كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في حفل إطلاق برنامج سياسة العلم والتكنولوجيا

سعادة المدير العام لليونيسكو،
أيها الإخوةُ والزملاء،
أيها الحضور الكرام،
لقد أردتُ من وراءِ إطلاق برنامج سياسة العلم والتكنولوجيا والإبداع في لبنان من رئاسة الحكومة بالسراي الكبير، وفي حضور المدير العام لليونسكو وهذا الجمع من الأساتذة اللبنانيين والمهتمين في هذه الشؤون، التأكيدَ على الأهمية الفائقة التي تُوليها الحكومةُ للسياسة العلمية والتكنولوجية التي توصَّلَ إليها المجلس الوطني للبحوث العلمية، بالتعاوُن مع منظمة اليونيسكو، وبخاصةٍ بعد توسيع مهامّه، بحيث أصبح معنياً أيضاً ببحوث العلوم الأساسية والهندسية وعلوم الحياة والإنسان والمجتمع.
لقد كنتُ أرى دائماً أننا مقصّرون في مجالات البحث العلمي، والتي تتصل بدعم بحوث طلاّب الأطروحات في لبنانَ والخارج، وتتصل بإجراء مسوحات وبحوث في شتى المجالات العلمية المختلفة، وتتصل بالدراسات المتعلقة بمشكلات البيئة والصناعة والزراعة والطاقة والغذاء وتكنولوجيا المعلومات والصحة بلبنان، وتتصل أخيراً بدراسات في الاقتصاد والسوق واحتياجاته وغيرها من الأمور التي تهم حياة المواطنين، وتسعى إلى التلاؤم مع الأجواء المعرفية العالمية المعاصرة. وقد كان هذا القصورُ عائداً بالدرجة الأولى لعدم وجود وعيٍ استراتيجيٍ بعيد المدى، وعدم وجود إطار أو خطة تشجع على ذلك وأخيراً عدم توفير الموارد الكافية للقيام بهذه المهامّ كلّها على الوجه الملائم والمرجوّ.
إنّ ما نحن بصدده الآن هو الإعلان عن توافُر سياسة وطنية لبحوث العلم والتكنولوجيا للمرة الأولى. وهذا أمرٌ ممتازٌ، يستحقُّ الإشادة، ويستحقُّ المجلس الوطني للبحوث العلمية التهنئةَ من أجله. إنه يكونُ علينا الآن العملُ على تأمين الموارد البشرية والمادية الكافية للسير قدماً في السياسة الجديدة، والعملُ من جهةٍ أُخرى على بناء الشراكة التي تتحدث عنها تلك الخطةُ أو السياسة من أجل الدعم والمساعدة وفتح الآفاق، وإجراء التعديلات المُعينة على التلاؤم والتأهُّل والنجاح في ذلك. لقد تلقينا منذ مطلع التسعينات وجوهَ دعمٍ متعددةٍ من المؤسسات العربية والأوروبية والدولية، في صورة مِنَحٍ للطلاب أو برامج إعانة، أو شراكات محدودة في مجالاتٍ معينة. ويتوقفُ على علمائنا وأساتذتنا وطلابنا تطويرُ ذلك والإفادةُ به ومنه، والتقدم باقتراحاتٍ وأفكار لفتح مجالاتٍ جديدةٍ، ولاستعمالِ سُبُلٍ كفيلةٍ بزيادة العون والتعاوُن. وسنحرص على توجيه الوزارات والجهات المختصة للتعاوُن مع المجلس الوطني في الأفكار والعمل لإنفاذ وتطوير هذا الجانب من السياسة وهو أمرٌ شديدُ الأهمية، لأنه يصِلُنا بالعالَم المعرفي الحديث والمعاصر، وجوانبِه العلمية والتكنولوجية ويشجع طلابنا ودارسينا وباحثينا على البحث والإبداع وتحقيق المزيد من التلاؤم مع ثقافة العالم وحضارته وتقدمه وحاجات مجتمعاتنا العربية.
بيد أنّ الجانبَ الآخَرَ الذي ينبغي الحرصُ على استنهاضِه لمساوقة السياسة الجديدة والمشاركة فيها يتعلّقُ بالساحة العلمية والثقافية بلبنان، وأعني بذلك الجامعةَ اللبنانية، والجامعات والمعاهد الخاصة الأُخرى. فهناك حتى الآن تعاوُنٌ ومشاركةٌ من جانب الجامعة اللبنانية، وهذا الأمر ينبغي السيرُ فيه وتطويرُهُ بحيث تصبحُ الجامعةُ الوطنية طرفاً رئيسياً في إنفاذ السياسة العلمية الوطنية، لأنها المؤسسةُ العلميةُ الوطنيةُ البارزةُ والمعنيةُ أكثرُ من غيرها بالمسألة منطلقاتٍ وآثاراً ونتائج. لكنْ في لبنان أيضاً جامعاتٌ ومؤسساتٌ علميةٌ خاصةٌ راقيةٌ، عندها خِطَطٌ متواضعةٌ للبحث العلمي. ويكون على المجلس الوطني بتوجهاته الجديدة أن يدفَعَ باتجاه استحثاث تلك المؤسسات التعليمية للمشاركة في الاهتمامات، والمشاركة في البحوث بما يتعدى دعمَ بحوث الطلاب، للإسهام في النهوض الوطني العلمي العامّ.
