كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في احتفال إطلاق اسم مستشفى رفيق الحريري الجامعي على مستشفى بيروت الحكومي

أيها السادة الأفاضل،
أيها الإخوة،
أُقدّرُ لكم ما اقترحتموه عنواناً وهَدَفاً لهذا الاحتفال، أي إطلاق اسم الرئيس الشهيد رفيق الحريري على مستشفى بيروت الجامعي. إن هذا لا يعودُ فقط الى الدور الكبير والكبير جداً الذي أدّاه الرئيس الشهيد في النهوض الوطني، ونهوض بيروت؛ بل وبسبب اهتمام الرئيس الحريري الخاصّ بمستشفى بيروت؛ منذ وضع له حجر الأساس في خريف العام 1994 وما قبل ذلك، ومن ثم بعد مُغادرتهِ رئاسةَ حكومته الخامسة وحتى يوم استشهاده.
منذ مطلع الثمانينات ركّز الرئيسُ الشهيد اهتمامه وبشكل أساسي على أمرين اثنين لمكافحة الحرب والدمار، وهما التعليمُ والصحة. وهو عندما كان على مشارف تأسيسه لمؤسسة الحريري، قال لي: إنّ الحربَ توشكُ أن تَُقفلَ مدارسَ لبنان وجامعاتهِ، وأن تدفعَ بموجةِ هجرةٍ كبيرةٍ إلى الخارج من شباب لبنان؛ طلباً للعلم وتدفع آخرين أيضاً إلى الهجرة قلقاً نتيجة الحاجات الصحية المتفاقمة للمواطنين بسبب عدم المواكبة للتطورات العلمية والتكنولوجية الحاصلة. وكانت إجابته العملية على هذين التحديين الكبيرين المبادرة إلى إقامة منشآت كفرفالوس الصحية والجامعية الضخمة والمتقدمة، وإنشاء مؤسَّسة الحريري التي صانت أيضاً العديد من المؤسسات التربوية العريقة والتي كانت مهددة بالإقفال من جهة، وصانت شباب لبنان وطاقاته وطورتها وفتحت لهم آفاقاً واسعة في الداخل والخارج من جهةٍ أُخرى.
ونعرفُ جميعاً ما تعرضت له منشآت كفرفالوس من خراب وتدمير، بيد أنّ إيمانَه بلبنان وبعزيمة اللبنانيين وإرادتهم لم تضعف بل استمر يصارع الخوف بالإيمان، والتحدي بالإقدام، والدمار بالعمار، والانغلاق بالانفتاح والاعتدال، وما كان إقدامه على المبادرة بإنشاء هذا المستشفى وإنشاء الحَرَم لكليات الجامعة اللبنانية إلا تعبيراً عن إيمانه بمستقبل لبنان وبمستقبل شبابه.
لذلك فإن هذا المستشفى الجامعيَّ بالذات بالإضافة الى المدينة الجامعية لكليات الجامعة اللبنانية، التي وُضِعَ حجرُ أساسها مثل المستشفى في الفترة نفسها تقريباً؛ كان لهما وَضْعٌ خاصٌ لدى الرئيس الشهيد. ففي تلك المناسبة تطرقَ الشهيدُ إلى المسألة الاجتماعية والعدل الاجتماعي وهو كان شديد التحسس والإدراك لتلك المسألة البالغة الحساسية والدقة وبضرورة المبادرة إلى التصدي لها من طريق النمو والتنمية والتزود الصحيح والكفء بالعلم وبالمهارات التي تتيح للشباب اللبناني واللبنانيين جميعاً الاستفادة وفتح الآفاق والفرص المستجدة. كان يشعُرُ أنّ الجامعة اللبنانيةَ، إذا أُديرتْ جيداً، واستقامت أوضاعُ مؤسساتها الفرعية؛ فإنها حَريةٌ أن تُصبح أساسيةً في إيجاد التوازُن الاجتماعي، وفي تحقيق مبدأ تكافؤ الفُرص، ومبدأ العدل الاجتماعي. ولذلك فقد احتلّت هذه المؤسسةُ حيّزاً كبيراً من رؤيته للمسألة الاجتماعية، ولمستقبل التعليم في لبنان.
لقد كافحت مؤسسةُ الحريري وبتوجيه يومي منه، كافحت الحرب، وأنجزت تقدماً نوعياً في إبراز كفايات الشباب اللبناني، وفي ردْم الهوة بين الغني والفقير لجهة حق كل فرد لبناني في تلقي العلم المتلائم مع حاجات العصر والاقتصاد حيث نجح هو في تمكين أبناء الفقراء ومتوسطي الحال من الجلوس معاً وإلى جانب أولاد ميسوري الحال على مقاعد الدراسة في أحسن الجامعات؛ استناداً إلى الكفاءة والتميز وحدهما. ولكي يتحول التوازُنُ الذي أحدثتْهُ مؤسسة رفيق الحريري رحمه الله، إلى سياساتٍ استراتيجية ؛ كان لا بد من النهوض بالتعليم العامّ، ولا بد من النهوض بالتعليم العالي من خلال الجامعة اللبنانية، دون أن يؤثّر ذلك على حرية التعليم، وعلى تعديد الخيارات أمام الطلاب بحسب قُدُراتهم المادية، وقُدُراتهم الذهنية. وكان من ضمن رؤيته لحلّ مُشكلات الجامعة اللبنانية : بناء حَرَم جامعي جديد لها، بعد أن حُرمتْ منهُ منذ قيام أولى كلياتها مطلعَ الخمسينات من القرن الماضي، وبناء مستشفى حديث لأبناء بيروت والمناطق المجاورة، يكونُ في الوقتِ نفسه بيئةً لتدريب طلاب كلية الطب بالجامعة اللبنانية.
