخصيةٍ تتعدى التنظيفَ وتطهيرَ المدينة من آثار الاحتلال وخراب الغزو. ثم عاد للتفكير في وسط بيروتَ وإعمارِه بالتساوُقِِ مع عملِهِ الآخَر على إنهاء الحرب والإعمار السياسي من خلال وثيقة الوفاقِ الوطني بالطائف. ودَفع بالقانون الخاصّ بإعادة إعمار وسط العاصمة بيروت إلى مجلس النواب قبل أن يُصبحَ رئيساً للحكومة. وفي مطلع العامِ 1993 أَطلق ورشةَ الاعمار الكبرى لتجديد عُمرانِ بيروتَ ولبنان من خلال رؤياه للبنان المستقبل ولدور العاصمة بيروت فيه. وأطلق مشروعاً طموحاً، وإن بدا للبعض أنه متواضع الإمكانات، لحماية الإرث الثقافي والتنمية المدينية في خمس مدن متوسطة وهي: طرابلس وجبيل وصيدا وصور وبعلبك. وها هو المشروع الآن في طور التنفيذ.
كذلك فقد أطلق الرئيس الشهيد أفكارَ عدةِ مشاريعَ اعتبرها عن حق قاطراتٍ لتقدم لبنان ولتطوير ولتعزيز نمو الاقتصاد اللبناني ولإيجاد فرص العمل الجديدة للشباب اللبناني. ومن ذلك كانت فكرة إنشاء منطقة سوليدير وفكرة مشاريع أليسار ولينور والقريعة وBETZ. إلا أن الكيد والانغلاق والمصالح المستقرة لدى البعض حالت دون تحقيق مبادرات كثيرة وتنفيذ كامل حلم الرئيس الشهيد.
لقد كنتم أيها المهندسون رفاقَ ويدَ الرائد في مغامرةِ الإنجاز والإبداع والجمال المتجدّد في المشاريع والأفكار التي أطلقها الرئيس الشهيد، وقبلَ ذلك وبعدَهُ في خدمة الوطنِ والإنسان.
وها أنتم وفي منطقة وسط بيروت ترون بأم العين تناغم التاريخ مع الحاضر. وها قد ظهرت مدينةٌ حديثةٌ أعيد بناؤها على الالفة والودّ والانفتاح، أوَ لم تكن الهندسةُ المعماريةُ دائماً عنوانَ الصلة الصحيحة بين البناء والناس ونظام الحكم؟
أيها الإخوة،
لقد أراد الرئيسُ الشهيدُ من وراء إعمار وسطِ بيروت، أن يكونَ ذلك مِثالاً ونموذجاً للقاء اللبنانيين وامتزاجِهِمْ، ورمزاً لإرادتهم المصمِّمة على النهوض معاً، وعلى البقاءِ معاً، وعلى البناءِ معاً. وهذا اللقاء لقاءٌ في المكان. أمّا اللقاءُ في الزمان، فهو اللقاءُ في ظلّ الدولة، وفي التعبير من خلالِها عن الإيمان بالوطنِ والعيشِ المشتركِ والمتجدد، بالإصلاح والتعمير، وبالنجاح في صنع القدرةِ المستقلّة، والقرارِ الحُرّ، والتوحُّد بالاستقلال والسيادة والحرية بالذات.
إننا ولا شك محتاجون إلى ورشةٍ إصلاحيةٍ كبرى، من أجل حاضرِ اللبنانيين ومستقبلِهِمْ وعلينا أن نخوض غمارها بإرادة مصممة وعزيمة لا تلين. ولا طريقةَ لتحقيق هذا الإصلاح الحيّ والحُرّ والقادر إلاّ بالدولة القادرة والمتماسكة، وبالاجتماع من حولها وتبني فكرة الإصلاح الطامحة نحو التلاؤم مع التحولات الجارية في العالم من حولنا. الإصلاح الذي تُساندُه قِطاعاتُ المجتمع المدني وتتبناه وتدافع عنه، والمهندسون أحدُ أهمّ القطاعات التي عمَّرت وتلاءمت، وهي مستعدةٌ وقادرةٌ إن شاء الله على الاستمرار في الإسهام الكبير في الإعمار والازدهار.
