Diaries
الرئيس السنيورة التقى كوشنير وعمرو موسى انضم الى الاجتماع
وزير خارجية فرنسا:آمل ان يتم الانتخاب غدا ويكون سعدا للبنانيين
استقبل رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة في العاشرة والنصف من صباح اليوم وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير، في حضور السفير جان كلود كوسران والقائم بالأعمال الفرنسي اندريه باران.
وبعد نصف ساعة من الاجتماع وصل الى السراي الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وانضم إلى اجتماع الرئيس السنيورة كوشنير.
بعد اللقاء لم يشأ كوشنير الإدلاء بأي تصريح مكتفيا بالقول ردا على أسئلة الصحافيين: "لا أريد ان أتحدث الآن وسأتحدث بعد ظهر اليوم".
وردا على سؤال عما اذا سيكون للبنانيين غدا رئيس للجمهورية، قال: "لا أعلم إذا كان سيتم انتخاب الرئيس غدا ولكن آمل ذلك".
وإذا كان الأمر سيكون حلما للبنانيين ام كابوسا، أجاب: "أتمنى ان يكون الأمر سعدا للبنانيين".
رئاسة الحكومة وزعت ملخصا لعمل الحكومة من تموز 2006 الى أيلول 2007
الحكومة نجحت في استنفار العالم من حولها بفعل سياستها المستقلة والمقدامة
وحشدت التأييد الدولي بعد حرب تموز بعيدا من الوصاية والترهيب للمرة الاولى
نجحت في إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي عبر مجلس الأمن وعقدت باريس- 3
وواجهت الإرهاب عبر معركة مخيم نهر البارد وحمت الجيش وقدمت له كل الدعم
وزعت رئاسة مجلس الوزراء اليوم ملخصا لعمل الحكومة وأهم الإنجازات من تموز 2006 الى أيلول 2007، بعنوان "السنة الثانية على حكومة الاستقلال الثاني، حكومة الإصلاح والنهوض، سنة الصمود والمبادرة".
وجاء فيه:
ما اعتادت الحكومات اللبنانية إصدارَ كتابٍ سنويٍ حول ما أنجزته فيما خص الأعمال والسياسات والخطط والحسابات، واتجاهات الرأي في الخيارات التي اتُّخذتْ، وإمكانيات المستقبل القريب، في ضوء الوقائع والتدابير والتوقعات. لكننا قُمنا في السنة الأولى من عمل هذه الحكومة بإصدار تقرير مختصر عما قامت به الحكومة خلال تلك السنة. ويأتي هذا التقرير أشمل من حيث اهتمامه بالسنتين الماضيتين على السواء، لكنْ على الخصوص بما قامت به الحكومة خلال الفترة الممتدة من تموز 2006 وحتى نهاية آب 2007.
لقد أردنا من وراء إصدار التقرير الشامل هذا تحقيق عدة أهداف:
أولاً: متابعة ما قمنا به في السنة الماضية لجهة إنفاذ البيان الوزاري للحكومة، والخيارات التي انتهجتها الحكومة للسير في بنود ذاك البيان، وقد أوضح ذلك التقرير الأول، وهذا التقرير الثاني على السبيل ذاته.
ثانياً: عرض التحديات التي تعرضت لها البلاد من الجهات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولاسيما فيما يختص بالاجتياح الإسرائيلي المدمّر الذي تعرض له لبنان وما تبعه من تداعيات بما فيها التشنجات والإشكالات السياسية التي رافقت إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي وما نجم عن ذلك من اعتصامات، وما رافقها أيضاً من تحركات وممارسات في الشارع تركت أثرها على أكثر من صعيد سياسي وأمني واقتصادي، بما في ذلك ما تلاها من هجومات إرهابية واغتيالات سياسية وتفجيرات كان من أبرزها ذلك الهجوم الإرهابي الذي قامت به مجموعة فتح الإسلام والذي انتهى مؤخراً بانتصار الجيش اللبناني على تلك المجموعة وهي الحرب التي خسر لبنان فيها عدداً كبيراً من الشهداء من الجيش اللبناني، وكيف تعاملت الحكومة مع تلك التحديات، وما هي المخارجُ التي اختارتها ومضت فيها إيصالاً لبرّ الأمان.
ثالثاً: عَرْضُ مواقف الصمود، وسياسات المبادرة، من ضمن الإصرار على احترام الدستور والالتزام بالقوانين في الداخل، والتقيد بمبدأ فصل السلطات واستقلالية القضاء، والعودة إلى بناء سياسة خارجيةٍ لبنانيةٍ مستقلّة.
رابعاً: الحِرْصُ على الشفافية والإفصاح، والتقيد بمبدأ المحاسبة والمراقبة على أعمال الحكومة. فالحكومةُ مسؤولةٌ تُجاه مجلس النواب، ومسؤولةٌ تُجاه المواطنين.
وهي في هذا التقرير إنما تَعْرِضُ سِجِلاًّ كاملاً للمسائل الأساسية لجهات السياسات والمبادرات والأعمال، ووجوه التحصيل والإنفاق. فيستطيع المعنيون والمواطنون أن يتابعوا ذلك أيضاً وكلَّ كبيرةٍ وصغيرةٍ خلال هذا العام من عمر الحكومة، والعام الذي سبق. وهذه الوسيلة في الإفصاح تعتبر شكلاً من أشكال إخضاع أعمال الحكومة لرقابة المؤسسات المعنية والخبراء والمعنيين والمواطنين.
خامساً: نشْر وقائع وسياسات العمل والإنجاز، لطمأنة المواطنين إلى قدرة الدولة اللبنانية على مواجهة التحديات، في الظروف الاستثنائية التي مرَّ بها لبنان خلال العامين 2006 و2007. وفي الوقت نفسِه عَرْض المخاطر والفُرَص، بحيث تكونُ هناك صورةٌ متكاملة للموقف، وما ينتظر البلاد والمواطنين، لنشرِ حالةٍ من الوعي والنقاش، بما يتجاوزُ التبايُنات السياسية وبغرض تحسين مستوى الأداء ورفع مستوى مردودية استعمال الموارد المتاحة أمام القطاعين العام والخاص.
سادساً: التفرقة بين السياسات العامة والشاملة التي عرضها القسم الأول من التقرير أو الكتاب السنوي، ونشاط وعمل الوزارات والإدارات والمؤسسات المختلفة خلال ثلاثة عشر شهراً أي بين تموز 2006 وآب 2007، وقبل ذلك عن الفترة الممتدة من تموز 2005 وحتى نهاية حزيران 2006.
في القسم الأوّل من هذا التقرير قصدْنا إلى عرض الملفّات والسياسات، وخطوات المواجهة والاستجابة للتحديات، وفي القسم الثاني عرضْنا خدمةَ الوزارات للمواطنين، والخطوات التي سلكتْها في شتى المجالات.
لقد أردْنا أن يكونَ التقرير، كما سبق القول، سجلاًّ لأعمال الحكومة ولاسيما في العام 2007، مع إشارات إلى العام السابق. وقد كان عاماً حاسماً في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، لتزاحُم الأحداث والتحديات، سواءٌ في الداخل أو في المحيط.
إنه السجلُّ الحقيقيُّ بدون تجميلٍ أو سَتْرٍ أو افتعال. ونأمُلُ أن يمهّد هذا العملُ التوثيقي والسياسي لسنواتٍ وسجلاَّتٍ أكثر إيجابيةً وتقدماً، سنوات بناء الاستقلال اللبناني الثاني، ونشر الاستقرار والتقدم والنمو فيه.
II- المـقـدمـة: مسارات العمل ومسارات المواجهة
كانت السمة الغالبة على عمل حكومة الاستقلال الثاني، في سنتها الثانية، الصمود والمبادرة. أي الصمود والممانعة في وجه الأعاصير التي اجتاحت لبنان بغية العبث باستقراره، ونشر حالات من عدم الاطمئنان في ربوعه وبين مواطنيه، ومن ثم المبادرة إلى القيام بخطوات لتدعيم معالم الاستقلال اللبناني والاستمرار في جهود تعزيز مسيرتي الإصلاح والنهوض وذلك رغم كل الصعوبات والعراقيل التي ما يزال لبنان يواجهها على مدى الثلاثين شهراً الماضية.
