كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة أمام مجموعة كبيرة من رجال الأعمال والمال في بريطانيا

-A A +A
Print Friendly and PDF

سيداتي، سادتي،

 

يسعدني التواجد بينكم اليوم، واسمحوا لي أن أعرب عن شكري لمنظمي هذا اللقاء وأنا أتطلع لنقاش مشوق وحيوي. كما تعلمون على الأرجح، لقد قضيت معظم أيام حياتي في القطاع الخاص وما يناهز العقد كوزير للمالية. لذا أشعر بالارتياح خلال هكذا اجتماعات ويهمني كثيراً الاستماع إلى آراء الخبراء في هذا الموضوع.

 

اسمحوا لي أولاً أن أطلعكم على مدى صعوبة السنة المنصرمة بالنسبة لنا جميعاً في لبنان. فقد شهدنا أحداثاً لم يسبق لها مثيل غيرت المشهد السياسي والاقتصادي جذرياً. بعد ثلاثين عاماً من الحرب الأهلية ومن عدم الاستقرار السياسي، بدأت في لبنان مرحلة جديدة. إلا أنه غالباً ما يكون ثمن هذه التغيرات باهظاً ولبنان ليس حالة استثنائية في هذا المجال. فقد دفع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري والوزير الراحل باسل فليحان وقادة لبنانيون بارزون آخرون الثمن الأكبر ليتمكن لبنان من استعادة سيادته واستقلاله.

 

لذا، ينعقد اجتماعنا هذا في أوقات صعبة لكن واعدة. لقد أمنت أحداث العام 2005، بالرغم من دراماتيكيتها، فرصةً لتطبيق إصلاحات جذرية. فإما أن نجمع الأجزاء ونمضي قدماً عبر الحوار والتعاون، وإما أن نستسلم لليأس وننزلق نحو الفوضى الاجتماعية والاقتصادية. ويسعدني أن أعلمكم أننا في لبنان قررنا المضي قدماً إيماناً منا انه ما من معوقات لا يمكن التغلب عليها. فعند وجود الإرادة، توجد الوسيلة.

 

سيداتي، سادتي،

 

لقد وضعت الحكومة، خلال الأشهر القليلة المنصرمة، برنامج إصلاح شامل يهدف إلى تعزيز النمو، وإيجاد فرص عمل، وتحسين المؤشرات الاجتماعية. أما الهدف الأساسي من هذا البرنامج، فيكمن في إعطاء الاقتصاد اللبناني فرصة بلوغ أقصى إمكانيته. وإننا على يقين أن تحقيق معدلات نمو أعلى بمتناول أيدينا، وذلك، بمساعدة قوى عاملة عالية الكفاءة ومخزون فكري طليعي، وعبر ليونة كبيرة في امتصاص الصدمات، وقطاع مصرفي متطور، ومناخ وموقع مناسبين، وأجواء دولية وإقليمية ايجابية.

 

فلتحقيق معدلات نمو أعلى وإيجاد فرص عمل، ننوي العمل على محورين:أولاً، علينا البدء بتقليص حجم وعبء الدين، ثانياً، العمل على إيجاد جو عمل ايجابي يؤدي إلى تعزيز الاستثمارات وفرص العمل في الوقت الذي يتم فيه التركيز على النواحي الاجتماعية لتأمين الاستقرار. فالقطاع الخاص مدعو للاضطلاع بدور طليعي وإبداء الاهتمام بعملية الخصخصة. لطالما كان لبنان منارةً في ما يتعلق بالفكر المقدام وأخذ المبادرة من قبل القطاع الخاص، ولطالما كان القطاع الخاص العمود الفقري للاقتصاد اللبناني والدافع للنمو (حتى في الوقت الذي يبقى فيه القطاع العام مسيطراً على الكثير من الاقتصادات الأخرى). يكمن هدفنا في إخراج الدولة من مجال الأعمال.

