كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في حفل إزاحة الستار عن النُصُب بساحة سمير قصير

الصديقة السيدة جيزيل خوري،
معالي الصديق الأستاذ غسان تويني،
أصدقاء الشهيدين سمير قصير وجبران تويني وجريدة النهار،
الحاضرون المناضلون والشجعان من مثقَّفي لبنانَ وأهل الكلمة الحرة والنظام الديمقراطي،
أيها اللبنانيون،
أذكُرُ لسمير قصير كلمةً قالها لنا عندما كان الشهيد الكبير الرئيس رفيق الحريري يحاولُ حمايتَهُ من ملاحقات عناصر في الأمن العامّ، وبعدما نصحهُ أحدُ الحاضرين بالهدوءِ قليلاً رجاءَ أن تنجليَ الغَيمةُ التي تُغطّي لبنان. قال سمير قصير: ليست غيمة، بل هي عاصفةٌ رمليةٌ خانقة. وقد نكونُ طَموحين أكثر من اللازم وسط الظروف السائدة، إذ نحن نريد الحياة والحرية معاً، وهناك من يعتبر أنه يمُنُّ علينا بالإبقاء على قيد الحياة، في مقابل نسيان الحرية.
لقد كان الصديق سمير قصير، كما كان جبران تويني، وكثيرون من مثقّفي لبنانَ وكُتّابه وشباب سياسيّيه، على يقينٍ أنّ الوصايةَ لن تزولَ إلاّ بالنضال السِلمي السياسي والثقافي، وكانوا منخرطين في ذلك النضال بالوسائل المُتَاحة لديهم. وقد دفعوا ثمن الحرية والديمقراطية حملاتٍ واضطهاداً في حياتهم، ودفعوا الثمن الأكبرَ في استشهادهم من أجل أن يبقى الوطن، وَتَسْتَتِبَّ حرياتُه، ويُشرقَ فجرٌ عربيٌّ آخَرُ للتقدم، وصَون الحريات الأساسية للمواطنين، والمصالح الوطنية والقومية.
لقد عرفْتُ سمير قصير كاتباً بارزاً، ومعلّقاً سياسياً حادّ الوعي بمسألتي الحرية والتقدم في الوطن العربي. لكنني وآخرين كثيرين عرفناه أيضاً شاباً بالغَ الوداعة والرَوعة والإخلاص لأصدقائه وزملائه، وللفكرة العربية الأُخرى، للنهوض والحريات، والتطلع للخروج من مآزق التخلّف والديكتاتوريات وضياع الحقوق والكرامة.
ومن أجل هذه المعاني كلّها كانت تلك الكوكبةُ من الشهداء من الرئيس رفيق الحريري وإلى الأستاذ جبران تويني. لقد افتدوا حريتَنا ووطنَنا بدمائهم، ونحن مؤتَمَنون على هذه الدماء، وعلى الأهداف التي بُذلت تلك الدماءُ من أجلِها.
سنظلُّ نعملُ لكي يصلَ وطنُنا لاستكمال تحرير الإرادة والمؤسَّسات من كل الوصايات وأسباب الهدْر والفساد والإفساد وسنظل متمسكين بمبدأ فصل السُلُطات وتَعاوُنِها حماية وصوناً وتعزيزاً لنظامنا الديمقراطي.
وسنظلُّ نعملُ من أجل استكمال قيام الدولة القادرة والقوية والعادلة، والتي تستطيع تحقيق الأمن، وَمَنْعَ التدخلات، وبسطَ السيطرة والسيادة على سائر أنحاء الأرض اللبنانية.
أيها الأصدقاء من محبي ومقدري سمير قصير،
لا بُدَّ أن يُساق قَتَلةُ الرئيس الحريري، وسمير قصير وجبران التويني وجورج حاوي، والذين حاولوا قتل مروان حمادة والياس المر ومي شدياق، وفجَّروا وقتلوا في أنحاءَ مختلفة من بيروتَ ولبنان، لا بدّ أن يساقوا إلى العدالة ليلقَوا جزاءَهم المُحِقَّ والعادل.
إنّ ما جرى قبل استشهاد سمير قصير وبعده، كان هدفُهُ وما يزال، إفقادَنا الثقة بأنفسِنا ووطنِنا ودولتِنا، وَكَسْرَ إرادتِنا في البقاء وفي الحرية وفي الديمقراطية. إنّ الحياةَ والحريةَ صِنْوان، ولذا فسنظلُّ فوقَ اليأس، وسنعملُ على تضميد جراحِنا بالسعْي الدَؤوب لتحقيق الأهداف التي عمل لها شهداؤنا ومُناضِلُونا، والتي تطلَّع من أجلها شبابُ العرب والعالَم إلينا أملاً وعملاً وخياراً لبلدِنا ومنطقتِنا وكلِّ محبّي الحرية والتقدم.
ليبقَ سمير قصير مثالاً للشجاعة والاستنارة. وليبقَ نُصُبه بجوار شواهدِ شهداءِ لبنانَ الكبار قديماً وحاضراً. ولتبق صحيفةُ النهار مناراً للكلمة الحرة، ولمسؤوليتِها.
نحن إلى جانبِك يا جيزيل وإلى جانب مَيْسا وليانا. نحن إلى جانبك يا نايلة ويا ميشيل ويا غبرييلا وناديا وسهام. نحن إلى جانبك أيها المناضل الكبير غسان تويني.
نحن إلى جانب كل شهداء الوطن والكلمة الحرة وإرادة النهوض وشجاعة التضحية.
أيها الأحبة،
لا عودةَ إلى الوراء، ولا تخاذُلَ أمام المستبدين والانتهازيين وعُتاة المجرمين، ولا تهاون في العمل من اجل تحقيق ترسيخ دور الدولة الآمنة وليس الدولة الأمنية، الدولة التي تحقق تحرير كل الأراضي المحتلة من العدو الإسرائيلي وتبسط سلطتها العادلة على كل الأراضي اللبنانية وتعزز انتماء لبنان العربي ونؤكد احترامه لسيادته وللحريات ولحقوق الإنسان ليبقى لبنان الذي ارتضيناه منارة مضيئة في هذا الشرق.
ليبقَ لبنان، ولتبقَ شجاعةُ شهدائه وتضحياتُهُم مثالاً لأجيال اللبنانيين والعرب الأحرار. عاشت بيروت. عشتم، وعاش لبنان.
الجمعة في 2 حزيران 2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
