كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في الملتقي العربي الثالث للتربية والتعليم تحت عنوان: "التعليم والتنمية المستدامة في الوطن العربي"

-A A +A
Print Friendly and PDF

صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل

أمير عسير ورئيس مؤسسة الفكر العربي

 

أيها الأساتذة الأفاضل،

أيها الحفل الكريم،

 

مرةً أُخرى نأتي إلى رحاب مؤسسة الفكر العربي الزاهرة، مدفوعين لذلك بالفكرة التي قامت عليها، وبالتحدي الذي تُقْدِمُ عليه بالتصدي للمسائل الرئيسية في حاضر العرب ومستقبلِهِمْ.

 

لقد قامت فكرتُها على جمع فئات الأمة من حول قضاياها المصيرية، بحيث يُقْدِرُ بعضُها بعضاً، ويَحْفِزُ بعضُها بعضاً لإنجاز ما نحن بصددِهِ من إصلاحٍ وتغييرٍ وتنمية. وَلا طريقةَ للتصدّي الناجح لعمليات التغيير إلاّ بحشد الطاقات، وأولُ مبادىء ذلك تشخيصُ المشكلات توخّياً للمقاربةِ والمعالجة.

     

إننا نُواجهُ ثلاث مُشكلاتٍ رئيسية: المشكلة المتعلقة بإدارة الشأن العامّ، والمشكلة المتعلقة بإدارة الموارد وتطويرها من أجل النمو، والمشكلة الثالثة هي المتعلقة برؤية العالَم والعلاقة به، وطرائق المشاركة فيه. ولا شكَّ أنَّ الشرط الضروريَّ للتصدّي لتلك المشكلات بالمعالجة عمادُهُ حَشْدُ طاقات الأمة، بكافة فئاتها، وبخاصةٍ: رجالاتُ الفكر والعلم والثقافة والتعليم، وأربابُ النجاح والريادة في عالَم المال والأعمال، والعاملون في الشأن العامّ السياسي.

 

هذا ما قامتْ عليه مؤسسة الفكر العربي وتقوم، في مؤتمراتِها ونشَراتها. وهي لذلك تحشد طاقات سائر الفئات لمواجهة المشكلات الثلاث التي تحدثْنا عنها.

 

أيها الأصدقاء،

 

ما كان شعارُ المؤتمر السنويّ الأخير لمؤسسة الفكر العربي في المغرب: "ثقافة التغيير، تغيير الثقافة"، مصادفةً. فقد صار جلياً لكل المهتمين بالشأن العامّ العربي، ومنذ أكثر من عَقدين، أنّ المُعاناةَ كبيرةٌ في إدارة الشأن العامّ، وفي السير الحثيث في اتجاه التنمية المستدامة، وفي تطوير وسائل الخروج من التبعية والاستتباع. والتغييرُ الثقافيُّ والسياسيُّ والاقتصاديُّ هو المِنهاج الذي ينبغي أن يدخُلَ فيه العربُ جميعاً، بمقاصدَ إصلاحيةٍ، أي أن تكون متلائمةٍ مع الأهداف، ومتلائمةٍ مع العالَم من حولنا. وهذا ما نحاولُ القيامَ به في لبنان بعد أكثر من ثلاثين عاماً من المآسي والدمار والمُراوحة والانقسامات الداخلية والاقتتال، والاحتلال والاجتياحات الإسرائيلية، وإدارة الغير للشأن اللبناني. لقد فوَّتْنا فُرَصاً كثيرةً لولوج مسيرة الإصلاح الحقيقي والهيكلي تارةً بسبب الانقسام كما سبق القول، وطوراً بسبب استلاب القرار، وفي كلّ الأحوال والأطوار أيضاً بسبب نقص الوعي، وبالتالي ضآلة الإرادة من وراءِ الأهداف التي كنا نُعلنُ دوماً عن صحتها وضرورتها.

 

