الرئيس السنيورة في مئوية غسان تويني : مسيرة تشابه التراجيديا الاغريقية ناجحا مبدعا متعالياعن الحقد والجراح مبدلا الالم بالنجاح والتالق

من ضمن الفاعليات والانشطة الثقافية المرافقة لمعرض بيروت العربي والدولي للكتاب في دورته الـ67 والذي افتتح في التاسع منه اقام النادي الثقلفي العربي ندوة تكريمية لغسان تويني تحت عنوان:" تحية الى غسان تويني في مئويته " شارك فيها الرئيس فؤاد السنيورة اضافة الى الوزيرين السابقين مروان حمادة وناصيف حتي ورئيس تحرير جريدة اللواء صلاح سلام الذين تحدثوا عن الراحل وصفاته وحياته ومراحلها وخصالها البارزة.
وقد القى الرئيس السنيورة كلمة شاملة بالمحتفى به في ما يلي نصها:
الزميلان الكريمان مروان حمادة وناصيف حتّي،
الأستاذ صلاح سلام،
الحضور الكريم،
بدايةً، أودّ أن أتوَّجه بالشكر والتقدير إلى رئيسة وأعضاء النادي الثقافي العربي الذين اختاروا أن تُعقد هذه الندوة في رحاب هذه الدورة الـ67 لمعرض بيروت العربي والدولي للكتاب عن غسان تويني وعن حياته، وأهمية الدور الذي اضطلع به ونِتاجهِ، وما حققه في حياته.
المتأمل في مراحل حياة الأستاذ والصِحافي والسياسي والمفكر غسان تويني، بعد مئة سنة على ولادته وأربعة عشرة عاما على وفاته، يرى بأم العين كَمْ كانت متميزةً مسيرة هذا الرجل المتألِّقِ والمبدع، وهي المسيرة التي كُتِبَ لها أنْ تُشبه التراجيديا الإغريقية.
لقد ترافق التألّق والإبداع والفرادة لدى غسان تويني، وفي أحيانٍ كثيرةٍ مع ألم الفقد وَحُرْقَةِ الفراق. ولكن، وفي الوقت عينِهِ، مع القدرة الاستثنائية على التحمل والصبر والاحتمال. فمعادن الرجال تُعرفُ في وقت الشدائد. وهذه أولى صفات هذا الرجل الشجاع والقوي الذي واجه صنوفاً متعدّدة من المصائب والعذابات والمعاناة.
فمراحل الألم عند غسان تويني كانت متعدِّدة ومتوالية، من فقد ابنته الأولى نايلة، إلى فقدان شريكة عمره الشاعرة الكبيرة والمميزة ناديا حمادة تويني، مروراً بفقدان نجله مكرم في حادث مأساوي في باريس، وانتهاءً بفقدان نجله الشهيد جبران. ومع ذلك، فقد ظلَّ غسان متماسكاً ومتعالياً على الجراح والآلام. فغسان تويني، الصحافي والكاتب ودارس الفلسفة بأنواعها ومدارسها، والفكر الإغريقي بفروعه ونماذجه وأبطاله، مثلّها في حياته حيث رافقته المآسي والمصائب المؤلمة الشخصية والعائلية طوال حياته.
لكن ما ميَّز هذا الرجل هي القدرةُ على الاحتمال، وتخطي الألم وتجاوزه دون انكسار ولا استخفاف ولا تجبر. كما ميَّزتْه القدرة على استيلاد الإيجابية وتحقيق التميّز والتألق من رحِمِ هذه المصائب. وبالتالي القدرةَ على استئناف الحياة في مختلف المواقع التي نهض بها، ولاسيما في مهنة المتاعب، حيث اتخذ من طلوع الشمس مِحْبرة للنهار، وأبدع بمهنته الصِحافية بحرفية عالية، ورفعها إلى أعلى المراتب. وهذه ميزةُ غسان تويني وفرادَتهُ في أنَّه واجه الوجع بالعمل الجاد، والإصرار على النجاح المهني والسياسي والوطني، بحيث استطاع أن يتغلَّب على ألمه، وأعطى مهنته كصِحافي، ووطَنِهِ كنائب وكوزير، وممثلاً للبنان في أرفع المحافل الدولية، أكبر وأقوى المواقف الوطنية المؤثرة.
فإضافة إلى كونه قد ألَّف وكتب ونشر أكثر من سبعة عشرة كتابا في مواضيع سياسيةٍ وفكريةٍ ودبلوماسيةٍ متنوعة، فانه شغل العديد من المناصب الوزارية والنيابية وكان خلال ممارسته لمهامِّه النيابية والوزارية والحكومية خلاقاً وولّاداً للأفكار والمبادرات.
فقد انتخب نائباً في مجلس النواب اللبناني أكثر من مرة، كما أصبح وزيراً في عدة حكومات، وتمَّ تعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء، وحيث عُيِّن في العام 1977 سفيراً للبنان لدى الأمم المتحدة، واستمر به حتى العام 1982.
