كلمة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في افتتاح القمة الثالثة لمجلس الخدمات المالية الإسلامية 2006

-A A +A
Print Friendly and PDF

أصحاب السعادة،

أيها الإخوة والزملاء،

 

يسرّني أن أرحب اليوم بهذه النخبة المميّزة من حكام المصارف المركزية والخبراء الماليين العالميين في بيروت والتي عادت لتستضيفَ القمةَ الثالثةَ لمجلس الخدمات المالية الإسلامية بعد أن استضافت القمةَ الأولى قبل خمس سنوات. إنّ وجودَكُم اليومَ بيننا هو تأكيدٌ جديدٌ لثقتكم وثقة مجتمع الأعمال الدولي الإسلامي بموقع لبنان المميَّز باعتباره مركزاً أساسياً للخدمات المالية والمصرفية في منطقة الشرق الأوسط العربية. ولبنان، كما عهدتموه دائماً، سيبقى أرضاً خِصْبَةً للحوار والتفاعل ما بين الحضارات، وبيئةً لتحقيق طموحات التقدم والتطور الاقتصادي.

 

إن النجاح والانتشار الكبيرين اللذين حققهما النظام التمويلي الإسلامي في السنوات الثلاثين الماضية هما مدعاةٌ لاعتزازنا في العالم الإسلامي، حيث نجح هذا النظامُ الماليُّ في اكتساب الثقة والاهتمام إذ أنه وخلال فترةٍ قصيرةٍ ظهرت- كما يقول صندوق النقد الدولي في دراسةٍ حديثةٍ- أكثر من ثلاثمائة مؤسسة مالية إسلامية تنتشر في أكثر من 75 بلداً حول العالم، مقدَّراً حجمُ أصولها بأكثر من 250 مليار دولار أميركي تنمو سنوياً بنسبة تفوق 15%. ووراء هذا النمو السريع على ما يبدو أسبابٌ عديدةٌ أهمُّها:

 

أولاً::  استمرار الارتفاع في أسعار النفط الذي من شأنه خلق سيولة وفوائض إضافية وبالتالي ازدياد الطلب على أدوات استثمارية مناسبة تتلاءم مع متطلبات أشخاص ومؤسسات من بيئات مختلفة.

 

ثانياً:   ارتفاع الطلب على هذا النوع من التمويل من قبل الأفراد والمؤسسات على حد سواء، وذلك بالنظر لطبيعته كاستثمار مسؤول يرفض تمويل كلّ ما هو مضرّ اجتماعياً- (socially responsible investment)، ويرتكز إلى الاستثمار في أصول حقيقية (asset-based).

 

ثالثاً:   الحاجة للقيام باستثمارات متزايدة في تطوير استخراج الموارد الطبيعية وتشييد البنى التحتية وبناء الصناعات المرافقة، وهي استثمارات تتطلب رؤوس أموال كبيرة وتتطلب تعاوناً بين مصادر مختلفة للتمويل. وقد رأينا مؤخراً مشاريع كبيرة في أكثر من بلد عربي تعتمد التمويل الإسلامي في عمليات تمويل مشتركة مع وسائل تمويل أخرى.

 

رابعاً:  توفر إمكانات مالية أكبر تتبع أنظمة التمويل الإسلامي لتمويل المشاريع التي تتطلب استثمارات، بسبب وجود سيولة أكبر في الأسواق المالية.

 

لقد أمكن بانتشار هذا الأسلوب من التمويل استحداث مجالٍ اقتصاديٍ جديدٍ، لكنه متلائم، ويتميّز بفعالية في الأداء وإنتاجية عالية بسبب قدرته على تطوير قيمة ومردود الأصول الثابتة التي يرتكز عليها، مراعياً أيضاً مبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات وهي من القيم الإسلامية النبيلة التي يعلّمنا إيّاها القرآن الكريم في قوله تعالى: "لكي لا يكونَ دُوْلةً بين الأغنياء منكم"، كما تؤكد السنة النبوية على قيم العمل والإنتاج والربح الحلال، وتحمُّل مخاطر الكسْب والخسارة، استناداً للتفكير والتقدير ودقة التصرف.

 

إنّ هناك كذلك الطابَع الأخلاقي العامّ والهادف للتلاؤم مع سائر التصرفات البشرية الجادّة، وهو الأمر الذي تحرصُ عليه الشريعةُ الإسلامية، متجنِّبةً المجازفة والاحتكار والغَرر، ومؤكِّدةً على السعيْ الإنساني الرشيد، الذي يحترمُ عقلَ الإنسان ومصالحَهُ وقيمه الأخلاقية.

 

إنّ الأبرز في هذه الظاهرة أنّ التمويل الإسلامي حقق تقدماً في مجال المحافظة على الرابط ما بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الفعلي المنتج بشكل يقلّل من الاعتماد على الدَين في عملية الاستهلاك ويتجنب تمويل المضاربات Speculationغير المحمودة. وبهذا، أثبت نظام التمويل هذا فعَاليته باعتباره مبادرةً إثرائيةً ضمن توسعات النظام المالي العالمي، وهو يتفوق في مجال المحافظة على الاستقرار الماكرو-اقتصادي بشكل أكبر ويحقق نمواً متوازناً مع مديونية أقل؛ وذلك بسبب الترابط ما بين الحركة المالية والإنتاجية للاقتصاد بشكل عام.

     

ونظراً للتطور الكبير الذي عرفه نظام التمويل الإسلامي وازدياد الطلب عليه على المستوى العالمي، عمدت بعض المؤشرات العالمية كالـ Dow JonesوFTSEإلى استحداث مؤشر إسلامي خاص، وأعلن بعضها عن العمل على إصدار مؤشرات لمراقبة أداء الصكوك الإسلامية خصوصاً بعد نجاح عمليات اكتتاب واسعة في أدوات مالية إسلامية منطقة الخليج العربي مؤخراً.

