كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في مؤتمر بيت مري

-A A +A
Print Friendly and PDF

الصديق الأستاذ جورج عسيلي

رئيس مركز الدراسات اللبنانية بأكسفورد،

الأساتذة والأكاديميون ضيوفاً ولبنانيين،

أيها الأصدقاء والزملاء،

أيها اللبنانيون،

 

 يُشْعِرُ عنوان هذا المؤتمر: كسر الحلقة المفرغة, الحروب الأهلية في لبنان, كأنما النزاعات المسلحة إحدى خصائص هذا البلد. والذي نعرفه جميعاً أنه حتى الستينات من القرن العشرين، كان المثلُ يُضربُ بالبلقان، بلقان القرنين التاسع عشر والعشرين. وذلك استناداً لأمرين: التنوع الإثني والقومي والديني، والصراع السياسي على تلك المنطقة من جانب القوى الكبرى المحيطة مثل الإمبراطورية النمساوية، والإمبراطورية العثمانية، والقيصرية الروسية. كان هذا، كما سبق القول، حتى الستينات من القرن العشرين. ثم نشِب النزاع اللبناني الداخلي والداخلي/ الخارجي في العام 1975، وامتدَّ حتى العام 1990- فَصِرْنا نسمع فعلاً عن اللبننة إلى جانب القبْرَصَة باعتبارهما مَثَلاً للانقسام.

 

 

وقد شغَلتْ مسألة الاضطراب الأهلي والسياسي عدداً كبيراً من الباحثين والسياسيين اللبنانيين، وأصدروا مئات الدراسات عن الطائفية وعن الحروب في لبنان. وسواءٌ أكان هؤلاء من الحزبيين أو الأكاديميين، فإنّ مقارباتِهِمْ لهذه المسألة الخطيرة في تاريخنا وحاضِرِنا توزَّعت على عامِلَين للانقسام: ذهب فريقٌ إلى التركيز على العامل الخارجي، أي تدخلات الجوار الإقليمي أو السياسات الدولية، بينما ركّز فريقٌ آخَرُ على الاختلالات الداخلية أو الفَشَل في إدارة التنوع بالداخل. وحاول فريقٌ ثالثٌ التوسُّطَ بين الأمرين، بالنظر للتجربة التاريخية، فذكر أنّ الاختلالات في إدارة الشأن العامّ، هي التي كانت وما تزال تُمَكِّنُ الخارجَ من التدخُّل لزعزعة الاستقرار. والواقعُ أنّ روّادَ الاستقلال وعلى رأسهم الرجلان الكبيران الرئيس بشارة الخوري، والرئيس رياض الصُّلح انطلقا في ما يبدو من الإدراك الثالث، إذا صحَّ التعبير، حينما تحدَّثَ الميثاقُ الوطني عن لبنانَ المستقلّ ذي الوجه العربي، وعن ترتيباتٍ داخليةٍ تُزيلُ أو تتجاوزُ الخوفَ والغُبْن. فالمقولةُ الأولى في الميثاق كان المقصودُ بها حلَّ مسألة الهوية والانتماء، للشعب والدولة. ولذلك كان لبنان بين الدول المؤسِّسة للجامعة العربية. والمقولةُ الثانيةُ كان المقصودُ بها مشاركةَ سائر الفئات في إدارة الشأن العامّ، بحيث لا انفرادَ ولا تفرُّدَ ولا استئثار، لا في القرار، ولا في الخدمات التي تقدّمها الدولة لمواطنيها. وقد حدث الاضطرابُ فعلاً في ما بين العامين 56 و58 نتيجةَ الصراع على المنطقة في ذِروة توتُّرات الحرب الباردة. فقد رأى فريقٌ أنّ استقلالَ لبنانَ مهدَّدٌ بالزحف الوحدوي العربي، ورأى فريقٌ آخَرُ أنّ هناك تفرُّداً في القرار وانحيازاً إلى الجهات المُعادية للعروبة ولانتماء لبنان.

 

لكنّ باحثين في نزاع العام 1958، لهم احترامٌ وصدْقية كانوا وما يزالون يرون أن الأمور ما كانت لتتردَّى إلى حدّ المواجهة السياسية المسلَّحة لولا طموحُ الرئيس كميل شمعون رئيس الجمهورية آنذاك للتجديد لنفسه من طريق تعديل الدستور، كما حدث في تلك التجربة الفاشلة أيامَ الرئيس بشارة الخوري، وكما حدث ويحدُثُ مع رئيس الجمهورية الحالي، كما نعلمُ ويعلمون! وبذلك تجتمع في إحداث الأزمات بلبنان مسائل وطنيةٌ وخارجيةٌ لكنّ المثيرات الأولى تكون بالداخل غالباً. ففي أزمة لبنان في السنوات الأخيرة تداخلت عوامل الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية مع التنافرات الداخلية والاختلالات في إدارة الشأن العام.