أيها الإخوة،
إنّ الحوار الذي نخوضُ غمارَهُ الآن في مجلس النواب والذي يقوم به اللبنانيون وربما ولأول مرة دون وصاية أو رعاية أو وساطة، هو عملٌ جادٌ من أجل الإنسان في لبنان من أجل معالجة المسائل التي قضينا عقوداً أحجمنا أو تلكأنا أو كان ممنوعاً علينا مقاربتها أو التداول فيها بحرية وجدية وانفتاح للتوصل إلى توافق بشأنها. انه الحوار الذي يضعنا على المسار الصحيح نحو بناء الدولة التي تحمي المواطن في يومه وغده وتحقق له إدارة صالحة لشأنه العام. غير أن النجاح في إحراز التقدم على هذا المسار سيتطلب منا جهداً وتضحيات وارتفاعاً إلى مستوى التحديات والمسؤوليات التي تقتضيها المسائل المطروحة والظروف الدقيقة والتاريخية التي يمر بها لبنان. انه الحوار الذي بنجاحه نتمكن من الإسهام في صنع حياة ومستقبل أفضل للبناني الذي عانى الكثير على مدى العقود الماضية.
إن جميع اللبنانيين ويشاركهم في ذلك كثيرون في الوطن العربي والعالَم من الأشقّاء والأصدقاء، يتطلعون إلينا اليوم بأملٍ، كما تطلعوا إلينا بإعجابٍ في 14 آذار والثامن من آذار من العام الماضي، وكذلك قبل عدة أسابيع في 14 شباط الماضي. وها نحن اليوم وما نقوم به هو خطوة على الطريق الذي يجعلنا كلبنانيين نستحق هذا الوطن العظيم. وعلى ذلك فإن التحديات التي تواجهنا اليوم يجب ان تزيدنا تمسكاً بعدالة قضيتنا في لبنان في التوحد والحرية والاستقلال والسيادة وكذلك بأهمية إنتماءنا الذي يجب أن لا ينفصم مع محيطنا العربي وبدفاعنا عن قضاياه المحقة.
بالحوار الجاري ينفتحُ بعضُنا على بعضٍ في هذه الصيغة الرائعة والفريدة للعيش المشترك، والتي سمّاها قداسة البابا السابق رسالة، وهي رسالةٌ فعلاً نحن اللبنانيون مؤتمنون عليها، ولا شكّ في تصميمنا على النجاح، من اجل شعبنا ووطننا، ومن اجل الأمل الإنساني.
هناك فرصة حقيقية لنهوض لبنان على غير صعيد لكي يثبت اللبنانيون بأنهم قادرون على إدارة شأنهم العام بأنفسهم. ويترتب علينا ألاّ نضيِّع هذه الفرصة وأن لا نسمح للتجاذبات السياسية بهدر هذه الفرصة كما أضعنا فرصاً كثيرة غيرها. إن اتفاقنا على جملة هذه المسائل الوطنية أو حتى على معظمها وكذلك على جملة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية هو أيضاً المقدمة للإفادة من دعم أشقائنا والعالم لنا. وعلى هذا الأساس سوف نعمل، مهما كانت الصعوبات وسننجح بإذن الله.
إننا نحملُ رؤيةَ ومشروعَ العروبة الديمقراطية ونُريدُ من وراءِ هذا المشروعِ حلَّ مُشكلاتِنا من جهة، وكشفَ آفاقٍ أُخرى لحركة التحرر والتقدم في وطنِنا الكبير بآمال وطموح وتطلعات اللبنانيين وجهدهم الكبير ايضاً وبانتمائه إلى وطنِنا العربي الكبير. نُريدُ أن يشعُر إنسانُنا وأبناؤنا والأجيالُ القادمة أنهم أصحاب رؤيةٍ ورسالةٍ. يريد اللبنانيون أن يشعروا أنهم قادرون على المشاركة في عالَم العصر، وقادرون على التأثير فيه، وقادرون بكم، وبسائر فئات المجتمع اللبناني، على الانتصار للعُمران والحضارة، على كلّ وقائع وأطياف الاستهانةِ والهوانِ واليأس والاستكانة أو العَبَث. لا نقبلُ التطلعَ إلى الوراء إلا للاتعاظ من الدروس المستفادة، لكننا لا نقبلُ أيضاً الجمودَ والمراوحة. وسنتقدمُ بكم وبسائر اللبنانيين، لاستكمالِ التطوير والإعمار، والوصولِ إلى الوِفاق والازدهار.
أيها المهندسون،
إنّ اختيارَكُمُ الاجتماعَ في بيروت، من أجل العُمران، ومن أجل التنمية، ومن أجل البيئات الحَضَرية، شهادةٌ للبنان، وشهادةٌ لبيروت، وشهادةٌ لوعي المهندسين واستنارتِهِمْ واستشْرافِهِمُ المستقبلي.
أهلاً بكم جميعاً، وأتمنى لمؤتمركم النجاح.
السراي الكبير
الأربعاء في 8 آذار 2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
