كلمة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في افتتاح الملتقى الاقتصادي التركي- العربي الثاني اسطنبول- فندق جيلان انتركونتيننتال

أصحاب المعالي والسعادة،
أيها الإخوة والأصدقاء الأعزاء،
يسرُّني أن ألتقيَ اليومَ هذه النخبةَ الطيّبةَ من رجال السياسة والاقتصاد والأعمال الآتين من مختلف أنحاء الوطن العربي والباحثين دوماً عن فرص مؤاتية لتوسيع آفاقهم التجارية والاستثمارية والساعين بدأَبٍ وإبداع إلى إرساء علاقات اقتصادية وتجارية جديدة في كافة أصقاع الأرض. كما تُشرّفني دعوتُكُم لي للكلام في افتتاح الملتقى الاقتصادي التركي- العربي الذي ينعقد للمرة الثانية في ربوع تركيا، باستضافةٍ كريمةٍ من الصديق الأستاذ رجب طيّب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، صديق العرب، صديق لبنان، والصديق الوفي للرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ليس من المستغرب أن يجمَعنا اليومَ بإخواننا الأتراك ملتقىً اقتصاديٌّ مشتركٌ، فلطالما جمعتْنا تجربةٌ تاريخيةٌ طويلةٌ، كان فيها الايجابي والمُشكِل ومن ضمنها العلاقةُ الوثيقةُ التي امتّدت على مدى مئاتٍ من السنين أسهم كلا الطرفين في مآثرها وتعقيداتها، لتنتهيَ بنا إلى علاقات حسن جوار وصداقة ينبغي علينا جميعاً أن نتعهدها بالعناية والسعي المستمر لتطويرها فيما ينفع المجتمعات العربية والتركية. ومؤخراً، ومع تطور الشراكات الاقتصادية وبروز التكتلات الضخمة حول العالم، أصبح من الضروري أن تبحث الدول عن تفعيل علاقاتها بجيرانها وبدولٍ تجمعُها معها قواسمُ أو مصالحُ مشتركة. من هنا، كان الدافعُ والرغبةُ الجامعةُ ما بيننا باعتبارنا دولاً عربيةً من جهة، والعالَم التركي من جهةٍ أخرى، السعْيَ إلى تفعيل العلاقاتِ الاقتصاديةِ المشتركة وإلى تمتين أواصر التعاون على مختلف الصعد بما يخدم مصالح كافة الأطراف.
تجمعُنا بتركيا استراتيجيةٌ واسعةُ الآفاق، مبنيةٌ على التكامل الاقتصادي والتجاري. فمن ناحية، تشكل تركيا أهم مصادر المياه لبلدين عربيين شقيقين وهي سوريا والعراق كما أنها تشكل صلة جغرافية هامة للدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري والنفطي الأبرز لهذه الدول. هذا الأمر يطرح مسألة التكامل ما بين مشروع خط الربط النفطي العربي وخطوط ربط مماثلة تركية لتصل مراكز الإنتاج النفطي والغاز الطبيعي في الدول العربية بالدول المستهلكة في أوروبا بالطريقة الأمثل من حيث السرعة والتوفير. كما يطرح هذا الأمر مسألة الإفادة من عمليات التجارة والترانزيت نحو الدول الأوروبية ومنها، خصوصاً مع استعداد تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي قريباً. ومن ناحية أخرى، فإن تطور ونمو الاقتصاد التركي في الفترة الأخيرة، إضافةً إلى حاجته المتنامية لمصادر الطاقة، قد يشكل دافعاً أساسياً ومهماً في تنمية وتفعيل العلاقات التجارية والاستثمارية ما بين تركيا والدول العربية، في وقتٍ لم تستطع الروابطُ التاريخيةُ والجغرافيةُ تحقيقَ هذا الأمر بكفاءة طوال السنوات الفائتة. ولهذه الغاية، نحن بحاجة إلى تطوير اتفاقات تجارة حرة ما بيننا من أجل تنمية التبادل التجاري. إنّ تحقيقَ هذا الهدف يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف التي تمر بها بلداننا واقتصاداتها بما يؤمن انتقالاً تدريجياً وسليماً نكون قادرين عليه بما يؤدي إلى التوصل إلى فتح الأسواق بين بلداننا. من جانب آخر نحن بحاجة أيضاً إلى التعرف إلى الفرص الاستثمارية التركية من أجل جذب الاستثمارات العربية، والتي تضاعفت قدرتها في الفترة الأخيرة نتيجةً للوفرة التي سبَّبها ارتفاعُ أسعار النفط، إلى المشاركة في مشاريع الربط والترانزيت والخصخصة والتطوير الجارية على قدمٍ وساقٍ في تركيا الآن.
