(كلمة لم تُلق- إلقاء كلمة مرتجلة) كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في افتتاح المؤتمر الرابع لفرص الاستثمار في لبنان

أيها السيدات والسادة،
يسعدني أن أفتتح اليوم أعمال مؤتمر ومعرض "فرص الاستثمار في لبنان (Business Opportunities in Lebanon)" الذي تنظمه مجلة Lebanon Opportunitiesبنجاح كبير للسنة الرابعة على التوالي. ويسرّني أن يكون هذا الحدث قد ملأ فراغاً هاماً لدينا في لبنان، ألا وهو الجمع تحت سقف واحد ما بين المستثمر ومؤسسات التمويل والاقراض التي تبحث عن فرص مناسبة لتوظيف أموالها من جهة، وما بين أصحاب الأفكار المبتكرة والمشاريع الطموحة التي تنتظر مجالاً أو فرصة سانحة لتبصر النور، أو مع ممثلي الشركات التي تبحث عن مصادر تمويل جديدة لخططها في التوسّع والتطوّر.
إنّ نجاح هذا الحدث مثالٌ جديد وجيد على ديناميّة وفعالية القطاع الخاص في لبنان، وريادتِه في مجال التطوير والتنمية الاقتصادية، وهذه خاصّةٌ فريدةٌ وشديدةُ الأهمية في اقتصادنا. فبروح المبادرة لديه وبالشجاعة والإقدام، وبالرغبة في التطور ومجاراة العصر إضافةً إلى القدرة الكبيرة على التلاؤم والتفاعل مع المتغيرات، أدَّى القطاع الخاص اللبناني دوراً رئيسياً في المحافظة على صمود الاقتصاد رغم كل الصعاب والعراقيل والأعباء ومحاولات التفشيل. كذلك نجح هذا القطاع في بعث الحياة واستمرارها في مجال الأعمال حتى في أصعب المراحل والأوقات التي مررنا بها في السابق. وهذا الأمر هو مدعاة فخر واعتزاز لنا جميعاً، كما أنه يستحق التقدير من قبلنا كمسؤولين وقيّمين على الدولة. فلعلّ حيويته ما تزالُ السبب الأبرز في استمرار ثقة المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل العالمية بقدرة لبنان على تخطي مشاكله الاقتصادية. هذا بالرغم من دقّة المرحلة الراهنة وخطورة انعكاساتها وتداعياتها على لبنان ودوره في المنطقة وعلى مستوى ونوعية عيش اللبنانيين إذا ما استمرت الأمور على حالها وطالت حالة المراوحة دون المبادرة إلى القيام بالإصلاحات البنيوية التي تحتاجها وفي القريب العاجل.
إنّ أهميةَ لبنان الاستراتيجية الإقليمية لا تزال تكمن في نظامه الاقتصادي الحر ونظامه السياسي القائم على صَون الحريات العامة، وحُكْم القانون مما يجعله مؤهلاً لأن يستمر في لعب دور النموذج الذي يمكن أن يحتذى به في المنطقة العربية في مجال الانفتاح والتفاعل الإيجابي مع تطورات العصر، وخصوصاً لجهة محافظته على قيم الاعتدال والتسامح في وجه التطرف والتقوقع والانعزال الذي مازالت تعاني منه منطقتنا بشكل كبير ولاسيما في الفترة الأخيرة.
أيها السيدات والسادة،
مما لا شك فيه أن معدلات الاستثمار ونوعيته وقابليته للاستمرار، تعتمد اعتماداً وثيقاً على وجود بيئات سياسية ومؤسساتية واقتصادية ملائمة. ومن هنا فإن جهود الحكومة في تعزيز مبادئ الديمقراطية وفصل السلطات وحكم القانون وسيادة الدولة تصب أيضاً وبشكل أساسي في تحقيق آمال اللبنانيين في اقتصاد أكثر ازدهاراً، يتيح فرص عملٍ جديدة لعشرات الألوف من الشباب والشابات، ويحقّق مستوىً معيشياً جيداً، يتلاءم مع قدرات اللبنانيين وطموحاتهم.
أيها السيدات والسادة،
لقد قامت الحكومة بتضمين برنامجها عدة إصلاحات بنيوية من شأنها تعزيز النمو عبر تدابير متعددة على صعيد إصلاح الاقتصاد الكلّي وإصلاح الإدارة والعمل على تحفيز القطاع الخاص. وأهم تلك التدابير التي تتابع الحكومة جهودها في سبيل اعتمادها تقضي بمعالجة أوضاع المالية العامة عبر إعادة التوازن لموازنة الدولة وخفض عبء خدمة الدين العام إلى مستوى مقبول ومستدام ومعالجة المشكلة المستعصية للدين العام، وتحسين المُناخ الاستثماري العام عبر اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لإعادة تفعيل دور القطاع الخاص، وتطوير الأسواق المالية، وتخصيص عدد من القطاعات الاقتصادية كقطاعات الاتصالات والطاقة وبما في ذلك بيع عدد من المؤسسات التي أصبحت في ملكية القطاع العام كشركة طيران الشرق الأوسط وشركة إنترا المالكة لمعظم أسهم لكازينو لبنان، وهذه أمورٌ من شأن تحققها الإسهام في خفضَ كُلْفة الخدمات وتحسينَ نوعيتها وتوسيعَ نطاقها إضافةً إلى إعطاء دفع للنمو الاقتصادي ولاسيما في المجالات المبنية على اقتصاد المعرفة وتفعيلِ مشاركة القطاع الخاص في ملكية هذه الخدمات.
