كلمة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة أمام وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي

سيداتي سادتي،
إنه لمن دواعي سروري أن أكون معكم اليوم وأشاطر هذا الجمع المميز بعضا من أفكارنا وانشغالاتنا في لبنان والمنطقة. إن هذا اللقاء يترافق مع تطورات أساسية في بلادي وخلال فترة مهمة من العلاقات اللبنانية الأوروبية. فلقد طالب اللبنانيون على مدى عام مضى بالتغيير ورفعوا الصوت عاليا ومن دون لبس بحقهم في الاستقلال والحرية والسيادة. طاقات كثيرة ولاسيما من الشباب جندت لهذه الغاية، في سابقة لم يشهد لها مثيل. اليوم يتطلع أولئك الناس إلى رؤية بلادهم تتقدم على طريق تعزيز ما تم إنجازه على اثر الاغتيال المروع للرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولاسيما بعد تحقيق الانسحاب السوري من لبنان وتشكيل حكومة جديدة بتفويض قوي من مجلس نواب تم انتخابه ديمقراطيا. وحيث يتطلع أولئك الناس في لبنان إلى مستقبل زاهر وديمقراطي يقوم على حكم القانون وان تصميمهم هذا لم تزعزعه سلسلة الاغتيالات والتفجيرات التي شهدها لبنان خلال السنة الماضية والتي هدفت أساسا إلى ترويع اللبنانيين. وبعد ثلاثة عقود من الصراع الداخلي والاحتلال الإسرائيلي وما أصبح وجودا وتدخلا سوريا شديد الوطأة، يشرع لبنان الآن في ولوج المهمة الصعبة لإعادة بناء وتعزيز التزامه بالديمقراطية ثقافة ومؤسسات، وهو يعمد حاليا إلى وضع صياغة قانون انتخاب عصري جديد والذي هو عمل أساسي لوضع الركائز القوية لحياة سياسية ديناميكية وديمقراطية. وفي هذا الصدد فإننا عازمون على إعادة بناء الدولة القوية والقادرة لتواكب حركة المجتمع اللبناني في التأقلم مع التغييرات ومتطلبات المستقبل.
إننا ما من شك أمام تحد أساسي لكننا أنجزنا حتى الآن خطوات كبيرة. وفي الوقت نفسه، تجري بلورة توافق وطني حول المواضيع السياسية الوطنية الأساسية. وان المبادرة إلى إجراء حوار وطني مستند إلى إرادة محلية ومن دون تدخل خارجي تعد سابقة في تاريخ لبنان. وقد اكتسبت مواقف حكومتنا الدعم من كل القوى على تنوعها الطائفي والسياسي.
ولقد نجح الحوار الذي لم ينته بعد، في التوصل إلى توافق على عدد من الأمور المهمة هي:
- التوافق على السير قدما في متابعة العملية القضائية الدولية المتصلة بالتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
- إعادة بناء العلاقات اللبنانية- السورية على قاعدة عدم التدخل والاحترام المتبادل وفي اتجاه إرساء علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين.
- تحديد الحدود بين لبنان وسوريا في منطقة مزارع شبعا، على أن يعهد إلى الحكومة في مواصلة كل ما هو مطلوب في هذا المجال وفق ما تقتضيه الأمم المتحدة، وذلك لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لتلك الأراضي اللبنانية.
- معالجة مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان من خلال الحوار وبعيدا عن التصادم، وذلك على قاعدة تأكيد حصرية سلطة الدولة على كل أراضيها. وسوف يعالج موضوع السلاح الفلسطيني كجزء من مقاربة شاملة لمسألة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان التي تتضمن خطوات لتحسين ظروفهم الإنسانية والاجتماعية التي تبقى من ضمن مسؤولية المجتمع الدولي من خلال التزامات وكالة (الاونروا).
وسوف يستأنف الحوار الوطني في الأيام المقبلة ليعالج مسألتين مهمتين متبقيتين: الأولى تتعلق بإيجاد حل لمشكلة التمديد لرئيس الجمهورية. إن لبنان يستحق بالفعل رئيسا رؤيويا قادرا على النظر إلى المستقبل، ويكون منتخبا بحرية ووفق الدستور ليرافق ويساعد في توجيه هذه الحقبة التاريخية للتغيير والإصلاح في لبنان ويحافظ على الوحدة الوطنية.
المسألة الثانيةتتعلق بالتوصل إلى توافق وطني حول دور سلاح المقاومة اللبنانية، وذلك في إطار بلورة إستراتيجية دفاعية للبنان تضمن الدولة من خلالها السلام والاستقرار على كل أراضيها. طبعا، هاتان مسألتان صعبتان، لكن الطريقة البناءة التي يتناول بها الأفرقاء موضوع الحوار تدفعنا إلى التفاؤل بإمكان التوصل إلى حلول معقولة وممكنة.