 

نقدم مثالاً على ما تقدم وبهدف تشجيع المبادرة الخاصة، إطلاق وزير المالية مؤخراً مبادرة " بادر" لتشجيع المقاولين اللبنانيين الشباب على تنفيذ المشاريع. ويهدف البرنامج إلى معالجة مسائل عديدة خاصة بتنفيذ المشاريع بالتعاون مع أهم الجامعات وإنشاء شراكة بين القطاعين الخاص والعام لحل المسائل الاقتصادية الحساسة إضافةً إلى إنشاء صناديق لتمويل هذه المشاريع.

 

سيداتي، سادتي،

 

كما تعلمون، بعد ثلاثين عاماً من النزاع الأهلي والاحتلال الإسرائيلي وعدم استقرار الوضع السياسي التي حالت دون إمكان مواجهة الاقتصاد اللبناني مسائل ذات صلة مواجهةً فعالة، ارتفع الدين اللبناني العام ليبلغ في نهاية العام 2005، نسبة 175 بالمئة من الناتج المحلي العام. فتخفيض نسبة الدين للناتج المحلي العام سيقلص، إضافةً لنسبة فائدة الدين، من المخاطر على الدولة، مما سينشئ جواً يتسم بقدر أكبر من الايجابية ويسمح للقطاع الخاص بالازدهار ويتيح أمام القطاع المصرفي المحلي إمكانية التخلص من تأثره بالتقلبات السياسية، فتتمكن المصارف عندئذ من التركيز على الوساطة المالية وتأمين القروض للقطاع الخاص. وسيساهم ما تقدم بتأمين فرص عمل ومستوى أكبر من التنافسية ومعدل نمو أعلى.

 

يكمن بالطبع الهدف الأساسي من تقليص نقاط الضعف الناتجة عن نسبة الدين مقابل معدل النمو العام العالية في تخفيض نسب العجز في الموازنة. لذا سنعمل على تحقيق نمو الفائض الأولي في الموازنة الذي سيستخدم كنقطة انطلاق لسياستنا المالية. وستبذل جهود إصلاحية مالية حثيثة ومضطردة لتحقيق نمو الفائض الأولي في الموازنة ليرتفع تدريجياً من نسبة 2 بالمئة من معدل الناتج المحلي العام في العام 2005 إلى 8 بالمئة في العام 2010 بهدف تحويل اتجاه الدين.

 

والحكومة تفضل، لبلوغ هذا الهدف، تقليص النفقات والقضاء على الهدر خاصةً في قطاع الطاقة وصندوق الضمان الاجتماعي والقطاعات الحكومية الأخرى والمؤسسات التي تعود ملكيتها للدولة قبل زيادة الضرائب. إلا انه نظراً للوقت الذي يستغرقه تقليص النفاقات، تظهر الحاجة لرفع بعض الضرائب بصورة معقولة عبر التركيز على ضرائب لها تأثير محدود على الحركة الاقتصادية وعلى فئات المجتمع ذات الأجر المحدود. يوصي البرنامج برفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة، والبدء بفرض ضريبة عامة على الدخل في لبنان، وإعادة الضريبة المفروضة على النفط بشكل تدريجي إلى مستواها السابق الذي كان مطبقاً قبل دعم أسعار النفط في العام 2004.

 

وستركز التدابير الخاصة بالنفقات على تقليص النفقات الأولية الحالية في وقت يتم فيه تعزيز الاستثمار في بنى تحتية أساسية ودعم النمو خاصةً بمشاركة القطاع الخاص. وتشمل التدابير الأساسية القضاء على الهدر وتقليص كلفة الأجور وإصلاح قطاع الطاقة (شركة الكهرباء) ومؤسسات أخرى تملكها الدولة. إضافةً إلى ذلك، سيتم تطبيق العديد من الإجراءات الهيكلية الخاصة بتحسين إدارة النفقات العامة.

 

كما ننظر، لتأمين نشاط مالي مستقر في جو سياسي معقد، في إمكانية اعتماد قانون رقابة مالية يقلص من قدرة الحكومات المستقبلية على الاقتراض مما يقلص من أخطار الانزلاق المالي مستقبلاً.