إنّ موضوعَ مؤتمرِكم هذا هو دور التعليم في التنمية المستدامة. وهو من أخطَرُ الموضوعات على الساحة العربية، وفي العالَم المعاصر. وقد وضعتُه في مطلعِ كلمتي ضمن مشكلات العناية بالموارد الإنسانية وتطويرِها وتلاؤمها من أجل النمو. وقد أشارت التقارير الثلاثةُ للتنمية الإنسانية في الوطن العربي إلى القصور في بلدانِنا العربية في هذا المجال. والقصورُ والتقصيرُ يتناول القُدُراتِ والإمكانياتِ وطرائقَ استخدامها. كما تتناولُ تلك التقارير ضآلة التزام الإدارات الرسمية بالتغيير والتطوير، وغياب التوجُّهات الأساسية تُجاه المعارف الحديثة والنظرة إلى العالَم المُعاصر بما في ذلك عدم التركيز الكافي على نوعية التعليم وتلاؤم مكوناته ووسائله مع التحولات العلمية والاجتماعية وكذلك أيضاً مع التطورات الجارية في أسواق العمل وحاجاتها. وتتناولُ أخيراً المسائل المتعلقةَ بديمقراطية التعليم وتكافؤ الفُرَص. وواضحٌ من هذه العناوين أنّ المسألةَ التعليمية مُرتبطةٌ أيضاً بالإدارة السياسية، وإدارة الشأن العامّ، وهي التي اعتبرناها أولى المشكلات التي يكونُ علينا التصدي لها بالمعالجة في عمليات التغيير والإصلاح من أجل النهوض. بيد أنّ الجانبَ الآخَرَ من المسألة يتعلَّقُ بحُسْن استغلال الموارد المُتاحة، وبكيفيات مراقبة النتائج ومُخْرَجات العملية التعليمية واستخلاص الدروس والعبر بهدف تحقيق التلاؤم المستمر.

 

أيها السيدات والسادة،

 

عندما نتحدث عن التغيير والإصلاح في لبنان، أو التغيير من أجل الإصلاح، ومن أجل الوصول إلى النموّ المستدام، نستطيع أن نتطلَّع إلى قطاع التربية والتعليم باعتبار أنّ للبنانَ ميزاتٍ تفاضُليةً فيه. فبسبب حريةِ التعليم ظهر تعليمٌ خاصٌّ راقٍ لبنانيٌّ وأجنبيٌّ منذ حوالَي القرن ونصف القرن، كما نشأ تعليمٌ جامعيٌّ حديثٌ منذ أكثر من قرن. وما يزالُ لبنانُ متقدماً في المجال العربي والمجال المشرقي لهذه الجهة، كما يعرفُ الإخوةُ والزملاءُ الحاضرون. بيد أنّ الوعْيَ الناجمَ عن أفضلية التعليم الخاصّ الطائفي والتجاري، وسوء استغلال الموارد المُتاحة من جانب الإدارة السياسية، تسبَّبَ في تفويت فُرَصٍ كثيرةٍ على لبنان حاولْنا استدراكَها بعد انتهاء النزاع الداخلي عام 1990، فحقّقْنا في المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية نجاحاتٍ لجهة التحديث والاستقطاب، لكنها لم تكن كلُّها بمستوى الحاجات، والنوعية المطلوبة وتوقعات الشباب وانتظاراتهم. إنّ هذا الوضع الذي نحن فيه أصبح يحتّم علينا كدولةٍ لبنانية من جهة، وعلى الإخوة العرب من جهات أخرى الوصول إلى سياسيات إستراتيجية تركّز على إنماء وتطوير القُدُرات البشرية في التعليم بشكل عام بلوغاً للتنمية المستدامة. هناك ذلك الخَلَلُ في العلاقة بين الإرادة السياسية، وإرادة التحديث والتطوير والنموّ. والذي أراهُ أنّ المشكلةَ ذاتَها موجودةٌ في عددٍ كبيرٍ من الدول العربية، رغم اختلاف الموارد والقُدُرات. فسياساتُ التعليم لا تتلاءم والأهدافَ التي يُرادُ تحقيقُها تارةً، أو أنّه ليس بين أولويات السياسات دَفْعَ العمليات التعليمية باتجاه الإسهام في التنمية المُستدامة. وفي ظل وضعٍ كهذا حاولْنا، كما حاولت دولٌ عربيةٌ أُخرى السير في أمرين بالتوازي: الإصلاح السياسي والإداري، وتشجيع قوى المجتمع المدني أو إزالة العقبات من وجهها للاندفاع في عمليات التطوير والنمو واقتصادات المعرفة.

 

أيها السادة، أيها الإخوة،

 

دأَب الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد العام 1996 على الحديث عن التنمية الشاملة بدلاً من الإنماء المتوازن حسْبما ورد في وثيقة الوفاق الوطني بالطائف. وأذكُرُ أنه استعمل هذا المصطَلَح للمرة الأولى في إحدى احتفالات إطلاق عمليات بناء الحَرَم الجديد للجامعة اللبنانية. والشعارُ الجديدُ لا يُناقِضُ الشعارَ الأولَ لكنه يكمّلُهُ ويُطوّرُهُ. فالتوازُن مرحلةٌ لا يمكنُ بلوغها إلاّ بالإنماء الشامل، وفي سائر القطاعات، وفي قطاع التعليم بالذات الذي يمكن من استعمال الموارد البشرية بالطريقة الأمثل لصنع التقدم وتحقيق النمو المستدام.

