الكلمة الثانية لدولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة فـي المنتـدى الاقتصـادي

-A A +A
Print Friendly and PDF

تحفيز الحوار، وتقوية التعاوُن

 

أيها السادة،

 

يحضُرُني في هذا المجال ما قاله الروائي ماريو بوزو في قصته "العرَّاب" التي صارت فيلماً مشهوراً، على لسان بطله الدون كورليوني الذي اعتاد على مخاطبة الذين يريدُ مفاوضتَهُم وإقناعَهُم بقَبول رأْيه، بالقول: سوف أعرضُ عليكم عرضاً لا يمكنُكُم رَفْضُه!

 

والواقعُ أنّ الذي يعرضُ شيئاً لا يمكن رفْضهُ، لا يريد التفاوُض، بل يريد الفرض. لكنْ حتّى لو أحسنّا الظنّ بالدون كورليوني وعروضه، وبالمجتمع العالَمي ومنابره للحوار: هل هناك في الحقيقة أفكارٌ وعروضٌ هي من الإغراء والقدرة على الإقناع بالفائدة المتبادَلة بحيث لا يمكنُ رفْضُها؟

 

هناك من جهةٍ الموضوعاتُ التي يحتاج الجميعُ إلى مناقشتها. وهناك المنابرُ أو الجهاتُ التي يجري التحاوُرُ للوصول إلى التعاوُن من خلالها.

 

ولا نقص في الواقع في منابر ومؤسَّسات الحوار، وبخاصةٍ في الأمم المتحدة، والوكالات والبرامج المتخصصة المتفرعة عنها، والتي تُعنى بشتى المسائل ومنها قضايا الحريات والسيادة وحقوق الإنسان السياسية والمادية والقيمية. وقد ازداد التفاعُلُ، وازدادت البرامجُ المشتركةُ بين المؤسسات الدولية والإقليمية في العَقدين الأخيرين من السنين، كما برزت نشاطات الجهات المتخصصة بالاتحاد الأوروبي- فضلاً عن مؤسسات المجتمع المدني العالمي، ومبادرات منظمة التجارة العالمية وسياسة الجوار الأوروبية. ولا شكَّ أنّ المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي نتحدث من على منبره اليوم، صار في السنوات الأخيرة أحد أهمّ المنابر للحوار والنقاش، والتوصل بالتوافُق إلى سياساتٍ تحقّقُ هَدَفهُ وهو تحسينُ البيئات العالمية في شتّى النواحي والمجالات.

 

وهكذا، فنحن لا نرى نقصاً في الوسائل والأدوات ووسائط ومنابر الحوار، بل في التوصل إلى نتائج وسياسات في الموضوعات الاقتصادية، والأمنية، والسياسية، كما في التوصُّل إلى تعاوُنٍ أوثق في مجالات التبادُل الثقافي، وتواصُل الحضارات. فالعبرةُ ليست في عدد المنابر أو ملاءَمتها، بل في الترشيد، وفي إرادة وممارسات التعاون العربي والإقليمي. العبرةُ في الإيمان فعلاً بالشراكة وتوازُن المصالح، وفي اجتراح الآليات لتنفيذ ما يجري الاتفاقُ عليه، وفي إيجاد الحلول الحقيقية للمشاكل المستعصية.

 

في المجال الاقتصادي، أنجزت دول عربية كثيرة إصلاحاتٍ هيكلية ولما يزل لدى البعض منها حاجة لاستمرار العمل الجاد لتحقيق إصلاحات إضافية للتوصل إلى المزيد من التلاؤم مع التطورات الحاصلة مع الإقرار بوجود بطء كبير يقابله بطءٌ في الاستجابة من جانب السوق العالمية للاحتياجات والتطلعات لحاجة منطقتنا العربية وشعوبها. فنحن نعرفُ أنّ بعض موضوعات التفاوض في جولة الدوحة لا تزال تراوح مكانها منذ عدة سنوات. كما أنّ هناك عدداً من الأمور الأساسية المتعلقة بالمواصفات والحمايات، والتي تنالُ نيلاً شديداً من الاقتصادات الزراعية والصناعية والتكنولوجية الجديدة للدول النامية، ما تزال لا تلقى الاهتمام اللازم.