وفي الإطار عينه، تشدد الحكومة في برنامجها الإصلاحي على تدابير أخرى من شأنها تحسينَ بيئة الأعمال ودعمَ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. كذلك تتركز الإصلاحات المقترحة في السعي لخفض كلفة ممارسة أعمال في لبنان بواسطة عدة تدابير أهمها:
أولاً: خفض الحد الأدنى لمبلغ رأس المال المطلوب وكلفة التسجيل للشركات.
ثانياً: تقصير المدة اللازمة للحصول على رخصة تأسيس شركة وخفض كلفة التأسيس والإقفال.
ثالثاً: تحسين القدرة على الاقتراض، وهذا عائق غالباً ما تتذمر منه المؤسسات في لبنان، وذلك عن طريق مراجعة نظام دعم معدلات الفوائد لأغراض الاستثمار الإنتاجي، وعبر تعزيز دور مؤسسة كفالات والتشجيع على إنشاء شركات برساميل مخاطرة (Venture Capital).
رابعاً: تبسيط إضافي في الإجراءات الضريبية وخفض عدد الضرائب والرسوم المستقلة.
خامساً: تسريع الإجراءات الخاصة بتخليص البضائع المستوردة، وذلك باتخاذ تدابير عديدة منها زيادة المكننة في مرفأ بيروت، والإقلال من التعامل المباشر مع موظفي الجمارك، وزيادة استخدام تقدير المخاطر في إجراءات التفتيش. وفي هذا الصدد، فإن استحداث المركز الموحّد للتفتيش في مرفأ بيروت يمكنه أن يضمن الرقابة التقنية على الصادرات بما يسهم أيضاً في خفض الكلفة وتسريع عملية التصدير.
سادساً: التشجيع على القيام بتطوير مستمر لميزات لبنان التفاضلية والكامنة أساساً في نظامه الاقتصادي والسياسي القائم على الانفتاح والمبادرة الفردية.
سابعاً: مراجعة تشريعات نظام العمل الحالية لإتاحة مزيد من المرونة في عمليات التوظيف والتسريح وفي عقود العمل، وإصلاح نظام تعويضات نهاية الخدمة.
ثامناً: تدعيم إجراءات تنفيذ العقود القانونية وتقصير مُهَل التنفيذ، وذلك بزيادة عدد القضاة وعدد المكاتب والغرف في المحاكم، وتحسين تدريب موظفي المحاكم، وإنشاء محاكم للديون الصغيرة دون حق الاستئناف وزيادة مجالات اللجوء إلى عمليات التحكيم باعتبارها كوسيلةً عمليةً وسريعة لفض المنازعات التجارية.
كذلك، تقوم الحكومة باعتماد خطوات أخرى من شأنها تدعيم الإصلاحات الهادفة إلى تحسين بيئة الأعمال، ومنها:
- إصدار قانون منافسة حديث وإلغاء الحمايات المصطنعة التي تحد من المنافسة وصولاً إلى الإلغاء التدريجي لحقوق الوكالات الحصرية، مما يقلص الاحتكارات ويعزز المنافسة ويخفّض الأسعار.
- اعتماد قانون التجارة الالكترونية وإنشاء مراكز لتطوير الأعمال كوحدات حاضنة للمؤسسات الجديدة الصغيرة والمتوسطة الحجم تساعدها على مباشرة أعمالها.
- إصدار مشروع القانون الجديد للتأمين لتنظيم هذا القطاع ومراقبته، واجتذاب مستثمرين جدد إليها.
- استمرار العمل على إصلاحُ السوق المالية وتحسين عمل بورصة بيروت وزيادة نشاطها واجتذاب مستثمرين جدد إليها وتأمين مصادر تمويل جديدة متطورة، وقد تم إقرار عدد من القوانين في هذا الإطار كقانون التسنيد وقانون صناديق الاستثمار
- استمرار العمل على إصلاح الإدارة العامة ومكافحة الفساد عبر عدد من التدابير والقوانين الحديثة مثل قانون المناقصات العامة الجديد الذي يراعي المعايير الدولية خصوصاً من حيث ضمانُ الشفافية واعتماد أساليب جديدة في التعيينات للمراكز القيادية وذلك من خلال التأكيد على إيلاء الأكفاء مسؤولية إدارة الشأن العام وذلك عبر الالتزام بمعايير ديمقراطية الجدارة في التوظيف وفي مراقبة وتعزيز مستويات الأداء.