 

أيها السادة، أيها الإخوة،

 

ما أردْتُ هنا القيامَ بمحاولةٍ تأريخيةٍ للنزاعات السياسية في لبنان، وإنما هدفْتُ إلى عرض شكلٍ من أشكال الفهم للتاريخ السياسيّ اللبناني الحديث ومشكلاته، والتي تتركّزُ كما سبق القول في تحقيق الاستقرار السياسي وبالتالي الاجتماعي والأهلي من طريق: علاقات خارجية متوازِنة مع الجوار العربي، وحُسْن إدارة داخلية للشأن العامّ. وقد لا يكونُ مُتاحاً هنا الدخولُ في الأسباب القريبة والبعيدة للنزاع الذي بدأ عام 1975، بيد أنه يمكنُ القول أنّ الصراع اندلع على خلفية التنازع على الدور الذي على لبنان القيامُ به في الصراع العربي الإسرائيلي. وأدَّى التبايُنُ والعجزُ الداخليان إلى تدخلٍ سوريٍ، فاجتياحٍ إسرائيلي، فاصطفافاتٍ سياسيةٍ مسلَّحةٍ، تراجعت وقائعها في الطائف، طائف التسوية السياسية، التي حَسَمَتْ مسألةَ الانتماء، وحسّنتْ من شروط إدارة الشأن العامّ، لكنها ما أدّتْ إلى إزالة الوصاية السياسية والأمنية.

 

لقد اعتقد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أحد الصنّاع الرئيسيين للطائف، أنه يمكنُ الخروجُ من الحروب الداخلية، ومن الصراع على لبنان بحسْم مسألة الانتماء من جهة، وبالشراكة الحقيقية بين الأطراف الرئيسية في البلاد في إدارة الشأن العامّ من خلال مجلسَي النواب والوزراء، حسبما نصّت عليه وثيقة الوفاق الوطني. أمّا الوصايةُ فقد كان الرئيس الشهيد يظن أنه يمكنُ الخَلاصُ منها من طريق إعادة الإعمار، وصعود النموّ الاقتصادي وتوسع جهود التنمية في المناطق، بحيث يقتنعُ النظام السوريُّ بفائدة الشراكة الحاضرة والمستقبلية، من خلالِ لبنانَ المستقلّ والمزدهر، والملتزم بتكاليف وأعباءِ انتمائه، وبالمصالح العليا لشعبه وأمتِه. وقد عرضْتُ في مناسباتٍ عديدةٍ منذ استشهاده رحمهُ الله رأيَهُ ورؤيتَهُ، ونتائجَ تجربتهِ الاقتصادية والسياسية. وخُلاصةُ ما يمكنُ قولُهُ في هذه العجالة أنّ رؤيةَ الرئيس الحريري وعملَهُ معاً، تحقَّقَ من طريقهما الخروجُ من الصراع على لبنانَ انتماءً ودولة، وإعادةِ البناء والنَماء، والتفكير بالمستقبل والاندفاع باتجاهه. كما تحقَّق باستشهاده انحسارُ الوصاية. ونحن نخوضُ اليومَ تجربةَ استكمال تطبيق الطائف, وإرساءَ الأعراف الضرورية للطريقة الجديدة، التي اشترعتْها وثيقةُ الوِفاق الوطني لإدارة الشأن العامّ, والتي تتضمن نشر سيادة الدولة اللبنانية على كامل تُرابها, والإنماء المتوازن, وفصل السلطات وتعاونها, وصون الحريات الأساسية وانجاز التوافقات الكبرى والصغرى بالحوار والتضامن.

 

كل اللبنانيين الآن يَرَوْنَ الاستقلالَ والسيادة. وليس هناك لبناني واحد لا يرى ضرورة العلاقات الجيدة مع سوريا. ونريد جميعاً استكمال تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي. ويشارك اللبنانيون سائر العرب في طلب السلام العادل والشامل. وليس هناك فريقٌ لبنانيٌ لديه بدائل للمشروع الوطني العامّ. وإنما هناك ربما اختلافٌ في وجهات النظر حول طبيعة العلاقات مع سوريا , وفي طريقة وصول الدولة لبسط سلطتها على أرضها, وآليات اتخاذ القرار في المسائل الوطنية الكبرى.