ولتحقيق هذه الغاية، يتوجب علينا في بادئ الأمر أن نكثف جهودنا وأن نعمل بشكل جاد وسريع من أجل إلغاء الحدود الاقتصادية بين الدول العربية كافة. وينبغي أن يجري ذلك عبر إزالة الحواجز والعوائق القانونية والإدارية أمام التجارة البينية، فاتحين المجال أمام القطاع الخاص ليعمل على إرساء الأسس السليمة للتكامل الاقتصادي العربي أولاً، ومنه الانطلاق إلى التفاعل والتكامل التجاري والاقتصادي مع الدول الأخرى، وأولُها جارتنا تركيا. فالقطاعُ الخاصُّ الذي بات يسهم إسهاماً كبيراً بجعل تركيا تتمتّع بأحد أفضل معدّلات النمو الاقتصادي في العالم مع الحفاظ على الاستقرار النقدي، قد يكون المحرّك الأنسب لإرساء الأسس السليمة للتكامل التجاري والاقتصادي ما بين الدول العربية وتركيا وفقاً للقدرات التنافسية والميزات التفاضلية لكل دولة، ولمجتمعات الأعمالِ والتجارةِ فيها.
أيها السيدات والسادة،
يخوض لبنان في هذه المرحلة تجربة حديثة في إعادة إحياء مبادئ الديمقراطية والانفتاح والتنوع في بلد صغير بحجمه، لكنه كبير بأبنائه وطموحاتهم وبتأثيره الإقليمي والعالمي. وهي أسفرت حتى الآن عن إنجازات هامة وأساسية على طريق سعينا لبناء لبنان الذي نريد، بلداً يستكمل تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي وينسج علاقات أخوة وتعاون مع جميع أشقائه العرب وفي مقدمهم سوريا ومع أصدقائه في العالم, تكون مبنية على الاحترام المتبادل. بلداً أثبت لأشقائه وأصدقائه انه قادر على أن يحكم نفسه بنفسه ويسوده الاستقرار والديمقراطية و يسعى إلى تحقيق المزيد من الازدهار.
كذلك يخوض بلدنا تجربةً طَموحةً في مواجهة للتحدي الأساسي الآخر والذي يتمثل في خطته للإصلاح المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي. فعقب ثلاثين عاماً عانى منها لبنان واقتصاده ما عاناه من حروب دمار واحتلال إسرائيلي وتهجير وخسارة كبيرة للفرص المتاحة وتواكل عما درج عليه لبنان من تمتعه بقدرة فائقة على التلاؤم والتفاعل مع المتغيرات. يهدف هذا البرنامج إلى تحقيق إصلاحٍ اقتصادي مؤسساتي إداري اجتماعي شامل يفعّل طاقات الاقتصاد الوطني ويعيده إلى مساره السليم كما يساعد في تخفيض عبء خدمة الدين عبر وضع كتلة الدين العام في منحى تنازلي.