 

وكما لا تبدو الأمورُ المتعلقةُ بالحوار والتعاوُن ميسَّرةً بالنسبة لنا ولسائر الاقتصادات الصغيرة، كذلك لا تبدو الأمور الأمنية موضعَ تشاوُرٍ استراتيجي بنّاء. عندنا مشكلةُ فلسطين المستمرة منذ العام 1948. وهي أكبرُ مشكلات الشرق الأوسط على الإطلاق ولا استقرار ولا سلام حقيقي في المنطقة بدون إيجاد حلٍ عادل ودائم لها. وهناك استمرار احتلال إسرائيل لأراضي في سوريا ولبنان. وما كان هناك مبرر لتضييع حوالَي العشر سنوات دونما تقدمٍ في حل المشكلة في فلسطين ومن حولها. وجاء الاحتلال الأميركي/ البريطاني للعراق ليزيد من عوامل الاضطراب، وليهدد مصير خمسة وعشرين مليون إنسان. وهذه كلُّها مشكلاتٌ كبرى، تتسبَّبُ بخرابٍ كبير، وتبعثُ حالةً من عدم الاستقرار، وتشجّع التطرف الديني والقومي، وتقفُ عائقاً أمام تحقيق الديمقراطية.

 

أيها السادة،

 

ونحن محتاجون في العالَم العربي، والعالَم الإسلامي، إلى حوارٍ أعمق، وتعاوُنٍ أكبر، وتفهُّمٍ متبادَل، في المجالات الثقافية والقيمية. هناك إسلاموفوبيا واسعة الانتشار في الغرب الأوروبي والأميركي على الخصوص، ولا يعودُ سببُها إلى أحداث 11 سبتمبر 2001 فقط. والصعوباتُ التي تلقاها تركيا في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، أحد الشواهد البارزة على الأجواء المتغيّرة تُجاه الإسلام، وتُجاه المسلمين. وفي هذا الجانب نحن محتاجون إلى أكثر من منبرٍ للشكوى، نحن محتاجون إلى تفهُّمٍ وتعاونٍ من جانب الحكومات ومؤسسات الحوار والمنابر الليبرالية والمتنورة في الولايات المتحدة وأوروبا.

 

إنّ الحاجة للدخولِ في شراكةٍ حواريةٍ مع العالَم حول سائر المسائل لا تأتي ضرورتُها من أنّ موارد منطقتنا وأمْنَها مصيريان بالنسبة للعالم فقط، بل ولأنّ العالَم صار مثل الأنابيب المستطرَقة، فإذا كنتَ تعيشُ في بحيرةِ ازدهارٍ وأمن، لا تستطيعُ أن تترك جارَك في بؤسٍ واضطراب. وعندنا في مجال مراعاة الجار ومصالحه تُراثٌ عريض، فقد جاء في كلام الرسول (ص): مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورّثُه. فلا بد من تشارُكٍ في الهموم والمسؤوليات والمكاسب، لكي تتحقق الشراكةُ من جهة، ولكي تكونَ مثمرةً من جهةٍ ثانية. والواقعُ أنّ المشكلات القديمة مثل مشكلة فلسطين ما وجدت حلاً، في حين تنبع المشكلات في العقدين الأخيرين من كل صوب، والمنابر والآليات موجودة، لكنها ما كانت كافيةً حتى الآن لتغيير الوقائع أو الأجواء.

 

أيها السادة،

 

لستُ أقصِدُ إلى الزعم أنّ المجتمع الدوليَّ لم يفعلْ شيئاً. فقد اتخذ مجلس الأمن عدة قراراتٍ في العام الماضي وهذا العام بشأن لبنان وأحداثه، ومن ضمنها اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتثبيت استقلال لبنان واستقراره ونظامه الديمقراطي. كما أنَّ المؤسسات الدولية أبدت استعداداً طيباً لمساعدة لبنان ودعمه في خطته الإصلاحية. لكنّ الوضع الأمنيَّ في منطقتنا يبعثُ على القلق الشديد، وبخاصةٍ مع تصاعد التوتر بشأن الملف النووي الإيراني، وتفاقُم الوضع الأمني بالعراق، وعدم التقدم على المسار الفلسطيني. فلا بد من عمل شيءٍ بالحوار وبالتعاوُن لمعالجة الجراح النازفة في فلسطين والعراق، وفتح الآفاق باتجاه سيرٍ أوضح إلى أهداف الألفية الثالثة في منطقتنا، وفي جوارها القريب والبعيد.

 

شرم الشيخ

21/5/2006

 

                                          رئيس مجلس الوزراء

                                          فؤاد السنيورة

تاريخ الخطاب: 
21/05/2006