كلّ هذه القوانين والإجراءات التي تقوم بها الحكومة من شأنها تحسينَ القدرةِ التنافسيةِ للاقتصاد اللبناني، وزيادة الإنتاجية في القطاعين العام والخاص، وترشيق القطاع العام، وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص في الاقتصاد وتمكين المواطن من الإسهام في المؤسسات التي يجري تخصيصها، إضافةً إلى تشجيع التصدير وخلق فرص عمل جديدة وتعزيز النمو المستدام وتوسيع رقعة التنمية في المناطق. ولمّا كانت كلفةُ الإنتاج في لبنان، بالمقارنة مع بلدان أخرى، تبدو مرتفعة وهي بذلك تؤثر سلباً في قدرة المنتجات اللبنانية على دخول أسواق بلدان المنطقة والبلدان الأجنبية والمنافسة فيها، بات من الضروري أن تعمد الحكومة إلى اتخاذ سلسلة تدابير تهدف إلى تخفيض كلفة الإنتاج الناجمة في قسم منها عن ارتفاع كلفة التزود بالطاقة الكهربائية، وهو أمر تضعه الحكومة في أولوياتها الإصلاحية عبر معالجة المشكلة المستعصية والمكلفة التي يعاني منها قطاع الكهرباء في لبنان. هذا بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الاتصالات، التي بادرت الحكومة مؤخراً إلى تخفيضها بشكل كبير وهو ما سيكون له انعكاساتٌ إيجابيةٌ كبيرةٌ. كذلك معالجة التعقيدات الناجمة عن الإجراءات الإدارية التي تضغط على التكاليف بشكل مفرط وتنال من القدرة التنافسية لاقتصاد البلاد ومؤسساته، والتي ستشملُها الإصلاحات الإداريةُ المرتَقَبة.
أيها الإخوة والزملاء،
لطالما كان القطاعُ الخاصُّ اللبنانيُّ السمةَ الأبرز في اقتصادنا، والمحركَ الأساسيَّ للعَجَلة الاقتصادية وباعثَ النمو وصانع التطور وخالق فرص العمل الجديدة. وشباُبنا المثقفُ اليومَ هو بحاجة لوجود فرص عمل على مستوى طموحاته وتطلعاته في وطنه حتى لا يُضطرَّ إلى الغربة والهجرة القسرية بحثاً عن لقمة عيشٍ كريمةٍ لا يستطيعُ وطنُهُ تأمينَها له في الوقت الراهن، ولن يستطيع تأمينَها إذا ما استمرت الأحوالُ على حالِها دون معالجةٍ جديّةٍ من كافة الأطراف المعنية ولاسيما في التزامنا جميعاً بسياسة الإصلاح والنهوض دون التذرع من قبل كل منا وذلك الانتظار إلى أن يبادر الآخرون إلى الإصلاح. فالإصلاح عمل ينبغي علينا أن ننخرط فيه جميعاً ونؤمن به جميعاً قولاً وعملاً. أنا متأكدٌ أننا كلّنا نريد وقف هذا النزفَ الحاصلَ في الموارد المتاحة لنا ولاسيما في الطاقات البشرية الكبيرة لدينا. وكلُّنا نتمنى استرجاع قسم من تلك الأدمغة اللبنانية المهاجرة أو المهجرة التي تستفيد من قُدُراتِها بلادٌ كثيرةٌ حول العالم ولكن ذلك لا يمكن أن يتم فقط بالأماني بل من خلال العمل. فلنعمل سوياً يداً بيد لنوقف هجرة أدمغِتنا الشابة. ونحن من جهتنا في الدولة سنركّز عملنا في الفترة القادمة على ضمان تحرير الاقتصاد وإعادة الاعتبار للكفاءة وللأداء عبر إرساء ديمقراطية الجدارة من خلال الأسلوب الجديد في تعيين أصحاب الكفاءة على رأس الإدارات العامة، وكذلك سنستمر في العمل على تحفيز النمو الاقتصادي عبر الالتزام باستمرار العمل على تنفيذ عدة إصلاحات بنيوية من شأنها تحسين بيئة الأعمال وتأمين كافة متطلبات قيام المشاريع الجديدة وضمان استمرارها وتطورها. ويبقى لكم، أيها المستثمرون والقيّمون على القطاع الخاص، القيامُ بالمبادرات والاستثمار مستفيدين من التسهيلات المتاحة من أجل تدعيم النمو وخلق فرص عمل جديدة لشبابنا الطموح.
أتمنى لكم النجاح في أعمال مؤتمركم المميّز، وأتمنى لجميع اللبنانيين أن يحصدوا ثمرة كدهم وجهدهم بما يحقق تأمين ديمومة الاستقرار الاقتصادي وإعادة الازدهار لربوع وطننا لبنان.
مركز المؤتمرات- ضبية
الأربعاء 21 حزيران 2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