 

وكُلّ هذه الأمور لا تشكّلُ دافعاً للنزاع السياسي أو المسلح. وقد استقر في خبرة اللبنانيين الوعي بأن العنف في المجال الداخلي لا يُكْسِبُ حقاً فضلاً عن أن يحقق امتيازاً لأحد. ولذا فإن ما أعتقده أننا قد تجاوزنا التوترات الناجمة عن الانقسام حول القضايا الكبرى لانتماء المجتمع والدولة. ونحن اليوم سائرون, أو يجب أن نكون سائرين في إزالة العامل الثاني من عاملي الانقسام, وأعني به إدارة الشأن العام. وإذا بردت الرؤوس فإن تجاوز هذا العامل أمر سهل لان أساسيات القضايا فيه ينظمها الدستور, ويؤكدها احترامُ القانون, وتغليب اعتبارات المصلحة العامة.

 

وانطلاقاً من هذا كلِّه واستناداً إليه اتخذتْ هذه الحكومةُ لنفسِها شِعار الإصلاح والنهوض، وعَمِلتْ في الشهور الماضية على التصدي للمشكلات القديمة والمستجدة، وبعضُها سياسيٌّ، والبعضُ الآخَرُ إداري. ومن المشكلات السياسية والإدارية معاً قانون الانتخاب، الذي توصلت الهيئة الوطنيةُ التي شكلناها إلى مشروعٍ بشأنه سوف يُطرحُ للنِقَاش العامّ. وعندنا مشكلاتٌ كبرى في إدارة المرافق العامة مثل الكهرباء والضمان الاجتماعي والقطاع الصحي وغيرها، ولا يعودُ الذنبُ فيها أو المسؤولية الأَوحدية إلى الوصاية، بل لعواملَ متعددةٍ منها مصالح مستقرة لدى البعض نحاولُ معالجتَها جميعاً بالدراسة وبنقد الذات والتجربة، وبالإصغاء لمصالح الجمهور، ورؤيتِه لدولتِه ونظامِه. لا بد أن يتعزز دور القطاع الخاص في شتى المجالات ولا بد أن تنفصل الإدارة عن السياسة. ولا بد أن يعود الاعتبار للكفاءة والأداء وأن يتقدم مفهوم الصالح العام على كل اعتبار آخر. وقد قُمنا بأمورٍ كثيرةٍ جداً لتحريك عَجَلة الاقتصاد، وإيجاد فُرَص ومنافذ وآفاق للنموّ، وللمستقبل الآخَر، سوف تبدو آثارُها في المَدَيين القريب والمتوسّط.

 

أيها السادة، أيها الإخوة،

 

      كان الحسنُ البصري، الفقيهُ البارزُ في القرن الهجريِّ الأول يقولُ لتلامذتِه: احذَروا حصائدَ ألسنتِكم، واحذروا الصوتَ العالي. لا يبدو المشهدُ السياسيُّ في البلادِ زاهياً الآن بسبب ارتفاع الأصوات وتضارُبِها. لكننا بالتأكيد لسنا على مشارف نزاعٍ انقسامي، ولا عودةٍ إلى الوراء بأيِّ معنى لا لجهة التنازل لأي وصاية , ولا لجهة انقسام إدارة الدولة. ولست أرى أن هناك خلافاً على الأمور الأساسية فعندما اجتمعنا في هيئة الحوار توافقنا على قضايا مهمة. وسيظلُّ الحوارُ الوطنيُّ المفتوحُ والساعي للتوافُق رائدَنا.

 

 

      البعضُ متخوِّفٌ من التوتُّر مع الشقيقة سوريا، لكننا متأكّدون من القدرة على حلّ المسائل العالقة معها بالإصرار وبالتكرار وبالوضوح والصراحة. ولا يصحُّ إلاّ الصحيح. والصحيح أنّ لبنان وسوريا دولتان مستقلتان. والسوريون جوارُنا العربيُّ, ولا غنى لأحدِنا عن الآخر.

