كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة بمناسبة دخول اتفاقية الشراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ

-A A +A
Print Friendly and PDF

أصحاب المعالي، أصحاب السعادة،

أيها الحضور الكريم،

 

يسعدني حضوري بينكم هذا الصباح للاحتفال معاً بدخول اتفاقية الشراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، فهذه المناسبة تشكل خطوة إضافية على طريق نمو الشراكة بين لبنان وأوروبا على مختلف الأصعدة السياسية والثقافية والاقتصادية والتجارية.

 

بالفعل إن العلاقات بين لبنان وأوروبا تعود إلى زمن بعيد جداً. فوفقاً للأسطورة السائدة، أطلق الفينيقيون اسم الآلهة الفينيقية أوروبا على القارة الأوروبية كما اضطلعوا، منذ ثلاث ألف سنة، بدور أساسي في نشر التجارة وغرس بذور الثقافة على شواطئ البحر المتوسط. شهدت الأمور منذ ذاك تقلبات شتى، إلا أن سكان الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط استمروا بأشكال عدة على نفس المنوال. فلطالما كان اللبنانيون مستعدين للالتفات نحو آفاق جديدة وتواقين لبناء جسور ثقافية والتأسيس لشراكات جديدة. وها نحن اليوم نحتفل بالشراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي التي تأسست على قيم مشتركة كالديمقراطية والحريات الفردية واحترام التعددية الثقافية والتي تهدف إلى تأمين الازدهار الاقتصادي لكل الأطراف.

 

أيها الحضور الكريم،

 

كما سبق وذكرت، اليوم نخطو خطوة إضافية على طريق تعزيز العلاقات مع أوروبا. ونذكر في هذا الإطار إننا احتفلنا في شهر تشرين الثاني الفائت بمرور عشر سنوات على إطلاق مسار برشلونة الذي يهدف إلى تعزيز الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والتفاعل الثقافي والذي ما زال لبنان ملتزماً بمبادئه.

 

أما في ما يتعلق بالخطوات المستقبلية، وفي ما تدخل اتفاقية الشراكة حيز التنفيذ، سيلتئم أول مجلس للشراكة بين الاتحاد الأوروبي ولبنان الممثل بمعالي وزير الشؤون الخارجية الأستاذ فوزي صلوخ في اللوكسبرغ في 11 نيسان الجاري. فالاتفاقية ستعمق العلاقات والتعاون بين الاتحاد الأوروبي ولبنان على جميع الأصعدة. إننا، إذ نتطلع إلى الفرص العديدة التي ستتيحها اتفاقية الشراكة خاصةً في الوقت الذي يمر فيه لبنان بمرحلة انتقالية أساسية وواعدة، نأمل في إطلاق الحوار مع الاتحاد الأوروبي حول عدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك بشكل سيتيح لنا الاستفادة من خبرة الاتحاد الأوروبي الغنية على المستويين السياسي والمؤسساتي.

 

كما أننا ملتزمون كلياً في التحضير لأول جولة من المفاوضات حول برنامج عمل لبنان في إطار سياسة الجوار، علماً أن المفاوضات ذات الصلة ستبدأ في 6 نيسان الجاري. في هذا السياق، سيترأس معالي وزير الاقتصاد الأستاذ سامي حداد الوفد اللبناني إلى بروكسل. وإننا على ثقة تامة أن سياسة الجوار ستساهم مساهمةً فاعلة في الإصلاحات التي ترمي، من بين أمور أخرى، إلى إعادة هيكلة دور الدولة ورفع معايير الحكم وتعزيز حكم القانون والتشديد على دور القطاع الخاص في الاقتصاد وتعزيز الفاعلية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. ويتم حالياً العمل على إنشاء لجنة خاصة بسياسة الجوار لإدارة عملية تطبيق برنامج العمل في عدد من المجالات، بما فيها تقارب التشريعات، والتنسيق مع الاتحاد الأوروبي في المسائل ذات الاهتمام المشترك، وتسيل ولوج السوق الأوروبية. وستضم هذه اللجنة ممثلين عن الوزارات المعنية إضافة إلى ممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني. إننا نرى التزام لبنان بسياسة الجوار التزاماً لكل شرائح الوطن لا يقتصر على الدوائر الحكومية أو على حفنة من المعنيين.