وخلال الفترة ما بين 1990 - 1993 ترأس جامعة البلمند في لبنان. ومن عام 1998 ولغاية 2002 كان عضواً في مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت.
وفي العام 2006، زُكِيّ نائباً بالبرلمان اللبناني عن بيروت خلفاً لابنه جبران الذي اغتيل بنهاية العام 2005.
إلى ذلك كلّه، استمرّ غسان تويني صِحافياً بمستوى عالمي ورئيسَ تحرير لامعاً ومميزاً، حيث نجح في أن يحوِّل صحيفة النهار الى صحيفة أولى وطليعية في لبنان، ومدرسةً مهنيةً وإبداعية، ولتصبحَ في مصافِّ الصحف الأولى في الوطن العربي. وحيث لمعت وأصبحت، وعلى مدى ثلاثة أجيال، عَلَماً على لبنانَ وبيروت، حيث بات ديكها يصيح كل فجر مؤذّناً بانبلاج الصباح، ومؤكداً في كل يوم على قيم الحرية والاستنارة والتنوع والتسامح وقَبول الآخر.
أيها الإخوة والأخوات،
إننا وحين نتحدَّث عن غسان تويني، فإننا نتحدث عن ستّين عاماً من العمل الدّؤوب والحُرّ والمستنير. وهي ستةُ عقودٍ شارك فيها غسان تويني صانعاً للأحداث، أو مُساهِماً فيها، أو معلِّقاً عليها، أو مسلطاً عليها فيضاً من ضوء استشرافاته وآرائه وخياراته الثقافية والاستراتيجية والاجتماعية والإنسانية.
وهو في هذا المضمار تميّز بثلاثة أمور: في الحرص على لبنانَ وطناً ودولةً وحريةً واستقلالاً وتنوعاً وحيوية إبداعية استثنائية، وفي الدفاع عن الدولة اللبنانية الحديثة ومؤسَّساتِها، وفي الدفاع عن شرف مهنة السياسة والصِحافة والعمل العامّ.
ولقد كانت قمة التألق والعظمة في التغلب على الألم لديه، وهو ما عايشته معه في نهاية العام 2005 عندما كنتُ رئيساً للحكومة، وحين طالت يد الشرِّ والغدر ابنه النائب الشهيد جبران تويني. وحين قال جملتَه الشهيرة، إثر استشهاد جبران وخلال دفنه: "انها الجريمة التي طوَّقت المجرمين وحاصرتْهم حيث كانوا". لقد وقف هذا الأبُ المفجوع ليرثي ولده الشهيد داعياً إلى أن: "ندفن مع جبران الأحقاد كلَّها وأن نكون جميعاً مسيحيين ومسلمين، واحدا في خدمة لبنان وفي خدمة القضية العربية".
ولقد ظهر غسان تويني في ذلك الموقف شامخاً كشجر الأرز، عاقداً العزم على ان يستمر في معركة الحريات في لبنان، حيث قال أيضاً في كلمته: "قَلَّ ان أُعطي لإنسان أن يقف في المكان ذاته على مدى ستين سنة ليودع والده، ومن ثمّ ليودّع ولده".
أيها الأصدقاء،
المدخل الصحيح لفهم شخصية غسان تويني، هذا الرجل المميّز، وصاحب القلمِ المبدعْ، باعتباره ترك أثراً في المراحل الأربع التي مرَّ بها وطننا لبنان، والتي عاشها غسان تويني كلَّها، وترك بصماتِه فيها وعليها، كما تركت فيه وفينا آثاراً غائرةً يصعُبُ تجاهُلُها أو نسيانُها.
أولى تلك المراحل، في حياة لبنان تقع بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وهي المرحلة التي أدركها غسان تويني، كما أدركها مثقفون لبنانيون كثيرون (على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم) باعتبارها مرحلة التأسيس للوطن والدولة، وللهوِّية والانتماء، وللتوجه السياسي والاقتصادي للبلاد. وحيث انتصر غسان تويني لثقافة المواطنة ولبناء الدولة، والحرص على حريات المواطن الفرد والحريات العامة، والمؤازرة بين الشأنين الثقافي والسياسي.
ولأنَّ الصراعَ الأيديولوجي والسياسي في لبنان ومِن حوِلِه كان شديداً وكبيراً، فقد بدا الجانبان الثقافي والسياسي لديه أحياناً متقدِمَيْنِ على الاحتراف الصحافي. لكنّ هذا الانطباع إذا وُوجِهَ بتتبُّع مقالاتِه بين الأعوام 1965 و1975، يبدو غير دقيق. إذ إنّ الأستاذ تويني في هذه المرحلة بدا شديدَ الانسجام بشكلٍ عامٍ وفي الوجهين الأبرز من وجوه شخصيته السياسية والوطنية والإنسانية: وجه الصحافي المحترف، ووجه المثقَّف الملتزم.