 

      والبعضُ متخوِّفٌ من التفريط بروح المقاومة والممانعة تُجاه العدوّ الإسرائيلي، وسنظلُّ نتناقشُ ونتحاورُ للوصول إلى منهجٍ مُجْتمعٍ عليه لاستكمال تحرير الأرض، و تأمين حماية البلاد من إسرائيل في المستقبل والتأكيد على أن الدولة يجب أن تكون صاحبة السلطة الوحيدة على كامل الأراضي اللبنانية.

 

      والبعضُ متخوِّفٌ من تعثُّر الدولةِ في بسط سيادتِها على سائر الأرض اللبنانية، ومن وجود أحكارٍ ومُحتَرَزاتٍ وحظائر أمنية وسياسية. ولستُ من أنصار فهم هذه الأُمور في إطار المقولة القديمة للخوف والغُبن. بل إنّ ذلك كلَّه من مواريث المرحلة السابقة، التي بدأت مطالعَ السبعينات. والذي أراهُ أنّ المخرجَ من هذه الأحكار يكونُ بالحوار المستمرّ، لكنْ أيضاً باطمئنان الجميع إلى سلامة ممارسة السلطة والتوافُقات بداخِلِها في المؤسسات الدستورية المنفصِلة والمتعاوِنة. عندما نتحدث عن توسيع مساحة الدولة، نعني بذلك توسيع المشتَرَك الوطني والإنساني. وأرى أنّ أَمْرَ الدولة المدنية عندنا مختلفٌ عن قضاياها في مجتمعات ما بعد الحداثة. هناك يخافون من تغوُّل النظام السياسي على المجتمع، كما في الأنظمة الشمولية، ونحن نقصد من وراء توسيع مساحة الدولة الدخولَ في شراكةٍ مع القوى الجديدة بمجتمعاتِنا والمتمثلة بشباب لبنان. ولذلك فإن قوة الدولة الواحدة هي قوةٌ لعناصر التوحيد في المجتمع المدني. وهي إزالةٌ للجفاء بين النظام والمجتمع وإزالةٌ لسببٍ من أسباب الانقسام.

 

أيها السادة،

 

       إن الحديث عن تطوير علاقة الدولة بالقوى الجديدة في المجتمع هو في الوقت نفسه قراءةٌ لمسار الدولة العصرية, ومنهج لتجاوز الانقسام ومواريثه. نحن نتداولُ في المشكلات وأساليب التصدّي لها من طريق تداوُل السلطة سلمياً، وحُسْن إدارة الشأن العامّ، وترشيق إدارة الدولة, واستحداث شراكة بينها وبين مجتمعها بحيث يعاد فيه الاعتبار لدور القطاع الخاص، وللقطاعات المدنية التي تشكّل ميزاتٍ تفاضُليةً للبنانَ الحاضر والمستقبل. ولا أرى أفضلَ من دستورِنا الحالي سبيلاً للتصدّي للمشكلات. ولو أنه جرى الالتزامُ به لما كنّا نُعاني اليومَ من المشكلة في رأس الدولة، ومن المشكلة في إدارة الشأن العامّ. ولذلك أعودُ للتأكيد على السقف السياسي الذي يحكُمُ عملَنا الوطني للخروج من رِهانات التاريخ، والتعامُل مع إكراهات وضغوط الحاضر: سقْفُنا السياسيُّ هو دستورُ الوِفاق الوطني بالطائف، وعملُنا الدَوؤب لاستشراف النهوض والنموّ والتقدم، مستفيدين من دروس الماضي الإيجابية والسلبية، ومتطلعين إلى المستقبل الذي اعتاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري القولَ عنه: إنّ اللبنانيين قد ينقسمون على الماضي، لكنهم بالتأكيد يُجمعون على المستقبل. والمستقبل هو مستقبل اللبنانيين جميعاً الذين يتشاركون في إدارة شأنهم العام في نظامٍ ديمقراطيٍ شفافٍ ومنفتح, لا تفرد فيه ولا افتئات, ولا داعي للتوتر والتوتير والاستثارة والتحشيد. لست أعرف فعلاً سبباً للخوف أو للغضب أو للإحباط من جانب أي فئة من اللبنانيين اليوم. فنحن قد اتخذنا جميعاً الحوار المفتوح والمتفاعل منهجاً لمعالجة كل المشكلات ويستطيع كل فريق التعبير عن آرائه ومصالحه بطرائق سلمية ومشروعة وفعالة، ومن خلال المؤسسات، وليس في مواجهتِها.