 

سيداتي، سادتي،

 

اسمحوا لي الآن أن أتكلم عن تحسين جو العمل وتعزيز التنافسية الاقتصادية، وهي أمور تتطلب، إضافةً إلى جو اقتصادي عام مستقر، حكم جيد، وأسواق رساميل متطورة، وقدر أكبر من الانفتاح، ونظام تجارة حر.

 

إننا نعتبر أن الحكم الجيد أساسي لإنشاء جو مؤاتٍ للعمل بما انه يؤمن مساحة تحرك المستثمرين المحتملين ويخفض كلفة تنفيذ المشاريع. وقد قررنا توظيف مؤسسة دولية للتدقيق في المالية العامة والمؤسسات العامة للأعوام الخمسة عشر المنصرمة (1990-2005) لكشف مكامن أي سوء استخدام للأموال العامة في الماضي في حال وجودها. إضافة، إلى أن ذلك سيمنع أي استغلال سياسي داخلي لهذه المسألة وسيساعد على فهم التجارب الماضية وأخذ العبر منها، وسيسمح بالتالي بتجنب أي سوء استخدام لهذه الأموال في المستقبل. كما أن الحكومة تخطط لتحسين إجراءات الشراء، وتعزيز دور وكالات الرقابة، وتمكين مؤسسات الرقابة العامة لأخذ الإجراءات التأديبية وتطبيق نظام تنازع المصالح بحق كبار المسؤولين.

 

تخطط الحكومة لتطوير القطاع المالي عامةً وأسواق رؤوس الأموال خاصةً بهدف الاستفادة من الدفق المالي الكبير في المنطقة. ونحن نعي تماماً مدى أهمية الأسواق المالية بالنسبة لاستخدام المدخرات المحلية والخارجية استخداماً فعالاً وذلك لدعم مستوى أكبر من الإنتاجية ونمو أسرع.

 

للبنان تاريخ طويل في القطاع المصرفي، كما أن القطاع المصرفي مقارنةً مع حجم الاقتصاد هو الأكبر في المنطقة، وربما هو من الأكبر في العالم إذ أن مجموع موازنته يبلغ 300 بالمئة من الناتج المحلي العام. وتعكس عملية بيع مصرف تجاري (بنك لبنان للتجارة) لمستثمر خليجي مؤخراً الاهتمام الكبير في فرص الاستثمار في لبنان. كما تقدر نسبة الاستثمارات في بورصة بيروت في العام 2005 بمليار دولار أميركي، معظمها حصص في المصارف مما أدى إلى زيادة رؤوس أموال المصارف بشكل ملحوظ ورفع من نسبة الكفاية المالية العالية أصلاً. إلا أن القطاع لا يزال يمتلك قدرة على النمو داخلياً وإقليمياً وقد تظهر الحاجة إلى زيادة أسهمه.

 

تنوي الحكومة معالجة مسألة مطروحة منذ زمن وهي أسواق رؤوس الأموال المتخلفة. إن دور سوق الأسهم أساسي في المرحلة القادمة خاصة أنه سيسهل عمليتي الدمج والخصخصة، وسيساعد على جذب تمويل طويل الأمد من دول المنطقة، على وجه الخصوص في أوقات ترتفع فيه أسعار النفط، كما سيؤمن رؤوس الأموال التشغيلية للقطاع الخاص. كما أن تطوير سوق ثانوي للعناصر الثابتة المدخول سيساهم في تعزيز الوضع المالي. وقد أقر مجلس النواب مؤخراً قانونين حول حماية الاستثمارات، كما أنه ينظر حالياً في مشاريع قوانين خاصة بالأطر القانونية والتنظيمية والتجارة الداخلية.

 

كما أن الحكومة تبحث في عدد من التدابير لتقليص كلفة الأعمال وتعزيز مستوى التنافسية. تتضمن هذه التدابير:

1-  تخفيض قيمة رأس المال الأدنى المطلوب وكلفة تسجيل الشركات الجديدة.