ويمكنُ ملاحظة ذلك لديه في أربع ملفات رئيسية: ملفّ الإصلاحات والحريات والمواطنة في عهد الرئيس فؤاد شهاب ومصائر ذلك الملف في عهدي الرئيسين شارل حلو وسليمان فرنجية. وملفّ التصرف تُجاه انقلابية الحزب القومي السوري. وملفّ "الحرمان المناطقي والطائفي" ومحاولة الإمام موسى الصدر الإنقاذية والاندماجية، وملفّ التعامُل مع المقاومة الفلسطينية البازغة والمتطوّرة على الأرض اللبنانية وصولاً لاتفاق القاهرة وما بعد.
أمّا المرحلةُ الثانيةُ في حياة لبنان، والتي امتدّت ما بين العام 1975، وإلى ما قبل التوصل إلى اتفاق الطائف. وحيث كان الانشغال اللبناني الرئيسي خلال تلك المرحلة الخطيرة من تاريخ لبنان وتجربته منصباً على أمرين: إيقاف الصراع الداخلي، ومواجهة الاجتياحات الإسرائيلية المدمّرة. وفي هذه المرحلة بالذات تأثرت تجربة الأستاذ تويني وكتاباته بتولّيه مسؤوليات هامة كمندوب لبنان في الأمم المتحدة، وفي المفاوضات بشأن تحقيق جلاء الإسرائيليين عن أرض لبنان في عهد الرئيس الياس سركيس. وفي هذه المرحلة بالذات برز إلى حدٍ كبيرٍ وجهٌ آخرُ من وجوه شخصية غسان تويني الكبيرة: وجه رجل الدولة، في حين لم يغب الوجهان الآخران: وجه الصِحافي المحترف، ووجه المثقف المعترضْ أو النقدي أو الموجِّه. فإلى جانب إسهاماته البارزة في حماية لبنان، وتحرير أرضه من خلال دوره في صدور القرار الدولي رقم 425 عن مجلس الأمن الدولي، ورأيه المتمايز في مشروع اتفاق 17 أيار من العام 1983، وفي العلائق مع سوريا، وفي مؤتمري جنيف ولوزان، حيث برزت أُطروحته التي صارت عنواناً لكتاب: حروب الآخَرين على أرض لبنان.
ومما يُحْسَبُ لغسّان تويني أنه وهو الذي كتب كثيراً في قصور المحاولة الإصلاحية الشهابية، وفي التعامُل القلق مع ظاهرة المقاومة الفلسطينية، ظلَّ على اقتناعٍ عميقٍ بإمكان خروج لبنانَ من المأزق، إذا أمكن إخراجُهُ من الصراع العربي/ العربي، والعربي/ الدولي. ولذلك ظلَّ حتى اتفاق الطائف يسأل نفسَه ومحاوريه: ماذا يُريد النظام السوري من لبنان؟ وهل يستطيع العربُ الكبارُ "ضمان" لبنان مع سوريا وليس في مواجهتها؟!
وتقعُ المرحلة الثالثةُ من مراحل تاريخ لبنان المعاصر بين اتفاق الطائف واستشهاد الرئيس رفيق الحريري. وخلالَ هذه المرحلة برز لدى غسان تويني وجهُ المثقف النقدي، والمفكّر الملتزم، بما يتجاوز التعليق السياسيّ إلى التأليف والتوثيق للحياتين السياسية والحضارية للبنان ولعلائقه بالشرق والغرب. وعادت لديه هموم وموضوعات الستينيات من القرن الماضي: هموم المواطنة، والانتماء، وبناء الدولة، والعلاقة بسورية (في حين كانت الاهتمامات لديه في الستينيات العلاقة بالمقاومة الفلسطينية، وبالانتماء العربي). وحيث أتاحت جهود الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الإعمار والنهوض الاقتصادي وإعادة بناء مؤسَّسات الدولة، التفكيرَ في أُطروحة الدولة المدنية الحُرّة ومقتضياتِها، وسط ظروفٍ مختلفةٍ تماماً، ولاسيما بعد انقضاء الحرب الباردة، واشتداد قبضة النظام السوري الضاغطة على لبنان، وتحديداً بما يتعلّق بالصيغة التأسيسية للكيان اللبناني، والتي تطورت مع اتفاق الطائف إلى آفاقٍ جديدةٍ وواعدة.
وفي المرحلة الرابعة، وبعد استشهاد الرئيس الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، ما لجأ الأستاذ تويني إلى "استراحة المحارب"، وبخاصةٍ بعد استشهاد ابنه النائب جبران تويني، بل اعتبر نفسه بين القِلّة المسؤولة عن استمرار لبنان وصيغته الفريدة وحرياتِه ودورهِ في المنطقة والعالم.
حياة غسان تويني بحد ذاتها نموذجٌ للكفاح المرير ولمعاقرة الألم والصمود في وجه البلايا.
غسّان تويني كان وما يزال، علامةً بارزةً في صِحافة لبنانَ والعرب، وفي ثقافة لبنانَ والعرب، وفي سياسة لبنان والعرب.
وفي هذا يظل ديك غسان تويني الفصيح يصيح: "حي على النهار".