لقد رافق الاتحاد الأوروبي هذه العملية الإصلاحية في لبنان خلال العام المنصرم، وإن دعمكم يبقى أساسيا، ونحن نسعى إلى تمكين نظامنا الديمقراطي والى تقدم اقتصادنا حتى نستطيع التصدي لمواجهة آثار التوترات الإقليمية والتدخلات الخارجية. لقد احتفلنا في شهر تشرين الثاني الماضي بمرور عشر سنوات على بدء مسار برشلونة، ولا يزال لبنان ملتزما مبادئه الداعية إلى إحلال الرخاء الاقتصادي والسلام والتفاعل الثقافي في منطقتنا. وسوف يعقد في اللوكسمبورغ مجلس الشراكة الأول بين لبنان والاتحاد الأوروبي في 11 نيسان المقبل بعد أن يكون اتفاق الشراكة بيننا قد دخل حيز التنفيذ. وإننا ماضون كذلك في الإعداد للجولة الأولى من المفاوضات حول خطة العمل لسياسة الجوار اللبنانية- الأوروبية والتي ستبدأ في السادس من نيسان المقبل.
إن حكومتنا تؤمن بأهمية إسهامات مهمة سياسة الجوار في برنامجها الإصلاحي. وإننا نشاطر مبدأ تبني الناس ومشاركتهم في الإصلاح والتنمية التي تدعو إليها سياسة الجوار. لقد أحرزت الحكومة تقدما كبيرا على طريق تطوير أجندة الإصلاح الاقتصادي والتي تسير في موازاة الإصلاحات الاجتماعية والإدارية والسياسية. إن برنامج الإصلاح الاقتصادي سيكون نتيجة نقاشات ومساهمات من مختلف الشركاء المحليين، كما أنه سيكون ثمرة التعاون الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية. ويهدف هذا البرنامج إلى تحقيق الآتي: أولا: تحرير الاقتصاد اللبناني وتنميته وتعزيز نموه وإيجاد فرص العمل بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويساهم في إيصال الاقتصاد اللبناني إلى تحقيق إمكاناته وقدراته التي لم يبلغها في السابق بسبب سوء الإدارة والمعوقات السياسية التي كانت تعترض عددا من القطاعات المهمة. ثانيا: التخفيف من عبء خدمة الدين العام الذي تراكم عبر السنين، وذلك من خلال دعم دولي يضاف إلى الجهد والمساهمة المحليين. إننا في صدد الدعوة إلى مؤتمر بيروت لدعم لبنان خلال الأشهر القليلة المقبلة، ونأمل أن يدعمنا الاتحاد الأوروبي بما يتلاءم وخطتنا الإصلاحية الطموحة. إن نجاح لبنان في مسيرته نحو الحرية والاستقرار والديمقراطية والازدهار الاقتصادي سيكون انتصارا للاعتدال على التطرف وانتصارا للتسامح على التعصب والكراهية وانتصارا للحوار على التصادم وانتصارا للانفتاح على التقوقع والانعزال.
إننا باختصار لا نريد أن تستسلم منطقتنا العربية لقوى التطرف واليأس. لقد شهدنا خلال الأسابيع المنصرمة حدثين مؤسفين يذكراننا بأهمية قيام حوار صادق وبناء ولاسيما بين الاتحاد الأوروبي والعالم العربي والإسلامي. الحدث الأول- والمستنكر في أجزاء منه- هو كشف كمية الإحباط والإذلال التي يشعر بها العرب والمسلمون. عنيت التظاهرات الغاضبة المستنكرة لرسوم النبي محمد. أما الحدث الثاني فتمثل بالهجوم الإسرائيلي على سجن أريحا بعد الانسحاب غير المتوقع للمراقبين الأميركيين والبريطانيين. إن أحداث أريحا تأتي لتضيف المزيد من الإذلال المستمر للشعب الفلسطيني والذي يتعرض له العالمان العربي والإسلامي والذي يشكل من دون شك مصدرا أساسيا للتطرف والعنف. إنه من المهم أن نعالج الأسباب الكامنة وراء المشكلة بدل التعامل مع أعراضها ونتائجها.
إننا لا نزال في لبنان نؤمن بأن مبادرة السلام العربية التي أطلقها ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز ونلتزمها والتي تبنتها بالإجماع القمة العربية في بيروت عام 2002، تشكل أرضية حقيقية لسلام دائم في منطقتنا. وإننا على يقين أن الحلول العسكرية والتفوق العسكري لن يوصل أحدا إلى السلام ولن يعطي أمنا حقيقيا لأي بلد من بلداننا بما في ذلك إسرائيل. إن اللبنانيين الذين خرجوا إلى شوارع بيروت في آذار 2005 والذين اجتمعوا مجددا في 14 شباط من هذا العام حملوا رسالة واحدة: نريد التغيير، نريد أن نكون فاعلين في إحداث التغيير من خلال الوسائل الديمقراطية والسلمية.
إن لبنان كان ولا يزال منارة للتسامح والاعتدال، وهو يستطيع أن يؤدي دورا أساسيا في حوار وشراكة مفيدين بين المنطقة العربية وأوروبا. نحن نعلم أن جل ما يحتاج إليه التطرف واليأس لينتصرا هو أن ينكفئ خيرة الرجال والنساء عن العمل والإقدام. إن مسؤولية التغيير تقع على عاتقنا جميعا وخصوصا على تحديدا من يتبوأ مناصب مسؤولة. إننا في لبنان مستعدون للقيام بدورنا إيمانا منا بأن الفرص أمامنا أكبر من التحديات. نريد أن نعمل معا ليكون جوارنا هذا جوارا مسالما مزدهرا وليصبح مساحة أفضل للتعاون والتفاعل الايجابي لنا جميعا وللأجيال القادمة.
بروكسل في 20/3/2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