ولا أعرفُ مشروعاً من مشاريع الورشة الإعمارية الكبيرة التي أطلقها الرئيس الحريري، قاسى منه ما قاساهُ من مشروع المستشفى، ومشروع مدينة الجامعة اللبنانية، من ضغوط وتعقيدات وذلك من أجل ضمان تقدم العمل في إنشائهما وفي ضمان فرص نجاح إدارتهما في إطلاق العمل بهما لكي تكونا مؤسستين رائدتين تشجعان على التميز والنجاح.
أيها الأصدقاء، أيها الأطباء،
أيها العاملون والعاملات في جهاز المستشفى،
لقد رمَّمت الدولةُ اللبنانية في حكومات الرئيس الحريري معظم مستشفيات القطاع العامّ، وأعادت تجهيزها جزئياً أو كلياً، كما أنشأت مستشفياتٍ جديدةً ومنها هذا المستشفى. وفعلت الشيءَ نفسه في ما يتعلقُ بالمدارس وبالجامعة اللبنانية من ترميمٍ وإصلاحٍ وزيادة عددٍ وفعالية، وتحديثٍ للبرامج، وربطٍ وتعزيزٍ للصلات بين هذه المؤسسات وبين العالم من حولنا.
ولقد كان الرئيس الحريري عظيمَ العناية بمستشفى بيروت بشكلٍ خاصّ. وقد سُرَّ سروراً كبيراً عندما انتهى تجهيزه. فقد قال في حفل وضع حَجَر الأساس السالف الذكر : لقد كان إنشاءُ هذا المستشفى حُلُماً، وبرزتْ في وجهه صعوباتٌ وعوائق، ذلَّلَتْها إرادةُ الحياة التي ستبقى لها الغَلَبةُ في ما نفعلُ ونبني.
نعم إنها إرادةُ الحياة التي نصرها رفيق الحريري فينا، ولن نتخلى عنه ولا عنها، أياً تكن العقبات.
لقد كان الحريريّ رجلَ الالتزام بالشأن الاجتماعي والتعليمي والخيري، ورجلَ الالتزام بالشأن الوطني والقومي، وهو ستسُرُّهُ رحمه الله، في ما أعتقد، هذه البادرةُ من بوادر الوفاء والتقدير. فهذا بعضُ مالَهُ على بيروت، وما لبيروتَ عليه. ثم إنه رحمهُ اللهُ كان يسُرُهُ الارتباط بالفقراء وبمتوسطي الحال وقضاياهُم، ويُراهنُ على أنه من الممكن رعاية الشأن الاجتماعي، وفي الوقت نفسه الاعتماد في النمو والتنمية على اقتصاد السوق، وعلى مبادرات القطاع الخاصّ، وعلى تمكين اللبنانيين من التلاؤم مع حاجات ومتطلبات المستقبل.
أيها السادة
أمامنا فُرصةٌ للإفادة من رؤية الحريري وتجربته. وأمامنا فرصةٌ للإفادة من ثمراتِ عمله وتطويرها. يبد أنّ الإفادة الأكبر للوطن والمواطن هي في تلك الشمولية التي تمّيَزَ بها الرئيس الحريري على مستوى الرؤية والعمل، وفي ذلك الإيمان المنقطع النظير بلبنان واللبنانيين، والثقةَ بأنّ وطنَهُ ومُواطنيه سينتصرون على كلّ الصعوبات- والأمر الآخر ذلك التصميمُ الذي لا يتزعزع على النهوض الاعماري والاقتصادي والسياسي والتعليمي ونحن نعلم جميعاً الخطوات الواسعة التي قطعها الوطن وقطعها المواطنون استناداً إلى رؤيته ومساعيه وإدارته، رحمه الله.
لقد عانى الرئيس الحريري كثيراً وصَبَرَ كثيراً من أجل تحقيق حلمه وحلم أهالي بيروت واللبنانيين في إنشاء مستشفى بيروت الجامعي بالذات وأنتم إذ تُطلقون اسم رفيق الحريري عليه اليوم، يكون من حقه عليكم وعلينا العنايةُ بالإدارة، وبالشفافية، وبالتخطيط والإعداد المستقبلي، في المستشفى، وفي سائر مؤسسات ورشة الحريري الإعمارية التي جدَّدت العمران والإنسانَ في لبنان لكي تصبح هذه المؤسسات نموذجاً للإنجاز وللتميز.
ليبقَ رفيق الحريري وعملُه. وليرحمْهُ اللهُ جزاءَ ما قدَّم بدوافعَ خيرية ووطنية وقومية. لن ننساك يا أبا بهاء، لن ننسى وداعتَك، ولن ننسى إنسانيتك ولن ننسى اندفاعك ومبادرتك، ولن ننسى وطنيتك وتضحياتك. وستبقى جميعها أمثولةً يتناقلُها الأحفادُ عن الأجداد.
عاش رفيق الحريري فينا، عشتم،
عاشت بيروت، وعاش لبنان.
مستشفى بيروت الجامعي الحكومي
الأربعاء في 21 حزيران 2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