كيف تم ذلك؟
كانت الحكومة قد نجحت خلال السنتين الماضيتين في أن تحول الكثير من العناوين التي أعلنها رئيسها في البيان الوزاري إلى برامج عمل تنفيذية، وإلى مسائل محددة جرى طرحها على جدول أعمال النقاش الوطني، وبالتالي الحوار اللبناني المفتوح. فبعد أن طرحت الحكومة في السنة الأولى من قيامها مهام كبيرة وأساسية، بادرت إلى وضع تلك الأهداف والشعارات موضع التنفيذ في برامج محددة، ولاسيما تلك التي تعتبرها ضرورية لإعادة قيام الدولة وتعزيز مؤسساتها وتفعيل دورها الإنمائي والسير قدماً في جهود الإصلاح السياسي والإداري والمالي والاجتماعي والنهوض الاقتصادي. وفي هذا الإطار، عمدت الحكومة إلى العمل على مكافحة الترهل في الإدارة والمؤسسات العامة والحث على زيادة الإنتاج والإنتاجية في الاقتصاد الوطني. وسعت إلى إطلاق العمل الجدي من أجل تثبيت الاستقلال والتأكيد على إقامة العلاقات الخارجية القائمة على الاحترام المتبادل مع جميع الدول الشقيقة والصديقة، وعلى وجه الخصوص مع الشقيقة سوريا، ولاسيما لجهة ضرورة إقامة التمثيل الدبلوماسي معها وترسيم الحدود اللبنانية السورية وتحديداً أيضاً في منطقة مزارع شبعا. إضافةً إلى ذلك، فقد عمدت الحكومة إلى طرح مسألة معالجة موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها عبر النقاش الوطني المفتوح، وعقب ذلك عبر هيئة الحوار الوطني، والانطلاق في إعادة بناء المؤسسات الأمنية، عدّةً وعديداً، وإقدارها على تعزيز الأمن في البلاد وعلى مواجهة الإرهاب ومثيري القلاقل والفتن في البلاد. كذلك بادرت الحكومة إلى العمل على التنسيق فيما بين تلك الأجهزة لزيادة فعاليتها. فضلاً عن ذلك تابعت الحكومة جهودها من أجل قيام المحكمة ذات الطابع الدولي.
معظم هذه المبادئ والشعارات التي طرحتها الحكومة تحولت بعد ذلك إما إلى قرارات جرى اعتمادها، أو مشاريع قوانين جرى إقرار بعضها، وإما إلى مسائل لتوضع على جدول أعمال مجلس الوزراء، أو من خلال نقاشات جلسات الحوار الوطني التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري في مبنى مجلس النواب.
وفيما كانت الحكومة تعد البلاد واقتصادها للقفز باتجاه تحقيق درجات متقدمة من النمو الاقتصادي، حيث كان من المتوقع أن يتجه النمو الاقتصادي صعوداً في العام 2006 إلى أكثر من 6%، وذلك بالتزامن مع التحضيرات التي كانت جاريةً لعقد مؤتمر باريس IIIلدعم الاقتصاد اللبناني وتعزيز استقراره، وجدت الحكومة نفسَها فجأةً، ومعها جميع المواطنين، في مواجهة أعاصير لم تكن البلاد قد واجهت مثيلاتها من قبل تمثلت في الاجتياح الإسرائيلي المدمّر في تموز من العام 2006. والدليل على ذلك أن النمو المشار إليه، والذي كان متوقعاً كما تثبته المؤشرات الاقتصادية المحققة في النصف الأول من العام 2006، انقلبت بطريقة عكسية وكانت النتيجة للعام 2006 سلبية بنسبة قد تصل إلى نمو سلبي بمعدل لا يقل عن 2%. تلك الكارثة التي تسببت بها إسرائيل واجهتها الحكومة ومعها اللبنانيون بكل الصمود المقاوم والتضامن والحكمة والصبر والحزم والمبادرة والدبلوماسية المقدامة، وبالتأكيد على وحدة اللبنانيين في مواجهة العدو الإسرائيلي. وعلى ذلك، فقد تحولت الحكومة في مواجهة ذلك الاجتياح إلى اعتماد أسلوب الصمود والممانعة، في ذات الوقت الذي عملت فيه على اعتماد سياسة مقدامة وخلاقة تتوجه نحو تحويل المأزق الذي فرضته إسرائيل إلى فرص والمشكلات إلى مخارج وحلول مبتكرة. تجدر الإشارة إلى مبادرة الرئيس بري في تسمية هذه الحكومة بـ"حكومة المقاومة السياسية والدبلوماسية".
أولاً: في مواجهة العدوان الإسرائيلي
بينما كان اللبنانيون يعدون العدة لاستقبال موسم صيف واعد، رجَوا من خلاله التعويض عن النكسة الاقتصادية التي أصابت البلاد إثْر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فوجئ اللبنانيون بذلك العدوان الغادر والمدمّر. فإسرائيل التي كانت تحكمها حكومة ضعيفة برئاسة رئيس الوزراء إيهود اولمرت، وجدت في إقدام حزب الله على تخطي الخط الأزرق، الذي كان لبنان قد التزم رسمياً باحترامه وكذلك وعد المسؤولون في حزب الله بالالتزام باحترامه أيضاً في أكثر من مناسبة ومنذ اعتماد ذلك الخط في العام 2000، مثلما وعدوا قبل ذلك بتمرير صيف هادئ، وجدت إسرائيل في تلك الحادثة المتمثلة في أسر جنديين إسرائيليين، ذريعةً لإثبات قوتها وهيمنتها واستعادة هيبتها عبر محاولة تدفيع لبنان ثمناً باهظاً، وأمَّلت من وراء ذلك أن تزيد من شعبيتها الضعيفة في الداخل وظناً منها أنها تستطيع بذلك إلحاق الهزيمة بلبنان وبصمود اللبنانيين وبمقاومتهم. صبّت إسرائيل جام حقدها على لبنان مستفيدةً من الإدانة الدولية لعملية أسر الجنديين الإسرائيليين عبر الخط الأزرق. وقد حاولت في قصْفها، وكما وعد قادتها إعادة لبنان عشرين سنة إلى الوراء، وذلك بالعمل على تقطيع أوصاله وشرايين التواصل بين مناطقه وتدمير بنيته التحتية ومؤسساته العامة والخاصة وعدداً هائلاً من الأبنية السكنية، وذلك للإثبات بأنها دولة قادرة على الردع والرد بقسوة على من يتحدى نفوذها دون رقيب أو حسيب دولي.
للوهلة الأولى، وجدت الحكومة اللبنانية نفسها والشعب اللبناني أمام مشهد مأساوي كبير تحول فيه لبنان وأبناؤه ومؤسساته ومساكن مواطنيه وبنيته التحتية حَقْلَ رمايةٍ مَكْشُوفاً أمام طيران العدو.
وسط هذا المأزق، بدأت الحكومة، وإزاء مقولة اختراق الخط الأزرق، بالعمل على اجتراح الحلول، فكان رد الفعل الأول: "أن الحكومة لم تكن تعلم ولا تتبنى وبالتالي لا تتحمل مسؤولية ما جرى". ومن هذه الأرضية التي مهَّد لها مجلس الوزراء في جلسته الأولى إثر بدء العدوان، انطلق لمحاولة فتح ثَغرة في الموقف الدولي تسمحُ له بتوسيعها لكي يبنيَ عليها منصةَ المعالجة في مخاطبة المجتمع الدولي. وقد انعكس ذلك في الكلمة التي تلت العدوانَ في اليوم الثالث والتي وجهها رئيس مجلس الوزراء إلى اللبنانيين والعالم واعتبر فيها أن لبنان أصبح بلداً منكوباً. وفي الوقت ذاته وضع رئيس مجلس الوزراء في تلك الكلمة أسس الحل أي المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وتوسيع مهمات قوات الطوارئ الدولية- اليونيفيل- والعودة إلى تطبيق اتفاقية الهدنة بعد تعديلها، ولاسيما فيما يتعلق بعديد القوة العسكرية اللبنانية وتجهيزاتها حسب ما كانت تنص عليه اتفاقية الهدنة.