 

إنّ الذي أريد الوصولَ إليه هنا، ليس العودةَ للمسائل التقنية والإدارية والسياسية فقط والتي يتحدثُ عنها الجميع، والتي يجدُرُ القولُ إنها بالغةُ الأهمية. وقد أَوليناها العنايةَ التي تستحقُّها في برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وضعْناهُ في البيان الوزاري للحكومة الحاضرة، وفي الإعداد للبرنامج الإصلاحي الذي نعمل على إيجاد توافق عام بشأنه من خلال الحوار الوطني الجاد رجاء أن يؤدي ذلك إلى الوعي والإرادة الضروريين لحشد الطاقات والسير باتجاه تحقيق التقدم على صعيد تنفيذ ذلك البرنامج. وهذا كله يأتي متساوقاً مع جهد لدى أشقائنا العرب ومع الدول الصديقة في المجتمع الدولي توصلاً إلى عقد المؤتمر الدولي لدعم لبنان في أمد قريب بما يضع البلاد واقتصادها على مسار النمو المستدام والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي.

 

إنني أريد في هذا السياق توجيهَ النظر إلى أهمية التوجُّه الثقافي العامّ في بلوغ التنمية الشاملة. فالموارد وحُسْنُ استعمالها وإدارتها وتطويرها مهمةٌ جداً في التعليم المعاصر. بيد أنّ العاملَ الأهمَّ هو ما يمكنُ أن نُطلقَ عليه مصطلَح "رؤية العالَم"، أي كيف نرى إلى أنفسِنا ودورِنا في منطِقتِنا وفي المجال العالَمي، وماذا نستطيعُ أن ننتظر ونتوقَّع، وبالتالي، واستناداً إلى تلك الرؤية: كيف نعملُ لبلوغ ذلك. فالتنميةُ الشاملةُ توجُّهٌ عالميٌّ لا بد أن تتوافَرَ شروطُهُ في رؤية إنسانِنا ومجتمعاتِنا وأنظمتِنا للذات الفردية والجماعية، وللإسهام أو الإسهامات في حاضر العالَم ومستقبله. إنَّ المستَهدَفين في التنمية المستدامة من طريق التعليم هم الشباب، وما أُهْملتْ والحقُّ يقالُ العمليةُ التعليميةُ للشباب في الوطن العربي، بل إنَّ الملفَّ الذي لم يلْقَ الاهتمامَ الكافيَ هو الأفُقُ الثقافي للمسألة. فهناك وعيٌ قويٌ لدى فئاتٍ واسعةٍ من شبابِنا بأنَّ الحواجزَ أمامهم عاليةٌ، والأسوار لا يمكن تخطّيها. وهذه العوائقُ ليست محليةً فقط بسبب القلق بشأن الإدارة الرشيدة للموارد والإمكانيات المتاحة، بل هي أيضاً عالمية، أو أنَّ الوعيَ العالميَّ أو الدولي بالعرب وقُدُراتِهِمْ وعلائقهم المضطرِبة بالمجتمعات الحديثة وقيمِها هو الذي يتسبَّبُ في تضييق الفُرَص، بل وفي النَيل من ثقافةِ العرب، ودينِ العرب، وقيم العرب، وكرامتِهِمْ الإنسانية. والواقعُ أنّ للمسألة ثلاثة جوانب: جانب المعارف الحديثة والمعاصرة لجهة مَوَاطِنِها، ولجهة التمكن من اكتسابها، ولجهة القدرة على إعمالِها في حياة الشباب والمجتمعات. والجانبُ الثاني جانب المسائل القيمية والأخلاقية والدينية التي يرى الشبابُّ المتعلّمُ أنها تتصلُ بشخصيتهم وكرامتهم وإنسانيتهم ومدى تقبُّل البيئات العالمية لها، ومن جهةٍ أُخرى جانب الملاءمة الممكنة أو الضرورية لانطلاق الشخصية الإنسانية وقُدْرتها على الإنتاج والإبداع. والجانب الثالثُ هو الجانبُ السياسيُّ إذا صحَّ التعبير، أي مدى اعتبار الشباب أنَّ قضاياهم الوطنية والقومية ذات الأَولوية تلقى الاهتمامَ والتقبُّلَ أو التفكيرَ من جانب العالَم المعاصر على الأقلّ، بما يُكسبُها مشروعيةً ممكنةً أو معقولةً.