2-  تقليص الوقت الذي يستغرقه الحصول على ترخيص وتأسيس أو إنهاء عمل.

3-  تعزيز مرونة سوق العمل وتسهيل عملية التوظيف (رخصة العمل) أو إقالة موظفين بهدف جذب المستثمرين وتقليص نسبة البطالة.

4-  تبسيط النظام الضريبي.

5-  تعزيز تطبيق القوانين.

 

وقد وقعنا في هذا الإطار اتفاقاً مع المؤسسة المالية الدولية لدراسة كافة المعوقات القانونية والبيروقراطية التي تعترض تأسيس عمل جديد أو إيقافه.

 

إضافةً إلى ذلك، سنلغي أي احتكار عام أو خاص (الوكالات الحصرية) في قطاعات الاتصالات والطاقة والمياه الذي يشكل عائقاً أساسياً أمام تطور العمل كما سنقوم بتحسين مستوى تأمين التيار الكهربائي وتخفيض كلفة الاتصالات العالية (وقد بدأ هذا التخفيض بالفعل ومن المفترض أن ترتفع نسبته مع الخصخصة) إضافة إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، مما سيؤدي إلى مستوى أفضل من الخدمات العامة والى تأمينها بكلفة أقل، وهنا يكمن الهدف الأساسي لهذه المؤسسات بدل العمل فقط على المحافظة على وظائف العاملين فيها.

 

وبهدف مراقبة مؤشرات التنافسية بشكل مستمر ستؤسس الحكومة "مجلس التنافسية" في نهاية العام 2006، وسيضم المجلس المؤسسات العامة والخاصة الأساسية لوضع تقارير خاصة بالمعوقات التي تعترض العمل ومعالجتها.

 

لقد علمتنا التجارب أن رفع الحواجز أمام التنافس والتجارة يؤدي إلى تعزيز النمو وتحسين الظروف الحياتية (لقد ظهر النمو في اقتصاد كل من الصين والهند في قطاعات منفتحة على الاستثمار الخارجي والتنافس). إننا نأمل في الانضمام بحلول آخر السنة إلى منظمة العمل الدولية، مما سيؤمن ضمانات إضافية للمستثمرين الأجانب في مجال التنافس غير المشروع. كما أننا نضع اللمسات الأخيرة على خطة عمل حول سياسة الجوار للاتحاد الأوروبي، وبدأنا للتو بمحادثات مع الولايات المتحدة الأميركية حول اتفاقية خاصة بالتجارة والاستثمار نأمل في أن تؤدي إلى اتفاق تجارة حرة.

 

سيداتي، سادتي،

 

تشكل الخصخصة جزءاً لا يتجزأ من برنامجنا الإصلاحي. أما الهدف من هذه العملية فهو القضاء على احتكار الدولة وتعزيز الفعالية في تأمين الخدمات وتخفيض كلفة العمل وتحسين مستوى التنافسية وتعزيز النمو.

 

لقد بلغت خطط خصخصة شركتي الخلوي الموجودتين حالياً مراحل متقدمة. وسنعين أعضاء اللجنة الناظمة قريباً جداً كما نسعى لتطبيق عملية الخصخصة في ظل أكبر قدر من الشفافية والانفتاح. نتوقع أن تنتهي عملية الخصخصة قبل انقضاء العام الحالي. لقد برز اهتمام كبير بقطاع الاتصالات ونتوقع نتائج ايجابية جداً. تتصف هذه الخطوة بالايجابية، ليس فقط بسبب أثرها المادي في مجال تقليص الدين وخدمته وهذا الأمر بغاية الأهمية، إنما أيضاً كونه سيجذب عدداً أكبر من المكتتبين (نسب أعلى لدخول الأموال) و هذا سيؤمن مستوى تنافسي أفضل وبالتالي سيخفض الكلفة، هذا بالإضافة إلى أثرها الايجابي على العمالة والنمو.