أمّا الجانبُ الآخَرُ فهو المتعلّقُ بمشاركة قِطاعات البنوك والأعمال والشركات وقطاعات الإنتاج والخدمات. فالذي أراهُ أنّ هذه القطاعات ما أسهمتْ بما فيه الكفاية في المجالات المتصلة باهتماماتها، ولا توافرت لديها برامجُ تدريبية للشباب اللبناني في مجالات البحوث وإدخال التكنولوجيا، إمّا لأنّ ذلك لا يجلبُ أرباحاً في المدى القصير، أو لعدم الثقة بإمكانيات العلميين اللبنانيين وقُدُراتهم. ويتطلبُ الأمر هنا ممارساتٍ أخرى، يستطيع المجلس الوطنيُّ الإيصالَ إليها من طريق الإعلان والاتصال لعرض موارده البشرية والعلمية وقُدُرات الشباب وإمكانياتِهم. وقد يحتاجُ الأمر إلى وُرَش عملٍ بين المجلس الوطني وتلك القطاعات، للتوصل إلى التعاوُن المرجوّ في مجالاتٍ متعدّدة، يعتبر المجلس نفسَه معنياً بها مادامت الأرضيةُ القانونيةُ قد صارت متوافرةً له، وزالت الحواجزُ التي كانت قائمةً في السابق.
أيها السادة، أيها الإخوة،
نتحدث جميعاً عن احتياجات السوق، وضرورات التلاؤم معها. لكنّ الأمر ظلَّ موكولاً إلى المؤسسات الخاصة وقطاعات الأعمال، وتقديراتها الخاصّة للاحتياجات. وما نحتاجُ إليه المبادرات من جانب جهات المجتمع المدني والعلمي اللبناني. فهناك مجالاتٌ كثيرةٌ ليست فيها جمعياتٌ علميةٌ أو أنّ تلك الجمعيات شكلية وضعيفة أو غير ناشطة. والأسواقُ العربية والدوليةُ مزدهرةٌ الآن، واللبنانيون يتوافدون عليها بالأُلوف ويجدونَ فيها فُرَصَ العمل. بيد أنّ هؤلاء الشباب يحتاجون للدعم الرسمي، إلى البيئات المدنية والعلمية المناسِبة والتي تُطلقُها المبادرات الخاصّة والمدنية، لاستحداث نهوضٍ علميٍ كبير يحوّل لبنانَ إلى بيئةٍ معاصرةٍ ناميةٍ ومزدهرةٍ في سائر القطاعات. وللمجلس الوطني، هذه المؤسسة الوطنية الكبرى والبارزة بحَول الله، دورٌ مشجّعٌ وراعٍ يمكنُهُ القيامُ به، لهذه الجهة أيضاً.
أيتها السيدات، أيها السادة،
جاء في القرآن الكريم قولُهُ تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكّرُ أولو الألباب". وللإمام علي كرّم الله وجهُهُ كلمةٌ لافتةٌ هي: "قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنُ". لا بد من إعادة الاعتبار للكفاءة والتميُّز والعطاء. لا بدّ أن يشعُرَ أبناؤنا الجادُّون والمتفوقون بالتقدير الكبير الذي يُكنُّه لهم مواطنوهم ووطنُهُم، وأن يحظّوا بالدعم والتشجيع لإنفاذ أفكارهم ومشروعاتهم. لستُ أدعو إلى التشبث بجميع المتميزين في لبنان، فالرحلةُ العلميةُ لها سِحْرُها ولها فائدتُها الكبرى. لكنّ الهجرة صارت لدينا نَزْفاً بشرياً وعلمياً، وبين أسباب ذلك عدمُ الاهتمام بالكفايات والتقدير لها. نعم، ينبغي أن تكونَ قيمةُ المرء ما يُحْسِنُه. وهذا ما سنحرصُ عليه بمساعدة كلّ اللبنانيين إن شاء الله على العودة لإفساح المجال من أمامهم للإسهام في استعادة إشراق لبنان وتعزيز إسهاماته في حضارة المنطقة والعالم.
إنّ لدى لبنان ميزاتٍ تفاضُليةٍ في المجالات البحثية والعلمية، ومجالات بحوث وتخصصات في مجالات علمية تطبيقية متعددة. وقد تعوقْنا طويلاً لأسبابٍ مختلفة، لكننا الآن على مشارف نهوضٍ حقيقيٍ في المجالات التكنولوجية، وفي مجالات البحوث التطبيقية. إنها فرصةٌ لا يجوزُ تفويتُها، ويكونُ علينا جميعاً انتهازُها لتحقيق انطلاقٍ كبيرٍ على المستوى الوطني، عمادُهُ شبابُنا المتميّز، وعمادُهُ عملُنا المشترك والجماعي، وعمادُهُ المبادرةُ المعروفةُ عن اللبنانيين، وتقديرُهُم للكفاءة والتأهُّل والتفوق والإبداع.
تحيةً للمجلس الوطني والسياسة العلمية التي قَدَّمها.
وتحيةً لعلماء لبنان، ولشباب لبنان المتميّزين.
وتحيةً لليونيسكو ولمديرها العامّ الذي اهتمّ بحضور هذا الاحتفال إظهاراً للدعم والمساعدة.
السراي الكبير
الخميس في 27/4/2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