أيها الإخوة،
لقد تقلّصت مسافاتُ العالم إلى قريةٍ كونيةٍ واحدة، ولا يمكنُ لأحدٍ بعد الآن أن يزعم انه معزول عن العالم أو لأي بلد أن يعتبر نفسه بمنأى عن التطورات خارج حدوده. فبالنسبة لبلد صغير المساحة كبلدنا، يتمتع بدرجة عالية من الانفتاح والتنوع، وفي منطقة تحفل بالكثير من القضايا والمسائل المعقدة والشائكة, غالباً ما يكون تأثير التطورات في المنطقة من حوله كبيراً. إلاّ أنه صحيحٌ أيضاً أنه يمكن لتأثير الاحداث في لبنان أن يتعدى حدوده ويكون له وقع كبير على الآخرين في المنطقة. لذلك نعتبر أننا إذا نجحنا في إعادة بناء ديمقراطيتنا والتأكيد على حرياتنا وسيادتنا، وإذا تجاوزنا خلافاتنا من خلال الحوار والتعايش السلميين، وإذا تمكنّا من بناء مؤسسات فاعلة وأعدنا الأهمية لمعايير الفعالية والكفاءة والاستحقاق، وإذا أنجزنا إصلاح مؤسساتنا الأمنية التي تؤمن الحماية لحياة الناس وحرياتهم، وإذا استطعنا إصلاح اقتصادنا ورفع مستوى معيشتنا وخلق فرص العمل وإحياء الأمل في المستقبل لدى شبابنا وفي منع أن تتحول بلادنا ملاعب لطموحات أو لخلافات الآخرين، فإننا سنعطي المثل القوي والصالح لمنطقتنا التي تتوق شعوبُها إلى الاستقرار والنمو والازدهار والحريات السياسية والانفتاح على العالَم.
أيها الإخوةُ والأصدقاء،
إنّ هذه المنطقةَ، ذاتَ الأهمية الاستراتيجية الفائقة للعالَم كلِّه تفتقرُ للأمن والاستقرار. فمنذ الحرب العالمية الثانية ما شهدتْ منطقتُنا مثلَ هذا الحَشْد من الجيوش والأساطيل الأجنبية، فضلاً عن استمرار المشكلة الفلسطينية وتفاقُمِها، واحتلال العراق، وتعدُّد النزاعات السياسية، ونشوب المواجهة بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة أولى، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، من جهةٍ ثانية، بشأن الملفّ النووي. والذي أراهُ أنّ تلك المشكلات التي تُخَرّب البلدانَ والعُمران، وتتسبَّبُ في سقوط آلاف القتلى، وانتهاك حقوق البشر وإنسانيتهم، تقعُ في جانب هام منها في أصل مشكلتِنا ومشكلة العالَم مع التطرفَين الديني والسياسي. ولا أستطيعُ تصوُّرَ علاقاتٍ سليمةٍ وصحيّةٍ بيننا وبين العالَم، نحن العربَ والأتراك، دونما إقبالٍ من النظام الدولي، ودُوَل الجوار الأوروبي، على تعاوُنٍ أكبر في إنفاذ القرارات الدولية بشأن فلسطين. ذلك يعني تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على أرضه واحلال السلام العادل والشامل المنطلق من والمستند إلى تلك القرارات الدولية واتفاق مدريد ومبادرة القمة العربية للسلام في مؤتمر بيروت. كذلك تحرُّر العراق والحفاظ على وحدتِه، ومساعدته على استعادة استقراره والعودة الى التأكيد على نسج علاقات سوية وصحية بين الدول العربية وتركيا وايران. كذلك فإن لنا جميعاً مصلحةً في خُلُوّ منطقتِنا من أسلحة الدمار الشامل، ومصلحةً في التطور والتطوير الديمقراطي، ومصلحةً في إدارة شأننا الأمني العامّ بالتشارُك والتضامُن دونما هيمنةٍ أو تبعية.
أيها الإخوة،
ما كان ملائماً ولا مقبولاً أن يتحول الإسلامُ الحنيفُ إلى مشكلةٍ عالمية. لقد أدَّت ظروفُ الاصطفاف في الحرب الباردة، وقيامُ الأنظمة الشمولية، إلى ظهور مُشكلاتٍ بين الدين والدولة، جرى فهمُها خطأً في سياق التناقُض بين الدولة المدنية والدولة الدينية. ثم إنّ الإحيائيةَ الدينيةَ في العالَم الإسلامي، ظهرت فيها أيضاً تياراتٌ متطرفةٌ وأُصوليةٌ، أسهمت إلى جانب متغيرات العولمة والحساسيات الثقافية الجديدة في بلدان العالَم المتقدّم، وفي المشهد الآسيوي الأَوسع، في انطباع يتعلق بتحويل الإسلام كما سبق القول، إلى مشكلةٍ عالمية، خالطتْها رهاناتٌ كثيرةٌ، من أجل عَزْلِنا أو لنتنكَّرَ لانتمائِنا وتاريخنا.
