خمسون عاماً على معرض الكتاب العربي

لا أذكُرُ متى بدأتُ التردد على النادي الثقافي العربي. بيد أنه ما كان أولَ منتدىً ثقافيٍ عرفته. فقد واظبتُ وأنا في الدراسة الثانوية بمقاصد صيدا على الحضور والمشاركة في نشاطات نادي الجهاد الثقافي العربي، ومن طريقه انتسبتُ وأنا طالبٌ هناك لحركة القوميين العرب. وهكذا فإنّ تعرفي على النادي الثقافي العربي كان بعد مجيئي لبيروت، للدراسة بالجامعة الأميركية. ومن على صفوف الدراسة، ومن حضور ندوات المفكرين والمثقفين والمناضلين بالنادي، تعرفتُ على عددٍ كبيرٍ من شبان وكهول النخبة الثقافية والسياسية العربية، وتوثق ارتباطي بحركة القوميين العرب. ثم أقبلتُ منذ أواسط الستينات على المشاركة في نشاطات النادي، عضواً في هيئته، أو داعماً لنشاطاته، أو رئيساً له، وما أزالُ على ذاك العهد والوعد، وعلى مدى أكثر من أربعة عقود.
ورثتُ الميولَ الأدبية والفكرية عن والدي رحمه الله. وقد بدت تلك الميول لدى أخواتي وإخوتي أيضاً. وقد تذكرتُ ذلك للوالد في الكتاب الذي صدر عنه بعد رحيله. لكنّ النادي الثقافي العربي هو الذي وسَّع من اهتماماتي الفكرية والسياسية العامة خلال النشاطات المختلفة، وأهمُّها المحاضرات والندواتُ في المواسم الثقافية الطويلة التي كان يقيمُها، منفردة أو مواكبة لأعمال المعرض السنوي للكتاب العربي الذي ما فتئ النادي الثقافي العربي يقيمه سنوياً ويستقبلُ خلالَها أعلاماً لبنانيين وعرباً، وينافسُ فيها حضوراً واهتماماً جمعية المقاصد، والجامعة الأميركية، ثم العربية بعد قيامها مطلع الستينات من القرن الماضي.
في مقاصد صيدا بدأنا بمتابعة حركة ثورة يوليو المصرية، والنضالات من أجل فلسطين، وحرب تحرير الجزائر، ومقاومة اللبنانيين لحلف بغداد. لكنْ في النادي الثقافي العربي، بدأنا التفكير في كيفيات المشاركة الفعلية في النضالات، والتفكير بالمستقبل العربي الواحد، وبأسباب تحطُّم الوحدة المصرية/ السورية وحصول الانفصال الذي كان بداية حقيقية للنكسة العربية الحديثة، وكيف يمكنُ استعادتُها، وكيف البدء بتحرير فلسطين، وبخاصةٍ بعد انطلاق العمل الفدائي عام 1965، وبمعنى اقتصاد الكفاية والعدل الذي كانت مصر الناصرية تدعو إليه.
وقد لفت انتباهي منذ ما قبل مجيئي إلى بيروت، معرضُ الكتاب العربي، الذي بدأ النادي يقيمُهُ كلَّ عام. بدأ بعشر أو خمس عشرة داراً للنشر، ثم نما بإضافة الدُور السورية والمصرية والعراقية، ووصل في العام 2005 إلى مئات الدور اللبنانية والعربية والعالمية. كنا نتردد طبعاً بحكم الدراسة بالجامعة الأميركية على المكتبات التي نشأت حولها برأس بيروت. لكنّ الفرصةَ كانت أكبر باقتناء الكتاب الذي رأيتُ صاحبَهُ يُحاضرُ بالنادي الثقافي العربي. وكان أشدّ ما يثير البهجة أنّ الكتّاب المصريين والسوريين والعراقيين المشهورين إنما ينشرون مؤلَّفاتهم ببيروت، حتى تلك التي لا تُنشَرُ لسببٍ أو آخَرَ بالقاهرة ودمشق. وكنا نطّلع بمكتبة الجامعة على الجديد البريطاني والأميركي، وبمعرض الكتاب العربي بالنادي على الجديد العربي بالمشرق أولاً، ثم بالمشرق والمغرب عندما بدأت تباشير وطلائعُ النشر هناك.
وما أسهم المعرض- إلى جانب النادي نفسه- في تطوير الهوية الثقافية لبيروت ولبنانَ فحسب، بل أسهم أيضاً في تطوير الثقافة العربية الحديثة بعرض سائر المنتجات الثقافية في الأقطار العربية. لكننا أيضاً وحتى الثمانينات كنا نراقب اهتمامات القارئ العربي والناشر العربي من خلال معرض النادي ببيروت، والذي ظلّ الملتقى الثقافي والنشري الرئيسي في الوطن العربي حتى ذلك الحين. كان يمكن من طريق المعرض تتبُّع ظهور وازدهار التيارات الشعرية أو الأدبية أو السياسة أو خفوتها. كما كان يمكنُ من طريق المقتنيات المختارة بعنايةٍ وخبرةٍ استطلاع الوضع العام للثقافة العربية.
لقد رأيتُ في معرض الكتاب العربي في الستينات نشراً للوعي العربي العامّ، وتقويةً لأواصر الوحدة الثقافية العربية. ثم تنبهتُ للبُعد المعرفي والنقدي، في ذلك النزوع الديمقراطي غير الحزبي، وفي الحالتين حالة الوعي، وحالة التوعية النقدية، أسهم النادي، وأسهم مَعْرِضُهُ في تكوين ثلاثة أجيالٍ من الشبان والشابات، في بيئات المُدُن اللبنانية، مُدُن الشارع الوطني، بالتلوين العربي، والوعي الذي يعتبر العروبةَ ثقافةً ونهوضاً وتقدماً ومستقبلاً.
فليبقَ النادي الثقافي العربي. وليبقَ معرِضُه. ولتبقَ ذكرياتُه: ذكرياتُ وذاكرةُ الوعي العربي، والنهوض العربي، والتجدد العربي، والمستقبل العربي.
رئيس مجلس الوزراء
فؤاد السنيورة