 

لقد انتشرت في العَقدين الأخيرين أفكارٌ وانطباعاتٌ ومشروعاتٌ حول صراع الحضارات أو بالأحرى ضآلة قُدرة الحضارة العربية والإسلامية على التلاؤم مع حضارات العالَم المعاصرة وقيمه. وفي الوقتِ نفسِه تعثّرت الحلولُ التي انعقدت عليها الآمالُ للمشكلات العربية المستعصية ومن ضمنِها أو على رأسها المشكلة الفلسطينية، وأُضيفت إليها قبل ثلاث سنواتٍ مشكلةُ الاحتلال الأميركي للعراق، وفي العقود الأخيرة ضعْفُ أَوزان العرب في المجال الدولي، وتراجُعُ قُدُراتهم على التأثير السياسي والاقتصادي. إنّ هذه الظواهرَ كلَّها تؤثّر في وعي الشباب، وتتحول إلى انطباعاتٍ ثابتةٍ في أذهان الناشئة في العَقد الثاني والثالث من أعمارهم. وهكذا تترسَّخُ الاعتقاداتُ القائلةُ بانسداد الأُفُق، بل وبعدم إفادة المعارف الحديثة في حلّ المشكلات حتى لو أُتيحت أو أُتيح الوصولُ إليها. وهذا الوعيُ يشكّلُ عاملاً سلبياً حاسِماً في عمليات التنمية الشاملة، فتُنسَبُ كلُّ الشرور إلى العولمة التي تنتهك ُ مصالحَ العربَ، وقِيَمَهُمْ، وتحول دون بروز قُدُراتِهِم وإبداعاتهم في العالم أو حتى في بلدانهم.

 

إنَّ الواقعَ أنّ كثيراً من هذه المسائل ذات الصيغة المعنوية صحيحٌ ولا يمكنُ إنكارُه. وإنما الاختلافُ حول طرائق الوعي به أو بها، وبالتالي طرائق التصدي والمعالجة. والأَمْرُ يبدأ بنا أو من عندِنا بالسير بجرأةٍ في الإصلاح والتغيير، من جهة، وفي الإصرار على المبادرة والمشاركة. لقد قلتُ مراراً إننا لا نريدُ أن نُخيفَ العالَم، ولا أن نخافَ منه. وإنّ الطريقةَ الوحيدةَ لمواجهة المشكلات تتمثل في المعرفة والإرادة. والمُضيُّ في الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي يُقْدِرُنا على المشاركة بالكفاءة والإبداع، بشرط الاقتناع بفكرة الاعتماد المتبادل، وبالرفض القاطع لأن نُستَغَلّ أو نستغِلّ. وقد نجحت تجاربُ تنمويةٌ من طريق التعليم والتدريب المتقدم في بلدان العالَم الثالث الأقلّ مواردَ منا، فلماذا لا تنجحُ عندنا؟!

 

إنّ علينا العملَ بجدٍ وجدّيةٍ على تغيير الوعي في أَوساطِنا بما يدفعُ للتلاؤمُ ويزيدُ من قُدرتنا على إقناع العالَم بعدالة قضايانا، وبأنه لا عداوةَ مقترضةً أو قائمة مع العالَم والقيم الإنسانية الكبرى فيه.

 

 

حقاً انه لا سبيلَ في النهاية لإسقاط فَرَضيات الصراع الحضاري، والتخلُّف الثقافي، إلاّ بالنجاح، وهو نجاحٌ يعني القدرة على التلاؤم، وعلى حلّ المشكلات التي كان يبدو أنها مستعصية، إنما بطرائقَ جديدةٍ، وليس بتكرار عمليات وأساليب الفَشَل والتفشيل.

 

سموَّ الأمير، أيها السادة، أيها الإخوة،

 

إنّ الهدفَ الذي يضج في ضمائر شبابنا ومواطنينا هو في تحقيقُ التنمية الشاملة أو النمو المستدام، ولقد اخترتم لاختبار ذلك قطاعاً مهماً جداً هو قطاع التعليم وأنتم ولا شك سوف تضعون مشاكل الأمية والتسرب المدرسي وتلاؤم نوعية التعليم وطرائقه مع حاجات اقتصاداتنا ومجتمعاتنا في صلب اهتمامكم توصلاً إلى إصلاح المنظومة التربوية بشكل شامل. إنني أرجو لمؤتمرِكم الطَموح النجاح، كما نجحت مؤسسة الفكر العربي في ريادةِ عملية التغيير الثقافي، والنهوض الثقافي وأنا على ثقة أنكم بجهودكم وإصراركم سوف تسلكون طريق النجاح وسننجح بإذن الله.

والسلام عليكم.

 

فندق فينيسيا- بيروت

الاثنين في 24 نيسان 2006

                                         رئيـس مجلـس الـوزراء

                                         فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
24/04/2006