هذه المبادئ شكلت النقاطَ الرئيسية لما سُمّي في وقتٍ لاحقٍ بالنقاط السبع التي أعلنها الرئيس فؤاد السنيورة في خطابه في مؤتمر روما في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، أي بعد أقلّ من أسبوعين على بدء العدوان. وهذا ما مَهَّدَ الطريقَ فيما بعد أيضاً لتعديل صياغة مشروع القرار الدولي 1701، الذي كان يهدف بصيغته الأولى إلى استخدام الفصل السابع واستقدام قوة دولية إلى الجنوب يكون من جملة مهامها نزعُ سلاح حزب الله. وقد كان لرفض رئيس مجلس الوزراء لهذه الصيغة وتأييد مجلس الوزراء له، وكذلك تأييد الرئيس بري ومبادرة وصمود رئيس مجلس الوزراء والإجماع في المجلس على خوض معركة دبلوماسية شرسة في الأمم المتحدة لإعادة التوازن بنسبة معقولة إلى القرار الدولي المنشود، وبخاصةٍ أن الحكومة كانت قد وضعت على طاولة المداولات الاقتراح الأكثر إقناعاً في كل هذه العملية، أي اقتراح استعداد الحكومة اللبنانية لإرسال الجيش للانتشار في الجنوب وبعديد يناهز الـ15 ألف جندي ليتمركز على طول الحدود الدولية بعد أن حيل بينه وبين ذلك لأكثر من 30 سنة. لقد أعلنت الحكومة التزامها بإرسال الجيش، وعمدت بعد ذلك إلى تنفيذ هذا الالتزام.
في موازاة ذلك، كان على الحكومة أن تواجه أكبر عملية نزوح شهدها لبنان في داخله حيث دفعت الآلة العسكرية الإسرائيلية بقسم كبير من سكان الجنوب المنكوب إلى الداخل اللبناني، وخاصةً باتجاه العاصمة وبقية المناطق، هرباً من الآلة العسكرية الجهنمية التي أطلقتها إسرائيل من عقالها للفتك باللبنانيين الآمنين. وبناءً على ذلك، كان على الحكومة في هذا المجال أن تعمل على الحد من تهجير السكان خارج قراهم، وقد كانت تعليمات الحكومة للقوى الأمنية المشتركة ولقوات الطوارئ قائمةً على رفض الإنذارات التي كانت توجهها أو تفتعلها القوات الإسرائيلية للضغط على السكان الآمنين في القرى والبلدات الجنوبية ودفعهم لإخلاء الجنوب لكي يصبح أرضاً محروقة وخالية من السكان. وفي الوقت ذاته، عملت الحكومة على تأمين أسباب الصمود بقدر ما كانت تسمح لها به الإمكانيات اللوجستية والمعطيات الحربية. ومما زاد في صعوبة العمليات الإغاثية، أن الآلة الحربية الإسرائيلية دمرت وبظرف ساعات كل الطرق والجسور التي تربط قرى وبلدات الجنوب بعضها ببعض وتلك التي تربط الجنوب ببيروت، وكذلك التي تربط بقية المناطق بعضها ببعض والتي بلغ مجموعها حوالي 91 جسراً. ولهذا كانت عمليات الإغاثة تواجه صعوبةً كبرى لاستحالة إيصال المواد التموينية إلى المناطق لإغاثة السكان بسبب عمل الطيران الإسرائيلي على مدى ساعات الليل والنهار، والذي أَخذ يستهدف كل ما يمكن أن يتحرك على الأرض اللبنانية حتى وصل القصف إلى أقاصي الحدود الشمالية والشرقية بحجة منع تسريب الأسلحة. في المقابل وضعت الحكومة اللبنانية نصب أعينها أثناء المفاوضات والاتصالات الدولية التي كانت تقوم بها أن مسالة العودة الفورية للنازحين إلى قراهم وبلداتهم تقعُ على رأس الأولويات المطلوبة، وهي من المهام الأساسية التي كان على الجيش اللبناني وبمساعدة قوات اليونيفيل العمل على تنفيذها لحظة توقف إطلاق النار، مما يعني عودة النازحين من أهالي الجنوب إلى قراهم فور إعلان وقف العمليات العسكرية. وهذا ما حصل فور الإعلان عن اتفاق وقف الأعمال العدائية، حيث سارعت الوَحَداتُ الهندسيةُ في الجيش اللبناني وأجهزة الدولة اللبنانية وهيئة الإغاثة إلى تأمين فتح الطُرُق وشقّ المعابر وبناء التحويلات المؤقتة للطرق، والتي سمحت للمواطنين بالوصول إلى قراهم ريثما تكون آلة الدولة قد تحركت بطاقتها الكاملة لإطلاق عملية الإصلاح وإعادة الإعمار وإصلاح شبكات الطرق المدمرة أو التي تضررت وبشكل غير مباشر من العدوان.
لقد نجحت الحكومة اللبنانية في استنفار العالم أجمع من حولها بفعل السياسة المستقلة والمقدامة التي اتبعتها وكانت امتحاناً حقيقياً، ولأول مرة، لمعنى السياسة الخارجية المستقلة البعيدة عن الوصاية والترهيب إذ تمكنت من حشد التأييد الدولي والعربي منطلِقةً من إجماع وزاري حول كل قراراتها ومن إجماعٍ وطنيٍ من حولها لم يَسبقْ له مثيلٌ، وَحقَّقتْ بذلك عدداً من الأهداف:
- نجحت الحكومة اللبنانية خلال أيام، وفي نظر المجتمع الدولي، في تحويل لبنان من معتدٍ (بفعل اختراق الخط الأزرق) إلى معتدى عليه نتيجة الحملة الإعلامية والدبلوماسية الناجحة التي خاضتها ورئيسَها الذي تصدر بالمقابلات التي أجراها عبر شاشات وعناوين كبريات وسائل الإعلام العالمية (كان معدل المقابلات الخاصة التي أجراها الرئيس السنيورة أربع مقابلات تلفزيونية في اليوم وعلى معظم شاشات التلفزة العالمية، وعشرات الاتصالات الهاتفية مع رؤساء الدول والمسؤولين، واللقاءات مع الوفود العربية والأجنبية، وعدد مماثل من الاجتماعات والتصاريح السياسية)، ناهيك باجتماعين يومياً تقريباً لمجلس الوزراء لمتابعة التطورات العسكرية والمواقف الدبلوماسية، والاستنفار الوزاري خصوصاً السياسي والإعلامي للرد على كل الحملات الإسرائيلية والاتهامات والادعاءات التي كانت تقوم بها الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها. هذا، بالإضافة إلى اجتماعات العمل اليومية المستمرة التي كان يقوم بها رئيسُ مجلس الوزراء لمتابعة الأعمال الإغاثية من أجل تلبية حاجات النازحين من أبناء الجنوب وغيرهم في عددٍ من المناطق اللبنانية الذين تعرضت بلداتهم وقراهم للقصف المدمر على مدار الساعة.
- نجحت الحكومة عبر صداقاتها في العالم واتصالاتها العربية والدولية التي قادها رئيسها في رسم خطوط حمر أمام العدوان الإسرائيلي الذي كان ينوي تدمير ما تبقى من بنية تحتية عبر قصف الطيران، حيث كان العدو الإسرائيلي يخطّط، بالإضافة إلى ما قام بتدميره من منشآت حيوية وأبنية سكنية وغيرها، لاستهداف مبنى مطار بيروت ومحطات الكهرباء والماء في مختلف المناطق اللبنانية، وغيرها من المنشآت والأبنية الحيوية في البلاد.
- انعقاد مؤتمر روما في 26/7/2006 بمسعى ومساعدة من صديق لبنان، رئيس الحكومة الإيطالية رومانو برودي، بحضور وفود من 15 دولة ومن ثلاث منظمات دولية. وقد نجحت الحكومة في هذا المؤتمر في شرح أبعاد وأخطار العدوان الإسرائيلي وتوضيح صورة المعركة السياسية. وهي استطاعت بذلك رسم حدود حلها في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي الهمجي. وقد شكل مؤتمر روما المنبر الذي أعلن فيه رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة برنامج النقاط السبع عبر خطابه أمام المؤتمر، والتي تحولت فيما بعد إلى القاعدة الوطنية التي رسمت طريق الخروج من مفاعيل العدوان وأسست لإعداد الأرضية الصالحة لانتشار الجيش في الجنوب ولتطوير صيغة القرار 1701. ولقد أسهمت تلك النقاط في رسم خارطة الطريق أمام الحل، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالتوصل إلى تحرير مزارع شبعا. وقد ظهر في المقابل موقف الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة موقف باقي الدول بعد رفضها الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، وقد استمر رفضنا لهذا الموقف. كان هذا في مقابل ما طالبت به باقي الدول التي حضرت المؤتمر والتي اعتبرت أن رد الفعل الإسرائيلي التدميري إزاء لبنان لا يتناسب مع الحجة التي تمسكت بها إسرائيل، أي أسر الجنديين، لتبرير عدوانها البربري على لبنان وسكانه الآمنين.
- انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية في 3/8/2006، وهو انعقد استثنائياً في ماليزيا، وقد تبنى خطة النقاط السبع التي تقدم بها رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة في مؤتمر روما لحل الأزمة في لبنان. وقد أبدى عدد من الدول المشاركة استعداداً للمشاركة في قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، داعين إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار تحت إشراف المنظمة الدولية. وكان رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة طلب من المشاركين في القمة، في كلمة نقلت مباشرة عبر تقنية الفيديو كونفرنس، "التأييد الكامل منهم، ومن كل الدول المحبة للسلام للخطة الداعية إلى وقف شامل ودائم للنار، من أجل إنهاء المذابح ومكافحة الدمار، والعودة بلبنان إلى وضعه الطبيعي بوصفه منارة للحرية والديموقراطية والاعتدال وحكم القانون". وأكد أن "الآلة الحربية الإسرائيلية التي ضربت مدننا وقرانا وبنيتنا الأساسية وإنساننا وأطفالنا ونساءنا، ما كانت لتنال من عزيمتنا ومن إصرارنا على الحرية والاستقلال والكرامة"، لافتاً إلى "سقوط 900 شهيد، ثلثهم من الأطفال و3000 جريح ووجود نحو مليون نازح" حتى ذلك التاريخ.
وفي السياق ذاته كان وزير الخارجية والمغتربين فوزي صلوخ قد شارك في مؤتمر القمة الإسلامية الطارئة في كوالا لامبور، وأجرى سلسلة لقاءات مع رؤساء الوفود الذين شاركوا في القمة أبرزها مع رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية محمود احمدي نجاد، ورئيس إندونيسيا، ورئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان، ورئيس وزراء باكستان شوكت عزيز، ورئيسة وزراء بنغلادش، ورئيس الوفد الأردني، الأمير حمزة بن الحسين. والتقى الوزير صلوخ أيضاً، رئيس وزراء ماليزيا، عبد الله أحمد بدوي، وشكر له دعوة بلاده إلى عقد هذه القمة المهمة. كما شارك بفطور عمل لوزراء الخارجية فعرض أمامهم تصور لبنان للخروج من الأزمة عبر الوقف الفوري لإطلاق النار في شكل شامل، ثم قرأ على المشاركين النقاط السبع لحل الأزمة والتي أقرتها الحكومة اللبنانية بالإجماع، وطالب بتبنيها. كما طالب بـ"دعم مطلب إنشاء لجنة تحقيق دولية حول مجزرة قانا وبقية المجازر التي ترتكبها إسرائيل في لبنان". وأكد "أن الشعب اللبناني يقف موحداً في مواجهة العدوان". وحيا "البطولات التي تبذل في هذا السياق". وفي اجتماع على مستوى الخبراء لوضع البيان الختامي، طلب الوفد اللبناني إدراج عناصر ثلاثة هي: الوقف الفوري والشامل غير المشروط للعدوان الإسرائيلي، تبني المؤتمر للنقاط السبع التي قدمتها الحكومة اللبنانية، والعمل على تقديم مساعدات عاجلة لإغاثة المنكوبين، مع تعهد المؤتمرين بتبني فكرة عقد مؤتمر للدول المانحة لإعادة الإعمار ومساعدة الاقتصاد اللبناني.
- انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب في 7/8/2006 بشكل استثنائي في السراي الكبير في بيروت، والذي خاطب فيه رئيس مجلس الوزراء العرب والدول العربية والدول الصديقة والعالم أجمع بضرورة مساعدته على وقف العدوان فوراً. ولقد أسفر ذلك الاجتماع عن موقف عربي موحد، وبالتالي تشكيل وفد عربي توجه إلى الأمم المتحدة لطرح القضية اللبنانية في مجلس الأمن، وهو الأمر الذي ساعد في صدور القرار الدولي 1701 بصيغته النهائية.
- في المحصلة، نجحت الحكومة اللبنانية في أن تقف في وجه العدوان الإسرائيلي وان تصل إلى مرحلة وقف الأعمال العدائية وفي يدها عدة أوراق دفعة واحدة، وهذا ما لم يكن بحسبان إسرائيل ولا باقي الأطراف المؤيدة لإسرائيل، ومن هذه الأوراق التي أمسكت بها الحكومة وأسهمتْ في إنفاذها:
أ. الإصرار على والوصول إلى وقف الأعمال العدائية فوراً.
ب. التوصل إلى صدور القرار 1701 بصيغته الجديدة المعدلة، والذي أفضى إلى تأمين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي كانت قد احتلتها بفعل العدوان.
ج. نشر الجيش اللبناني على الحدود الدولية الجنوبية للبنان لأول مرة منذ 30 سنة، على أن تعاونه قوات اليونيفيل المعززة.
د. تحقيق رفع الحصار عن لبنان في البداية جواً ومن ثم بحراً مع وصول القوات البحرية لعدد من الدول الصديقة المكلفة مراقبة الشواطئ اللبنانية لمنع تسرب الأسلحة إلى لبنان.
ه. فرض موضوع استعادة مزارع شبعا على أية محادثات دولية عبر وضعها تحت وصاية اليونيفيل، بانتظار ترسيم الحدود مع سوريا.
- تحضير الأرضية المحلية والعربية والدولية لإقامة أكبر مشروع إعادة إعمار وإغاثة لإزالة آثار العدوان، والذي اعتبرته إسرائيل منزعجةً بأنه بمثابة مشروع مارشال اللبناني بقيادة رئيس الحكومة اللبنانية. وقد تمكنت الحكومة بنتيجة ذلك، وبعد سنة من العدوان، من إعادة بناء وإصلاح غالبية ما دمرته الآلة العسكرية الإسرائيلية في البنية التحتية من طرق وجسور وإمدادات مياه واتصالات وكهرباء ومدارس ودور عبادة ومستشفيات، كما أمّنت جزءًا هاماً من المساعدات المادية للمتضررين من العدوان لإعادة بناء ما دمره العدوان، كل ذلك بدرجة عالية من الفعالية والشفافية الإدارية والمالية.
- انعقاد مؤتمر ستوكهولم للدول المانحة في 30/7/2006 الذي شارك فيه ممثلو نحو 60 دولة ومؤسسة دولية، والذي انتهى إلى التعهد بالالتزام بتقديم حوالي 940 مليون دولار لدعم جهود إعادة إعمار لبنان، بحسب ما أعلنه وزير الخارجية السويدي يان الياسون، فيما كان من المتوقع أن ينجح لبنان في تأمين التزام دولي يبلغ حوالي 500 مليون دولار. وقد كان ذلك نتيجة ما قدمه لبنان في هذا المؤتمر من تصور واقعي وعملي حظي بتأييد المجتمع الدولي لتنفيذ برنامج سريع لإعادة إغاثة لبنان واستعادة نهوضه.
- ومع مرور سنة على العدوان، استطاعت الحكومة، ومن أصل المبالغ النقدية التي تلقتها من المانحين والبالغة لتاريخه حوالي 748.5 مليون دولار، أن تستعمل قسماً منها في تمويل إعادة بناء جزء من البنية التحتية التي دمرت، وإزالة الركام، وإغاثة النازحين وتأمين عودتهم وفي تقديم المساعدات للمتضررين ودفع المساعدات لذوي الشهداء وللجرحى، حيث جرى ولتاريخ 14/9/2007 دفع مبلغ 406 مليار ليرة من أصل الدفعة الأولى البالغة 436 مليار ليرة، وذلك على شكل مساعدات لسكان الجنوب وبعض المناطق اللبنانية الأخرى التي تعرضت للعدوان، بما يشمل 294 بلدة وقرية من أصل 337 بلدة وقرية طالتها الأعمال العدوانية الإسرائيلية، وبما يشمل 79,200 مستفيد من الأهالي قبضوا المبالغ العائدة لهم.
أما على مستوى الضاحية الجنوبية فقد تم إنجاز أكثر من 14,700 معاملة تشكل الدفعة الأولى منها مبلغ 204 مليار ليرة، وقد تم إصدار حوالي 9,200 شيك لأصحاب الشقق والمنازل بقيمة 157 مليار ليرة من أصل الدفعة الأولى البالغة 204 مليار ليرة. ذلك ما يجعل مجموع المساعدات المدفوعة لأصحاب الوحدات السكنية المدمرة والمتضررة جراء العدوان الإسرائيلي، وحتى 14/9/2007، حوالي 563 مليار ليرة لبنانية أو ما يعادل 347 مليون دولار أميركي، وذلك من أصل الدفعة الأولى لتلك الوحدات السكنية البالغة قيمتها 640 مليار ليرة أو ما يعادل 425 مليون دولار أميركي (التفاصيل في الملحق رقم 9).