 

كما أن العمل جار لتنظيم شبكة الهاتف الثابت تمهيداً لخصخصتها في وقت لاحق في العام 2007 ولإصدار رخصة ثالثة لتشغيل شبكة الخلوي بحلول العامين 2008 و2009. وتشمل خطط الخصخصة الأخرى قطاع إنتاج الطاقة (الكهرباء) ( حالما يتم اتخاذ كافة الإجراءات التمهيدية)، ومؤسسات أخرى كالخطوط الجوية الوطنية، خطوط الميدل ايست، ومجموعة انترا للاستثمار التي تملك معظم أسهم كازينو لبنان.

 

أما المسألة التي غالباً ما تم إغفالها فهي الإصلاح الاجتماعي، ولا تكمن أهمية هذه المسألة في كونها أساسية لتأمين نجاح برنامج الإصلاح فحسب إنما أيضاً لتأمين جو مناسب للعمل. فإيجاد جو اجتماعي مستقر سينعكس ايجابياً على الجو السياسي الذي سيؤثر بدوره على النشاطات الاقتصادية. وستنشئ الحكومة قريباً جداً وقبل نهاية السنة لجنة وزارية هدفها وضع إستراتيجية اجتماعية شاملة متوسطة الأمد. كما بدأنا العمل على إصلاح النظام التقاعدي الذي يشكل عائقاً أمام حركة العمل وأرباب العمل. بالتأكيد نبقى ملتزمين بإعادة إحياء المجلس الاقتصادي الاجتماعي كمنتدى لحوار وطني يتناول المسائل الاقتصادية الاجتماعية.

 

سيداتي، سادتي،

 

إن المهام التي تنتظرنا كبيرة جداً والتحديات هائلة. ينبغي أن يؤدي الإصلاح المالي والخصخصة والنمو إلى تقليص مستمر في معدل الدين مقابل الناتج المحلي العام خلال السنوات الخمس القادمة. إلا انه، نظراً لحجم الدين العام مقارنةً مع حجم الاقتصاد، قد لا تكون الجهود المحلية كافية لتقليص الدين إلى مستويات معقولة تمكن الحكومة الالتزام بقيود الموازنة من دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية كرفع نسبة الضرائب أو التقليص من الإنفاق، مما قد يعيق النشاط الاقتصادي.

 

وكما تعلمون، لقد أعرب أصدقاء لبنان عن إرادتهم لدعم جهود لبنان ومساعدته على التخفيف من عبء الإصلاح في إطار المؤتمر الدولي لدعم لبنان. وقد تم التعبير عن هذه الإرادة أولاً في نيويورك في شهر أيلول الماضي ومن ثم في عدد من المناسبات الأخرى، كان آخرها في واشنطن على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

 

أن السؤال الذي يتبادر إلى أذهانكم هو التالي على الأرجح: ماذا يعيق انعقاد المؤتمر الدولي؟ اسمحوا لي أن أؤكد لكم أولاً أن دعم الأسرة الدولية لعقد هذا المؤتمر لم يتراجع. إلا أنني، كرئيس وزراء، أعي تماماً أن وضع برنامج إصلاحي شامل شرط أساسي لنيل دعم الدول العربية والدول الصديقة الأخرى. كما يتطلب التوصل إلى توافق وطني واسع.

 

إن التوصل إلى توافق اجتماعي وسياسي مهم للمضي في الإصلاحات خاصةً في جو سياسي معقد كالجو الذي يسود في بلدنا. إننا، وان كنا على يقين أن التوافق التام مئة في المئة في هذا الإطار ليس ممكناً، لا في لبنان ولا في أي بلد آخر، فإننا لن نألو جهداً لتأمين أكبر دعم ممكن حتى لو لزم ذلك مزيداً من الوقت. فالتوصل إلى التزام داخلي من هذا النوع هو ما يؤخر انعقاد المؤتمر.