 

أيها الإخوة,

 

      قبل أيام تصادفت ذِكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي، مع ذكرى استشهاد الدكتور سمير قصير. ولا شكَّ أنَّ كلاًّ من المناسبتين تختزن وقائعَ وأحاسيسَ مؤْسيةً وفاجعة، يشهدُ بعضُها للبنانيين أو فريقٍ منهم، ويشهدُ بعضُها الآخَرُ عليهم أو على فريقٍ منهم.

 

      يقول البعض إنّ لبنانَ ليس بلداً فريداً بين الأَوطان، لكنه أيضاً يستحقُّ من بنيه ومن أشقائه وأصدقائه نظرةً أُخرى وعنايةً أُخرى ما حَظِيَ بهما في الغالب لأسبابٍ وعواملَ يتحمَّلُ اللبنانيون بعضَ مسؤولياتِها ولا شكّ.

 

عندما جُلبَ الفقيه عامر بن شراحيل الشعبي إلى القضاء بعد مشاركتِه في نزاعٍ سياسيٍ داخلي أيام الأمويين، سُئل عن حملِه السيفَ ضدَّ السُلُطات فقال: لقد غمرتْنا فتنةٌ ما كنّا فيها بالبَرَرةِ الأتقياء، ولا بالمجرمين الأشقياء! إنّ معنى ما قاله الشعبي أنّ مشاركته في النزاع ما كان لها معنى. أمّا شهادةُ شهدائنا في مواجهة العدو فلها معنىً كبير هو المعنى المركَّب والمعقَّد والعميقُ للبنان، الذي قال عنه البابا يوحنا بولس الثاني إنه رسالة. نحن محتاجون ولا شكّ إلى رساليةٍ في العمل السياسي والوطني، يستحقها وطنُنا، ويستحقها شهداؤه ومناضِلوه. ونحن محتاجون إلى فحصٍ وتفتيشٍ ورَقابةٍ ومحاسبةٍ في الضمائر والمؤسَّسات والمسؤوليات. لو عرف الطائفيُّ المتحمسُ، والمعتدي على الناس والشأن العامّ، والعاملِ ضدّ وطنه، أنه سيلقى حساباً ولو معنوياً، لتردد كثيراً قبل القيام بارتكاباتِه. ولذلك فمؤتمرُكُم هذا مفيدٌ لجهة النظر في المسؤوليات أيضاً.

 

لستُ أرى إذن أنّ النزاعات الأهلية في ديارنا قَدَرٌ لا مخرجَ منه ولا أرى أيضاً أنها سلسلةٌ مقفلةُ الحلقات ويجبُ كَسْرُها. لقد حُسمت مسألتا الانتماء، والدولة المستقلة. ويكونُ علينا العملُ على النجاح في المشاركة في إدارة الشأن العام. لقد تعرضت بلادُنا وبخاصةٍ في العقود الأخيرة لظروفٍ شديدة الصعوبة والتعقيد، ونحن ما نزالُ نخرجُ منها بتكاليفَ وأثمان كبرى. وهذا ما يتطلب منا تبصُّراً ووعياً للاستفادة من تلك التجارب، لأنه ليس بإمكاننا في كل مرةٍ مواطنين واقتصاداً ونظاماً تلك الأثمان الباهظة. ومع ذلك أو من أجل ذلك أعتبرُ هذا اللقاء الدراسيَّ شديدَ الأهمية والحساسية لا لجهة عِبَرَ التاريخ ودروسه، بل لجهة الرؤية المستقبلية للتلاقي والتضامن والتوافُق على حلولٍ للمشكلات دونما حاجة للاستنصار بالخارج العدوّ أو الصديق، على فريقٍ في الداخل الوطني. لا غَلَبَةَ ولا استئثار، ولا استثارةَ للعصبيات من أيّ نوع.

 

أشكر لكم في مركز الدراسات اللبنانية بأكسفورد، عملَكُم الأكاديمي والثقافي الدائم من أجل لبنانَ وسلامِه وحرياتِه ونهوضِه وتقدُّمه. وأشكر لكم أيضاً إقامتكَم لهذا المؤتمر، الذي سيُلقي أضواءَ على الماضي القريب، والحاضر المُعاش.

 

عاشت طموحاتُكُم، عاش وئامُكُم, عاش عملُكُم للخير العامّ.

عشتم وعاش لبنان.

 

بيت مري

الثلاثاء 06/06/2006

 

                                       رئيس مجلس الوزراء

                                       فؤاد السنيورة

تاريخ الخطاب: 
06/06/2006