لقد بلغ العملُ على التعويض والإصلاح وإعادة الإعمار مراحل متقدمة. وقد شارف ملف تعويضات الجنوب وباقي القرى على الانتهاء، حيث قامت الحكومة بدفع مبالغ الدفعة الأولى المخصصة لإعادة إعمار عدد من المباني السكنية المهدَّمة كلياً في الضاحية، بما في ذلك ما قامت به الحكومة وتعبيراً عن التزامها بالمبادرة إلى إيداع المبالغ المخصصة لإعادة إعمار عدد كبير من المباني في الضاحية في حسابات مخصصة لها في مصرف لبنان بحيث يصار إلى دفعها إلى أصحاب الحقوق فور قيامهم بتأمين المستندات الثبوتية اللازمة.
بالإضافة إلى ذلك، فقد تم تلزيم أعمال تدعيم حوالي 150 مبنى من المباني المتصدعة نتيجة القصف في الضاحية وقد تبقى 99 مبنى قيد المتابعة لإنجاز عملية تلزيم الأشغال فيها بما يمكّنُ أصحابها من العودة إلى سكناها في وقتٍ قريب.
ثانياً: في إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي
كانت الحكومة، ومنذ قيامها، قد أخذت على عاتقها العمل على إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهيد باسل فليحان ورفاقهما وسط إجماع في المواقف العلنية من كل الأطراف الداخلية على ضرورة قيام هذه المحكمة. وقد حظي هذا الموضوع بإجماع الحاضرين في مؤتمر الحوار الوطني الذي كان قد دعا إليه رئيس مجلس النواب. لكن تبين أن المواقف العلنية كانت تختلف عن المواقف العملية والفعلية، على وجه الخصوص من قبل كل من حركة أمل وحزب الله الممثلين في الحكومة. وقد افترقت الدروب مع أول محك عملي تجاه هذا الموضوع. وقد ظهر ذلك بالتزامن مع جريمة اغتيال الشهيد النائب جبران تويني ومرافقيه في جلسة مجلس الوزراء في 12/12/2005، حيث انعقد مجلس الوزراء في جلسة استثنائية في بعبدا وبحضور فخامة رئيس الجمهورية في اليوم ذاته، وقرّر المجلس بنتيجة المناقشات التي جرت فيها الطلب إلى مجلس الأمن أن يقرّ إنشاء محكمة ذات طابع دولي بالنسبة إلى جريمة اغتيال الرئيس الحريري. وأقرّ مجلس الوزراء كذلك ومن جانب آخر الطلب إلى مجلس الأمن توسيع مهمة لجنة التحقيق الدولية المشكّلة بموجب القرار 1595 وإنشاء لجنة تحقيق دولية جديدة تحقق في جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال الأخرى ابتداءً من محاولة الاغتيال التي تعرض لها الوزير مروان حمادة. أقرّ مجلس الوزراء هذين الطلبين، وذلك باعتراض من وزراء حركة "أمل" و"حزب الله"، وأعلن وزراء الطرفين بعد التصويت تعليق مشاركتهم في الحكومة في انتظار أن تبتّ المرجعيتان السياسيتان لهما بالأمر.
وبعد مقاطعة لأعمال مجلس الوزراء دامت سبعة أسابيع، عاد الوزراء المعتكفون إلى مقاعد الحكومة على قاعدة إيجاد مخرج لعودتهم لا علاقة له بالسبب الذي أدّى إلى الاعتكاف، وذلك بانتظار محطة ثانية من الاعتراض تزامنت مع طرح الحكومة مشروع نظام المحكمة على جدول أعماله للمناقشة، فأعلنوا استقالتهم من الحكومة في 11/11/2006 بحجة طلب المزيد من الوقت للدراسة وبحجة عدم استشارة قياداتهم في الأمر. وتجدر الإشارة إلى أن رئيس الحكومة كان قد أبدى استعداده في اتصالات مع رئيس الجمهورية أميل لحود لتأجيل موعد انعقاد الجلسة، كما عبر عنه رئيس مجلس الوزراء في البيان الذي نشر في الصحف بتاريخ 12/11/2006 وقبل انعقاد مجلس الوزراء في 13/11/2006، وهو الاقتراح الذي لم يبدّل في قرار حركة أمل وحزب الله البقاء على موقف الاستقالة التي جرى رفضها من قبل رئيس الحكومة وحيث طلب منهم العودة عن الاستقالة. وبعد ذلك بأيام، تمت عملية اغتيال النائب والوزير الشهيد الشاب الواعد بيار الجميّل الذي انضم إلى قافلة الشهداء الأبرار.
بنتيجة ذلك، أصبح أمر إقرار نظام المحكمة عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية متعذراً، وخاصة من قبل مجلس النواب لأن رئيسه قرر إقفال أبواب المجلس لاعتباره، ومن طرفه، أن الحكومة بعد استقالة نواب أمل وحزب الله أصبحت حكومة غير شرعية وغير دستورية، بعد أن كان صرّح بعكس ذلك أثناء زيارته إلى طهران، ثم غيّر رأيه. وبالتالي، تمسّك الرئيس بري بموقفه الثاني لجهة عدم دعوة المجلس للانعقاد لأنه لا يمكنه أن يقبل درس أي مشروع قانون محال من قبل الحكومة التي لا يعترف هو بشرعيتها.
تجدر الإشارة إلى حقيقة دستورية لا تقبل اللبس أنه ليس من صلاحية الرئيس بري باعتباره رئيساً لمجلس النواب البتّ بدستورية الحكومة أو عدم دستوريتها. فالذي يبت بهذا الأمر هو مجلس النواب وليس أي جهة أخرى. والمفارقة أن هذه المؤسسة الدستورية، أي مجلس النواب، أصبح ممنوعاً عليها الاجتماعُ بنتيجة الموقف المتخذ من قبل رئيسها. وهذا الأمر كانت له تداعياته على أكثر من صعيد، ولاسيما أن الرئيس بري، وبموقف غير دستوري، أقفل المجلس ومنعه من أن يمارس دوره، إذ إنه المكان الصحيح والدستوري الأساسي للتداول والحوار والتوصل إلى القرارات اللازمة.
وبعد محاولات عديدة ومبادرات ووساطات دولية قام بها الأمين العام للأمم المتحدة ومستشاره للشؤون القانونية وعدد من مسؤولي الدول الأوروبية والعربية لم تؤدِّ كلّها إلى نتيجة، مما اضطر الحكومة إلى سلوك الطريق الآخر المؤدي إلى إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي عبر مجلس الأمن الدولي.
إنّ هذا الموقف الذي اتّخذه رئيسُ مجلس النواب هو ما دفع بمجلس الأمن الدولي في محصِّلة الأمر إلى إقرار نظام المحكمة من جانبه تحت الفصل السابع وذلك في 30/5/2007. وقد كان من الممكن تفادي الوصول لذلك لو أنّ رئيس المجلس ترك للمؤسسات الدستورية أن تقوم بدورها، ولو بادر الوزراء المستقيلون إلى عدم التعطيل والتفاهم مع زملائهم لبتّ هذه المسألة بروح التوافق والتعاون الذي كان سمة جميع القرارات التي اتخذتها الحكومة الحالية منذ أن تألفت في تموز 2005.
في ضوء ما تقدم، نجحت الحكومة في تحقيق هدف أساسي من أهدافها وباتت المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري مسألةً نافذة. وهكذا، شكَّل إقرار المحكمة تحولاً أساسياً حصل للمرة الأولى ليقول للمجرمين الذين زرعوا لبنان رعباً واغتيالاً وتدميراً إن الذين مارسوا ويمارسون أساليب الترهيب والتنكيل لن يفلتوا دون عقاب. ولا يزال التصميم على هذا التوجه قائماً، لا سيما أن هؤلاء استمروا في ممارساتهم الإرهابية واغتالوا النائب الشهيد وليد عيدو ونجله ومرافقيه وعدداً من المواطنين الأبرياء بعد أيام من إقرار المحكمة. وعقب ذلك، وبتاريخ التاسع عشر من أيلول، عادت آلة القتل الجهنمية لتغتال النائب أنطوان توفيق غانم وعدد آخر من الأبرياء، كما أوقع الانفجار الرهيب عدداً كبيراً من الجرحى وقدراً كبيراً من الدمار والخراب.
لقد سقط النائب غانم شهيداً لينضم إلى قافلة طويلة من الشهداء فداءً لحرية لبنان واستقلاله وسيادته وكرامته.