 

لقد باشرنا التشاور مع شركائنا المحليين والدوليين. فهدفنا تحويل برنامج الإصلاح الذي اقترحته الحكومة إلى برنامج وطني يتبناه عدد كبير من المواطنين. فحين نتوصل إلى توافق وطني حول برنامج إصلاح اقتصادي واجتماعي قابل للتطبيق تتبناه الحكومة، سندعو أصدقاءنا لدعم جهودنا وللإثبات للعالم انه يمكن تطبيق برنامج إصلاحي ناجح في لبنان.

 

وأعتقد أن الدعم الدولي للبنان أساسي، وإلا فان نسبة الدين مقابل الناتج المحلي العام ستعود على الأرجح إلى مستويات غير معقولة. فهذا الدعم لن يساهم فقط في خفض عبء الدين بل سيعزز أيضاً الثقة وسيساهم بشكل أساسي في خفض نسب الفوائد وتعزيز النمو إضافةً إلى أثره الكبير على الدين. كما سيؤثر على الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلد.

 

وفي الوقت الذي يعتبر فيه التوافق السياسي مهماً لتأمين نجاح البرنامج الإصلاحي، اعتقد أن ثمرة الإصلاح الاقتصادي ستسهم في حد ذاتها في تحسين الجو السياسي وفي رأب الصدع الاجتماعي. فالإخفاق في تطبيق الإصلاحات الضرورية سيزعزع الاستقرار الاجتماعي والسياسي وسيؤدي إلى التشدد في الآراء ووجهات النظر وسيعرض المسار الديمقراطي للخطر في هذه المنطقة المضطربة.

 

 

 

يشكل لبنان في منطقتنا ظاهرة فريدة من ناحية التنوع والتعددية الدينية والديمقراطية والتسامح وحرية التعبير والحرية. سنسعى للمحافظة على هذه المثل إلا أن مساعدة الأصدقاء أساسية. كما أعتقد أنه سيكون لما يحدث في لبنان تبعات تتخطى مساحته. فنجاحنا في تعزيز ديمقراطيتنا وبناء اقتصاد قوي سيخدم مصلحة الجميع وسيقدم مثالاً قوياً لدول منطقة هي بأمس الحاجة له.

 

سيداتي، سادتي،

 

أما بالنسبة لمجتمع الأعمال الدولي، أنا مؤمن فعلاً أن في لبنان إمكانيات كبيرة. لن نملي عليكم كما لن نقرر عنكم أين تستثمرون أموالكم. إلا أن لبنان يملك ميزات تفاضلية عديدة في الكثير من القطاعات كالسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والصناعات الخفيفة (الثياب والمجوهرات والصناعات الغذائية والأدوية على سبيل المثال) والقطاع المالي ومصارف الاستثمار.

 

إضافةً إلى ذلك، لا يزال لبنان جنة ضريبية يجذب المشاريع والأعمال. ونسبة إنشاء الشركات التي تبلغ 15 بالمئة متدنية كثيراً وفقاً للمعايير الدولية، كما أن الضريبة على الدخل متدنية هي الأخرى إذ تتراوح بين 10 و12 بالمئة لأصحاب المداخيل العالية (100,000 دولار أميركي في السنة) ولا وجود لضريبة على الربح الذي تحققه رؤوس الأموال ولا يتعدى معدل النسبة 5 بالمئة. والأهم أن لا قيود من أي نوع كانت على حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال. فلبنان حافظ على حرية حركة رؤوس الأموال التامة حتى في أصعب الظروف. كما أن الأهمية الأساسية تكمن في كون رأس المال البشري اللبناني لا يضاهى: فحوالي 25 بالمئة من حملة الشهادات العليا في العالم العربي لبنانيون.

 

في النهاية، اسمحوا لي أن أقول أننا لن نألو جهداً لأن يستغل لبنان كل إمكاناته. وسنعمل جاهدين للمحافظة على التوازنات الاقتصادية إلا أننا بحاجة لدعم المجتمع الدولي. كما نسعى لتحسين جو العمل الخالي من القيود إلا أننا نتكل عليكم لإبداء اهتمام قوي في بلدنا. فالفائدة لكلينا ستكون كبيرةً. و شكرا لحضوركم.

تاريخ الخطاب: 
08/05/2006