 

أيها الحضور الكريم،

 

يأتي حدث اليوم في مرحلة أساسية من تاريخ لبنان. فالشعب اللبناني يناضل منذ سنة لإعادة إحياء نظام سياسي ديمقراطي فاعل وبناء مؤسسات وطنية تستطيع تأمين مستقبل يسوده السلام والاستقرار والازدهار وأكثر ازدهاراً للبلد، مؤسسات عامة قادرة وفاعلة تؤمن السلام والأمن لكافة المواطنين والمقيمين في لبنان. نواجه في هذا السياق العديد من المخاطر والتحديات، بعضها داخلي وبعضها الآخر خارجي. لقد حصلنا، في هذه المرحلة الحساسة، على دعم الاتحاد الأوروبي على مستويات عديدة بما في ذلك في منظمة الأمم المتحدة حيث ارتدى دعم مجلس الأمن أهميةً قصوى ولقي جزيل تقديرنا. كما نأمل أن يلقى لبنان دعم الاتحاد الأوروبي خاصةً في ما يتعلق ببرنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي سيقدم في مؤتمر الدول المانحة، علماً أن المؤتمر سيعقد في بيروت فور التوصل إلى اتفاق واسع النطاق لبنانياً على بنوده.

 

أيها الحضور الكريم،

 

قمت منذ أسبوعين بزيارة إلى بروكسل لإلقاء كلمة أمام مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حيث أتيحت لي فرصة التشديد أمام أصدقائنا الأوروبيين على أهمية لبنان كمثال يحتذى في التسامح والتعايش والاعتدال في المنطقة ككل. لطالما ظهر التباين بين مساحة لبنان الصغيرة وحجم تأثيره الكبير على دول العالم العربي الأخرى. فلنجاح لبنان وقع ايجابي يتخطى حدوده.

 

أيها الحضور الكريم،

 

إننا على يقين تام أن حدود العالم تقلصت ولا يمكن لأحد أن يزعم انه معزول عن العالم ولأي بلد أن يعتبر نفسه بمنأى عن التطورات خارج حدوده. نحن، في لبنان، لطالما تأثرنا، إيجاباً أو سلباً، بالتطورات الإقليمية. كما أن أوروبا أقرت بشكل متزايد أن مصالحها مرتبطة بالسلام والاستقرار والازدهار في العالمين العربي والإسلامي. فسياسة الجوار تعكس هذا الإقرار لا بل هي نتيجة مشعة له.

 

كما أن جوهر سياسة الجوار ينص على اضطلاع الاتحاد الأوروبي بدور طليعي في دعم السلام والعدالة بين شعوب المنطقة. وما النزاع العربي الإسرائيلي ومعاناة الشعب الفلسطيني إلا مثال صارخ لانعدام العدالة الدولية التي ذكت لعقود نيران التطرف والظلم. وإننا نرى أن الاتحاد الأوروبي قادر لا بل عليه التدخل أكثر من ذي قبل لوضع حد لهذا النزف المستمر.

 

أيها الحضور الكريم،

 

اسمحوا لي أن احيي كل الذين عملوا بجهد للوصول بنا إلى المرحلة التي بلغناها اليوم. وارغب بالتوجه بتحية تقدير خاصة إلى مهندس اتفاقية الشراكة هذه دولة الرئيس رفيق الحريري، رحمه الله، الذي استطاع، بتطلعاته والتزاماته بالعلاقات اللبنانية الأوروبية، أن يطور الروابط بين لبنان وأوروبا ونجح في تعميقها وتوسيع افقها لتشمل فئات المجتمع اللبناني كافةً. وهذا ليس بالخطوة البسيطة نظراً للصورة التي عرفت عن أوروبا خلال العصور السابقة كطرف في التباينات اللبنانية إلا أن الوضع تبدل اليوم. فأوروبا اليوم صديق وشريك لكل لبنان.

 

كما أود توجيه تحية خاصة لروح باسل فليحان الذي عمل بجهد وإيمان لترجمة رؤية دولة الرئيس رفيق الحريري.

 

أصحاب المعالي، أصحاب السعادة،

 

اسمحوا لي أن اختم كلمتي بالتأكيد أن حكومتي لن تألو جهداً لتأمين النجاح في تطبيق الاتفاقية. كما نتطلع إلى تطبيق خطوات إضافية تساهم في تعزيز الشراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي.

 

شكراً.

 

السراي الكبير

الاثنين في 3 نيسان 2006

 

                                   رئيـس مجلـس الـوزراء

                                   فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
03/04/2006