ثالثاً: في التأكيد على فصل السلطات وإصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته
وضعت الحكومة نصب أعينها مسألة إصلاح القضاء وتحقيق وتعزيز استقلاليته. وكان التطبيق العملي لهذا التوجه بدايةً التعامل مع القضاء باعتباره سلطةً مستقلة. فرئيس مجلس الوزراء بادر إلى مخاطبة مجلس القضاء الأعلى بعد تشكيله في أول وآخر اجتماع له معهم بقوله لهم: "أرجو أن تكونَ زيارتُكُم لي هي أولُ زيارة وآخِرُ زيارةٍ، فأنا أؤمن وسأمارس قناعاتي بأنّ القضاءَ سلطةٌ مستقلةٌ، وبالتالي لن تكون لي معكم أية تدخلات أو لقاءات بعد اليوم".
وكان الرئيس السنيورة قد امتنع عن إعطاء رأيه أو التدخل حتى في التشكيلات القضائية التي يقرّها مجلس القضاء الأعلى، على الرغم من أن صلاحيتَهُ المنصوصَ عنها باعتباره سلطةً سياسيةً تخوِّلَهُ التوقيع على مرسوم تلك التشكيلات. وقد كانت محطة إصدار التشكيلات القضائية الدليل الحسي على الاقتناع والالتزام عبر توقيعه مرسوم التشكيلات القضائية كما اقره مجلس القضاء الأعلى بالإجماع، من دون أن يطّلعَ على مضمونه أو تركيبته، وهو المرسومُ الذي بقي دون توقيعٍ حتى الآن من فخامة رئيس الجمهورية، مما عطّل مشروع تفعيل هذا الجسم وتأكيد استقلاليته وإصلاحه، وبالتالي عطّل عمل القضاء ونال من صدقيّته وفعّاليته.
رابعاً: في التأكيد على فصل السلطات وعلى تعزيز المساءلة والمحاسبة على أساس الأداء
لقد أكدت الحكومة، وفي أكثر من مناسبة، على أهمية تعزيز دعائم النظام الديمقراطي اللبناني القائم على فصل السلطات وتعاونها وعلى أهمية تعزيز المساءلة والمحاسبة بما يؤدي إلى تحسين الأداء. وفي هذا السياق، لمس المواطنون أنه لم يعد هناك من حديث حول موضوع الترويكا، ولاسيما في ضوء التوجه الذي تم التوصل إليه بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بشأن اعتماد أسلوب المساءلة الأسبوعية الذي تتبعه العديد من الدول الديمقراطية في العالم، بدلاً من الأسلوب الذي كان متبعاً في السابق. وقد شجع ذلك على تسريع عملية المساءلة والمحاسبة في مجلس النواب، وبالتالي القيام بعمليات التصويب اللازمة لعمل الحكومة في مجلس النواب في ضوء تلك المساءلة والمحاسبة. ويفترض أن تتطور هذه الطريقة إيجاباً في ضوء عودة مجلس النواب إلى الانعقاد بما يعزز الممارسة الديمقراطية والمحاسبة للحكومة على أساس الأداء، وبالتالي إلى تحسين مستوى الأداء السياسي والإداري والاقتصادي في البلاد لما فيه منفعة جميع المواطنين.
خامساً: في الأزمة الحكومية وتداعياتها
الحكومة تهتز ولا تقع. تذرّعتْ حركة أمل وحزب الله بدعوة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة المجلسَ للانعقاد لمناقشة وإقرار نظام المحكمة ذات الطابع الدولي لإعلان استقالة ممثليهما من الحكومة بحجة عدم التشاور معهما وعدم إعطائهما المزيد من الوقت لدراسة الموضوع، علماً انه كان بإمكان الوزراء حضور الجلسة والطلب من رئيس مجلس الوزراء المزيد من الوقت لدراسة ومناقشة الموضوع. لكن الأمر كان في الواقع أبعد من ذلك. فقد ترافق ذلك الموقف مع رفض سوري وحملة إعلامية سياسية من قبل سوريا والأطراف الحليفة لها في لبنان لرفض قيام المحكمة. وتجدر الإشارة مجدداً إلى انه كان بإمكان حركة أمل وحزب الله أيضاً مناقشة مشروع القانون وتقديم الملاحظات المطلوبة عليه، لكن الاستقالة قبل المناقشة أو حتى القبول بمبدأ المشاركة في حضور الجلسة وتقديم ملاحظاتهم فتح الباب أمام حجة جديدة تمسك بها الطرفان تقول إن الحكومة بعد استقالة الوزراء الممثلين للطائفة الشيعية باتت غير ميثاقية استناداً إلى الفقرة (ي) من مقدمة الدستور والتي تقول: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". لكن الحكومة التي اهتزت بفعل استقالة الوزراء الممثلين لطائفة أساسية لم تقع، بل صمدت عن حقٍّ واقتدار مستندةً إلى المادة الدستورية رقم(69) والتي تقول: تعتبر الحكومة مستقيلة: "إذا فقدت أكثر من ثلث عدد أعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها" . وبما أن الحكومة لم تفقد باستقالة أولئك الوزراء أكثر من ثلث أعضائها، وهو ما حدده المشترع في الدستور، تظل الحكومة قائمةً دستورياً، وبالتالي لا يمكن لأحد التذرع بفعل يتحمل هو مسؤوليته لا سواه.
ولو أراد المشترع غير ذلك لحددّه صراحة. فالمقولة بعدم دستورية الحكومة بالاستناد إلى مقدمة الدستور، وتحديداً الفقرة (ي)، لا ينطبق على حالة الحكومة بعد استقالة الوزراء منها. إذ إن المشترع قصد من الفقرة (ي) منع تشكيل حكومة أو سلطة لا تتوافق مع ميثاق العيش المشترك، أي للحؤول دون قيام سلطة جائرة تفتقد لإحدى مكونات المجتمع اللبناني. فيما الذي جرى في حالة الحكومة الحاضرة، هو قرار من وزراء ينتمون إلى إحدى الطوائف اللبنانية الأساسية الاحتجاج على نقطة حازت الإجماع الوطني، أي إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي، بمن فيهم ممثلو تلك الطائفة، للخروج على هذا الإجماع بالاستقالة وهو ما تنطبق عليه القاعدة القانونية الآنفة الذكر.
وقد تطور موضوع الاستقالة ومن ثم الاعتراض إثر ذلك من قبل حزب الله والأطراف الحليفة له والذي تجلّى في مواقف سلبية، إذ انه أعلن الاعتصام في وسط مدينة بيروت بحجة المطالبة بتشكيل حكومة اتحاد وطني. وكانت هذه الحجة مناسبةً لاحتلال وسط العاصمة بما يشكله ذلك من السيطرة على أملاك عامة وخاصة، وتعطيل حركة الاقتصاد والمواطنين في تلك المنطقة، مع التداعيات السلبية لذلك على الأمن في البلاد وعلى الاقتصاد الوطني وعلى رؤية الخارج للبنان. كل ذلك بقصد ممارسة الضغط على العباد والبلاد ومنها اقتصادها. لكنّ موقفَ الحكومة ورئيسها كان واضحاً ومتماسكاً برفض الانصياع إلى المحاولات الانقلابية الخارجة عن أسس النظام الديمقراطي. فالحكومات في النظام الديمقراطي اللبناني تسقط إذا ما نزعت عنها الثقة في مجلس النواب، أو إذا استقال رئيسها، وغير ذلك من شروط كما حددها الدستور، وليس من خلال الضغط عليها بأساليب وأدوات غير ديمقراطية وتتوسل استعمال القوة أو التهديد بطريقة أو بأخرى.
وعقب ذلك، شهدت البلاد نزاعاً وجدلاً دستورياً وسياسياً حول هذا الموضوع وقفت فيه غالبية أعضاء المجلس النيابي وغالبية الشعب اللبناني مع الحكومة، إضافةً إلى التأييد العارم العربي والدولي خاصةً بعد محاولات حصار السراي الكبير وإقفال الطرق والمداخل. ذلك مما استدعى حركة احتجاج كبيرة محلية تمثلت عبر وفود شعبية تقاطرت من جميع المناطق اللبنانية إلى السراي الكبير، ومواقف عربية ودولية كان أبرزها ما عبر عنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اعتبر أن محاولات إسقاط الحكومة بالقوة أمر مرفوض ومدان.
هذا الاعتصام حوّل قلب العاصمة بيروت من مكان ينبض بالحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية إلى ساحة خلاء يعلن فيها الإفلاس تلو الإفلاس للمؤسسات التجارية والمالية والاقتصادية، وحوّل الاقتصاد اللبناني من اقتصاد طامح للعودة إلى النمو إلى اقتصاد متراجع لا يلبي طموحات أبنائه في التقدم والنمو والازدهار، وهو ما أسس بالتالي لحركة هجرة كثيفة لخيرة أبناء الوطن إلى خارج لبنان.