نحن محتاجون إلى نهوضٍ ثقافيٍ وفقهيٍ ودينيٍ يُنتجُ رؤيةً جديدةً للعالَم في مجالِنا الحضاري. لا نريدُ نحن المسلمين أن نُخيفَ العالَم، ولا أن نخافَ منه. والعمل على ذلك يبدأُ من عندنا، وبالشجاعة التي عرفتْها أمتُنا، وروح السماحةِ التي عرفتْها حضارتُنا. فقد اعتبر القرآن الكريم أنّ العلاقات بين الناس شعوباً وقبائلَ تقوم على التعارف، أي الاعتراف المتبادَل. وقد حدثت افتراقاتٌ وتجاذُباتٌ بين الدين والدولة، وبيننا وبين العالم المعاصر عانينا منها في العالمين العربي و الإسلامي طوال نصف قرن من الزمان. ونحن مهتمون بعلاقاتٍ أُخرى بعالم العصر، تقوم على رؤيةٍ منفتحةٍ ومبادرةٍ مع البشرية وقيمها الكبرى، وليس على الصراع والصِدامات والفساطيط المتنافرة، كما يزعُمُ بعضُ أصوليينا، وبعضُ القائلين بصراع الحضارات، وحروب الأفكار من الغربيين.
نحن محتاجون إلى علاقةٍ جديدةٍ أو متجددةٍ بين الدين والدولة، قائمة على التفهُّم والمُصالحة، وليس على النفي المتبادَل أو محاولاتُ الإلغاء المتبادَل. والتجربةُ الجاريةُ، والخبرةُ المستفادةُ لدى إخواننا في تركيا تصلُحُ مَثَلاً للإمكانيات والفُرَص الكبيرة للتصحيح في ظلّ التطور المدني والديمقراطي.
إنّ لنا نحن العربَ والمسلمين مصلحةً كبرى في نجاح تجربة المصالحة بين الدين والدولة في تركيا. كما أنّ لنا مصلحةً كبرى في نجاح تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي. ولنا نحن العرب خاصةً مصلحةٌ كبرى في الحضور التركي القوي والفعّال والبناء في منطقة الشرق الأوسط، من أجل التوازُن والتعاون والتضامن والرحابة والاستقرار والديمقراطية بما في ذلك ايجاد منطقة تعاون اقتصادي.
لدينا المسؤولية وكل المصلحة للعمل ضد قوى التطرف واليأس التي أساءت إلى سمعتنا ومصالحنا في العالم. ولهذه الغاية، علينا معالجة الأسباب الكامنة وراءها عبر العودة إلى المبادئ الحقيقية للاعتدال والتسامح التي ميزت منطقتنا والأديان التي انبثقت منها. وأنا على يقين أننا كلّنا، حكوماتٍ وشعوباً تسعى إلى تحقيق هذا الهدف المشترك، مسؤولون عن العمل على تلبية تطلعات شعوبنا عبر الانفتاح والتعاون المشترك والتكامل بعضِنا مع بعض ومع جيراننا، وذلك للتكيّف مع عالم سريع التغيير.
أيها الإخوة،
إن وجودكم اليوم في هذا الملتقى الاقتصادي التركي – العربي لاستطلاع مجالات التعاون والتفاعل والتكامل ما بين الدول العربية وتركيا الصديقة والجارة الاستراتيجية، هو تأكيدٌ جديدٌ على وعيكم لأهمية التحديات التي تُواجهُ مستقبلَ شعوب واقتصادات دول المنطقة. أشكر مجدداً الأخ والصديق دولة الرئيس رجب طيب أردوغان كما أشكر للحكومة التركية ولرجال الأعمال الأتراك وللأستاذ رؤوف أبو زكي ومجلة الاقتصاد والأعمال، تنظيمَهُم للملتقى الثاني هذا، على طريق النجاح والتعاون والتضامن. والله وليُّ التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اسطنبول- فندق جيلان انتركونتيننتال
الخميس في 8 حزيران 2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