 

وعلى الرغم من نجاحاتها الكبيرة والهامة، لا تزال صناعة التمويل الإسلامي تواجه عدّة تحديات على المستوى المحلي والعالمي تحولُ دون تطوير قُدُراتها للإسهام بدرجةٍ أكبر في النمو الاقتصادي في البلدان التي تتعامل مع هذا النوع من الممارسة الاقتصادية. كما أن المؤسسات المالية الإسلامية لا تزال غير قادرة على الإسهام في تحقيق كامل القدرة الاقتصادية لاقتصادات البلاد التي تعمل فيها. وأهم هذه التحديات:

أولاً:النجاح في تطوير نظام تمويل إسلامي قوي على الصعيد المحلي.

 

ثانياً:النجاح في تطوير أسواق مالية إسلامية عالمية عالية الفعالية.

 

ثالثاً:النجاح في التنويع في الأدوات المالية الجديدة التي تؤمن الحماية والسيولة، وتعتمد مبدأ التمويل المباشر. وبما يؤمن الإفادة بشكل أكبر من الطلب على عمليات التمويل الكبرى.

 

رابعاً:التوصل إلى ما يمكن المؤسسات المالية من اعتماد معايير موحّدة للمحاسبة وقواعد للشفافية تتمتع بالصدقية.

 

أيها السادة، أيها الإخوة،

 

لا بد في هذا الإطار من التنويه بدور مجلس الخدمات المالية الإسلامية كمهندس للخدمات المالية الإسلامية وواضع للمعايير الموحدة التي تهدف إلى تنظيم ومراقبة عمل المؤسسات المالية الإسلامية حول العالم. وهو قد أنجز مؤخراً وضع معايير لكفاية رأس المال ولإدارة المخاطر، كما انه يعمل حالياً على إقرار مبدأ الحوكمة أو الإدارة الرشيدة (Corporate Governance) للمؤسسات المالية الإسلامية.

 

تجدر الإشارة إلى أنه ومن أجل الإفادة من الفرص الذي يقدمها هذا التطور الكبير في الطلب على الخدمات المالية الإسلامية، فقد قامت عدة دول عربية بتطوير مراكزَ مالية متخصصة لهذه الخدمات كالبحرين ودبي. والجديرُ ذكرهُ أن نجاح تجربة التمويل الإسلامي في تخطى حدود المنطقة العربية منذ فترة طويلة ومن ضمنها مبادرة عدة دول أسيوية نامية مثل ماليزيا وبروناي وغيرهما في اعتماد هذه التجربة قد أدت إلى تعزيز الروابط التجارية والاقتصادية بين تلك الدول مما دفع مؤخراً دولاً غير إسلامية كسنغافورة للإعراب عن رغبتها في أن تصبح مركزاً مالياً إسلامياً معتمدةً على عمق أسواقها المالية، وذلك بهدف الاستفادة من السيولة المتوفرة في هذه الأدوات التي تبحث عن فرص استثمارية جديدة.

 

ووسط تلك المنافسة الكبيرة والفرص المستجدة على الاستفادة من تقديم هذه الخدمات المالية المتميزة، يتطلع لبنان إلى المساهمة في تطوير مجالات التمويل الإسلامية ويتمثل من جهة أولى في القانون الخاص الذي صدر بشأن السماح بتأسيس بنوك إسلامية في لبنان وكذلك في الاستعداد الذي تبديه الحكومة اللبنانية أيضاً لإدخال بعض التعديلات الإضافية على هذا القانون مما يضفي مزيداً من التسهيلات على عمل تلك المصارف، ومن جهة ثانية في تطوير المهارات الأكاديمية المتخصصة. فبيروت المعروفة بقدراتها الأكاديمية وبتطور الموارد البشرية فيها، تسعى لأن تخرّج وتدرّب خبراء في شتى الحقول المالية بما في ذلك ما يتعلق بفقه المعاملات في الشريعة الإسلامية بحيث يكونون، قادرين على تطوير نظام التمويل الإسلامي بما يضمن استمراره وانتشاره بشكل أكبر وأكثر فعاليةً في المستقبل. وليس من المستغرب أن يكون مصرف لبنان قد عمد بالتعاون مع جامعة الـ ESAإلى تطوير أول شهادة عالمية في التمويل الإسلامي.

 

 

 

 

أيها الإخوة،

 

يشكل التمويلُ الإسلاميُّ فرصةً لاستثمارات كبيرةٍ في العالمين العربي والإسلامي سيما وأنّ الدولَ الغربية ومصارفَها وشركاتِها المالية، أقبلت عليه مؤخراً بكثافة. فمن أجل الإفادة من الفُرَص الكثيرة المتاحة لهذه الجهة، كان لا بد من العمل على تطوير المراكز المالية وكذلك القدرات الأكاديمية والخبرات المختصة في هذه المنطقة من العالم، وكذلك العمل على تطوير الخلفية القانونية الضرورية لتسهيل الأعمال وفسْح مجال الإنتاج لها. من هنا تبدو أهميةُ هذه القمة التي نفتتح أعمالها اليوم في بيروت، والتي نتمنى أن تصبح معلماً أساسياً في بناء وهندسة مستقبل التمويل الإسلامي الزاهر على الدوام إن شاء الله: "أمّا الزبد فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض" صدق الله العظيم.

 

أتمنى لمؤتمركم كل التوفيق.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

رئيـس مجلـس الـوزراء

                                                فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
17/05/2006