وعلى الرغم من ذلك كلّه، بادر رئيس مجلس الوزراء، وفي الوقت الذي تصدى فيه بالموقف السياسي لمحاولة الانقلاب على النظام الديمقراطي، إلى الاستمرار بالدعوة إلى التلاقي والحوار الوطني من خلال المؤسسات الدستورية. كذلك عمد إلى التقدم بمقترحات حلول عديدة للخروج من الأزمة، والتي كان أبرزها الحل الوسط الذي تقدم به وعُرِف باقتراح حكومة الـ(19-10-1) .
لكن هذا الاقتراح الذي قبلت به الأكثرية، والذي يُعتبر خطوةً إلى الأمام على طريق الحل، قوبل باستمرار الرفض من قبل حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر الذين أصروا على تشكيل حكومة تكون حصة المعارضة فيها الثلث زائد واحد، وهو ما أطلقوا عليه تسمية الثلث المعطل ومن ثم الثلث الضامن. ثم عاد حزب الله ومعه المعارضة إلى رفض مقترحات تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد أن طرحت الأكثرية مقترح أن يكون للمعارضة الثلث المعطل، مقابل أن يكون ذلك استناداً إلى الاتفاق على برنامج تنفيذي لعدد من المسائل الأساسية التي تم التوافق عليها، ولاسيما مقررات هيئة الحوار الوطني والنقاط السبع ومسألة انتخاب رئيس الجمهورية، بحجة أن الحكومة يجب أن تتحول هي إلى طاولة حوار لا أن يسبق تشكيلها حوار للاتفاق على برنامجها التنفيذي!
إنّ إصرار المعارضة على موقفها كان يعني عملياً تعطيل آلة الدولة، وهو ما لم توافق عليه الأكثرية وبقيت الأزمة على حالها. هذا في الوقت الذي استمرت الحكومة في تسيير شؤون البلاد بأفضل طريقة ممكنة للحفاظ على المسلّمات الأساسية الدستورية والوطنية. لقد صمدت الحكومة انطلاقاً من مسؤوليتها وواجبها في تسيير شؤون المواطنين والتي انطلقت منها، وذلك ضمن ظروف وصعوبات فائقة ومخاطر كبيرة تبقى، على أهميتها، أقل من التفريط بالمبادئ والمسلّمات السيادية والديمقراطية والعروبية والاستقلالية ومبدأ إعلاء شأن الحريات والالتزام بالشرعية التي انبنت عليها هذه الحكومة في مرحلة الاستقلال الثاني للبنان.
بالرغم من ذلك، فقد استطاعت الحكومة أن تنجز خلال فترة وجودها على مدى سنتين حوالي 4,500 قرار، ومن ضمنها 95 مشروع قانون (ملحق رقم 2)، وهي بذلك تكون أكثر الحكومات إنتاجيةً من حيث عدد القرارات التي اتخذتها خلال فترة وجودها (كما هو مبين في الملحق رقم 3).
سادساً: في الإصلاح الاقتصادي وانعقاد مؤتمر باريس III
وقف العالم كله في 25/1/2007 مع لبنان في "مؤتمر رفيق الحريري" الذي ترأسه ورعاه "صديق لبنان الكبير"، الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، فأعطى لبنان دعماً مالياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً غير مسبوق وغير مشروط، فحصد لبنان التزاماً من المؤتمرين بدعم فاق كل التوقعات مقداره سبعة مليارات وستمئة مليون دولار أميركي موزعاً على استعمالات متعددة ومحددة.
لقد كان المؤتمر مناسبةً أثبتَ فيها الرئيسُ الفرنسيُّ جاك شيراك تميّزه وديناميته الموصوفة في حضّ الدول المشاركة على المساهمة، حيث قدمت حكومته دعماً كبيراً للبنان بمبلغ خمسمئة مليون يورو، وبرزت المملكة العربية السعودية مرة جديدة بكونها الداعم الأكبر للبنان، بحيث قدمت الرقم الأعلى في المساهمات حيث بلغ مجموع إسهاماتها في مؤتمر باريس IIIما مجموعه ملياراً و100 مليون دولار أميركي.
وقد أعطى هذا المؤتمر صورةً واضحةً عما بذلته حكومة لبنان من جهد كبير، على الرغم من المعوقات الكبيرة التي تعمدتها قوى المعارضة بقيادة "حزب الله" وحركة أمل والتيار الوطني الحر عشية انعقاد المؤتمر من محاولة الإطْباق على العاصمة بالإعلان عن العصيان المدني المسلح الذي تمثل بإقفال وقطع الطرق ووضع السواتر الترابية وإحراق الدواليب. وقد تكررت المحاولة بُعَيْد اتضاح نجاح المؤتمر الباهر عبر افتعال أحداث الطريق الجديدة التي كادت أن تطلق شرارة حرب أهلية، ونجحت الجهود التي بذلتها الحكومة ورئيسها ورئيس مجلس النواب والقيادات السياسية في تطويقها في اللحظة الأخيرة عبر إطلاق يد الجيش في قمع أية مظاهر مسلحة أو محاولة للإخلال بالأمن.
على أي حال، فإن النتيجة المباشرة لمؤتمر باريس IIIالذي قدمت فيه الحكومة ورقة إصلاحية جامعة حازت على دعم المجتمعين العربي والدولي، والذي اتفق المجتمعون على تسميته "مؤتمر رفيق الحريري لمساعدة لبنان" وفق اقتراح الرئيس السنيورة، تمثلت في وضع البلاد على المسار الموصل إلى شط الأمان الاقتصادي والمالي، على أن يتم نقل الاقتصاد بعد ذلك إلى وضعية المعافاة في حال جرى السماح للحكومة بتطبيق برنامجها الإصلاحي الذي حصد تأييداً عربياً ودولياً جامعاً.
سابعاً: في مواجهة الإرهاب عبر معركة مخيم نهر البارد
الامتحان الكبير الذي واجهته الحكومة في سياسة الإعاقات التي تعرضت لها على مدى سنتين من وجودها ونجحت في عبوره كان امتحان مواجهة الإرهاب المصدَّر إلى لبنان، والذي تمثل بمحاولة عصابة منظمة تدعى منظمة فتح الإسلام السيطرة على منطقة الشمال ومدينة طرابلس، وذلك انطلاقاً من مخيم نهر البارد الذي يقع على أطراف المدينة. قائدُ هذه المنظمة المدعو شاكر العبسي كان قد اعتقل في دمشق بعد أن فرّ إليها من عمان في المملكة الأردنية الهاشمية بعد اتهامه باغتيال أحد الدبلوماسيين الأجانب. لكن تبيّن أنه، وبعد أن قضى فترةً بسيطةً في السجن، سُرعان ما أُطلق سراحهُ وجرى تسهيلُ أمر دخوله إلى لبنان عبر أحد المعابر غير الشرعية في منطقة قوسايا في البقاع على الحدود السورية لكي يتزعم حركة انقلابية مدبّرة داخل ما يسمى منظمة "فتح الانتفاضة" المدعومة من المخابرات السورية، فيستولي على مقرات هذه المنظمة وأسلحتها ويقيم في مخيم نهر البارد في الشمال، الممنوع على السلطة اللبنانية دخوله، وليعلن من هناك إمارةً مؤقتةً بهدف توسيعها في منطقة الشمال. لكن قيام العصابة المذكورة باقتحام أحد المصارف، في سادس عملية سطو على مؤسسات تجارية ومالية، وانكشاف مكان وجود أفراد تلك المجموعة من قبل القوى الأمنية، أطلق مواجهة بين هذه العصابة والقوى الأمنية اللبنانية بدأت بالهجوم الغادر من قبل أفرادها على عناصر الجيش اللبناني من دون سابق إنذار في منطقة الشمال واغتيال أكثر من 25 عنصراً من الجيش، وذلك بالتزامن مع محاصرة قوى الأمن الداخلي لبعض عناصرهم في أحد أحياء مدينة طرابلس (شارع المئتين) واقتحام مقرهم.
بعد هذه الجريمة التي ارتكبت بحق عناصر الجيش اللبناني وأمن مدينة طرابلس، كان من البديهي أن تبادر الحكومة إلى حماية الجيش وتقديم كل الدعم له لحفظ هيبته وتأكيد دوره في حماية الأمن والاستقرار للبنانيين والفلسطينيين على حد سواء. ولقد أحكم الجيش قبضته من حول المخيم مطالباً أفراد العصابة بتسليم أنفسهم إلى العدالة، حيث أكدت الحكومة والجيش اللبناني على ضمان المعاملة اللائقة والمحاكمة العادلة لهم. وقد قوبل موقف الحكومة والجيش من قبل تلك العصابة بالرفض والتعنّت والاستمرار بالاعتداء على المناطق السكنية الآمنة المحيطة بالمخيم وعلى المؤسسات الاقتصادية، ولاسيما معمل توليد الطاقة في دير عمار. وعلى ذلك فقد أطلق الجيش اللبناني مدعوماً من الحكومة والشعب اللبناني، عملية عسكرية لاقتلاع عصابة فتح الإسلام من مخيم نهر البارد، بعد أن جرى تأمين إجلاء السكان المدنيين الفلسطينيين إلى مخيم البداوي وسط رعاية قادها رئيس مجلس الوزراء تحت شعار "شركاء في المسؤولية"، انطلاقاً من مسلمة مفادها أنه ما من مشكلة بين لبنان والشعب الفلسطيني بل إن المشكلة هي بين الشعبين اللبناني والفلسطيني من جهة وعصابة فتح الإسلام من جهة أخرى، وهي العصابة المسلحة التي خطفت المخيم وحولت سكانه إلى رهينة، وعلى قاعدة أن خروج النازحين من مخيم نهر البارد مؤقت، ورجوعهم مؤكد، وإعادة إعمار المخيم محتّمة.
لقد كانت حرب مخيم نهر البارد أكبر المعارك التي خاضها الجيش اللبناني في تاريخه، وأثبت فيها بسالةً في الأداء وصلابةً في الممارسة ووحدةً في الصفوف وإصراراً على حماية لبنان وأمنه والتزاماً بقسمه حيث لم تسجل أي ممارسة سلبية ضد المدنيين، مما كشف نوايا وخلفيات مواقف وقوى حاولت أن توحي بارتكاب الجيش مجازر بحق المدنيين الفلسطينيين. لكن هذه المعركة التي خاضها الجيش ببسالة وروح قتالية ووطنية عالية ووجهت من قبل بعض القوى الحليفة لأجهزة المخابرات السورية وغيرها بالرفض أو بالتشكيك أو العرقلة وبالاستمرار بالقيام بمحاولات غير بريئة لدعم القوى الإرهابية بطرق مباشرة وغير مباشرة. مقابل ذلك، حرصت الحكومة ومنذ البداية على ثلاثة أمور: حَشْد اللبنانيين من وراء الجيش، والتشاور مع التنظيمات الفلسطينية التي استنكرت هذه الظاهرة الشاذة وإدانتها، والعناية بإغاثة مهجَّري المخيَّم المنكوب وقرى الجوار اللبناني التي اعتدى عليها المسلحون. واستمرت الحكومة واستمر الجيش في خوض المعركة إلى نهايتها لإنهاء هذه الظاهرة الإرهابية المسيئة للعلاقات اللبنانية الفلسطينية، والتي تستهدف اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء، وتستهدف أمن اللبنانيين وأمن دولتهم وجيشهم الوطني، وقد تم لهما ذلك بتاريخ 2/9/2007.
ثامناً: في العلاقات اللبنانية - الفلسطينية ومعالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان
بناءً على المرسوم رقم 14952 بتاريخ 19/7/2005 (القاضي بتسمية السيد فؤاد السنيورة رئيساً لمجلس الوزراء، وبناءً على قرار مجلس الوزراء رقم 41 جلسة 13/10/2005(، وبناءً لضرورات المصلحة العامة شكّلت الحكومة اللبنانية فريق عمل مهمته إجراء محادثات مع ممثلي الجانب الفلسطيني لمعالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على أن تشمل المعالجة المحاور الأربعة التاليـة:
- معالجة المسائل الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية والأمنية داخل المخيمات، والفلسطينيين المقيمين في لبنان بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA).
- وضع آلية لإنهاء وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات.
- إطلاق الحوار حول معالجة قضية السلاح الفلسطيني داخل المخيمات لجهة تنظيمه وضبطه.
- درس إمكانية إقامة علاقة تمثيلية بين لبنان وفلسطين.
- وقد ضمّت اللجنة إلى السفير خليل مكاوي رئيساً، والسفير محمد شطح مستشار دولة رئيس مجلس الوزراء، والقاضي شكري صادر رئيس هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، وممثلين عن وزارة الخارجية والمغتربين، ووزارة الدفاع الوطني، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة العمل، ووزارة الصحة العامة، ووزارة الداخلية والبلديات.
وانطلاقاً من ثابتة ضرورة تصويب العلاقات اللبنانية - الفلسطينية وبنائها على قواعـد :
- الاعتراف بسيادة لبنان واستقلاله واحترام أمنه واستقراره، والالتزام بوثيقة الوفاق الوطني.
- دعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وخصوصاً حق العودة المنصوص عنه في القرارات العربية والدولية.
- التأكيد والعمل على تأمين حياة كريمة وآمنة للاجئين الفلسطينيين في لبنان في انتظار قيام حلّ عادل وشامل للصراع العربي - الإسرائيلي.
- التشديد على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين تبقى من مسؤولية المجتمع الدولي لجهة مواكبتها حتى إيجاد حلّ عادل لها بحسب القرارات الدولية.
وانطلق العمل وكانت الإنجازات التاليـة:
-
إعادة افتتاح مكتب ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت بناءً على قرار مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 5/1/2006. وقد عيّنت المنظمة السيد عباس زكي ممثلاً لها في لبنان.
2. وقف تدبير الأمن العام القاضي بسحب وثيقة السفر من اللاجئ الفلسطيني الحاصل على جنسية ثانية ، خصوصاً وأنّ هذا التدبير كان مخالفاً لقرارات جامعة الدول العربية.
3. اختصار مدة الأذونات المسبقة من قبل الجيش اللبناني على إدخال مواد البناء لإعمار وترميم المساكن في مخيمات الجنوب تحديداً، لتبلغ 48 ساعة كحد أقصى.
4. الاعتراف بجواز السفر الفلسطيني الصادر عن السلطة الفلسطينية. وهذا يشمل العديد من أبناء الضفة والقطاع الذين هجروا بعد حرب حزيران 1967، والمقيمين حالياً في لبنان وليس لديهم وثيقة تعرّف بهم سوى هذا الجواز ، وإعفاءهم من رسم بدل الإقامة وتسوية المخالفات قانونياً بما يُزيل عنهم عوائق التعليم والزواج والسفر.
5. إطلاق البحث في آلية منح اللاجئ الفلسطيني إجازة عمل بعد أن أعدّت وزارة العمل مطالعة قانونية لاستثناء اللاجئين الفلسطينيين من مبدأ "المعاملة بالمثل". وكان قد سبق لوزير العمل اللبناني طراد حمادة أن أصدر في حزيران 2005 القرار 79/1 سمح من خلاله للعمال الفلسطينيين بمزاولة العديد من المهن التي كانت مقصورة على اللبنانيين شريطة أن يكونوا من المولودين على الأراضي اللبنانية ، ومسجلين رسمياً في مديرية شؤون اللاجئين في وزارة الداخلية ، ويتمّ التنسيق في مسألة منح إجازة العمل بين وزارة العمل ووزارة العدل.
6. إعداد دراسة مسحية إحصائية مقارنة لعدد سكان المخيمات وأوضاعهم الاجتماعية.
7. إطلاق البحث في حلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين فاقدي الأوراق الثبوتية بالتنسيق مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت.
8. لقاءات مع هيئات المجتمع المدني الفلسطيني والجمعيات غير الحكومية وتوحيد الرّؤى المطلبية في أوراق عمل متخصصة.
9. تنظيم لقاءات حوارية شبابية بُغية توعية الرأي العام على أهمية ترميم العلاقات اللبنانية - الفلسطينية.
أما بالنسبة لتحسين الظروف الحياتية داخل المخيمات، والذي هو من صلب مسؤوليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فقد قامت اللجنة بدور المحرك لاستجلاب التمويل لتمكين الأونروا من القيام بمشاريع في هذا الإطار. وكانت الخطوات التاليـة:
- دعا دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في نيسان 2006 إلى اجتماع للدول المانحة ضمّ حوالي 25 سفيراً في السراي الكبير، وعرض عليهم واقع المخيمات المزري ووضع في عهدتهم لائحة بالمشاريع كانت قد أعدّتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين لهذا الغرض. وقد بلغت نسبة المـِنـح إلى الآن 27 مليون دولاراً أميركياً من أصل 50 مليون دولاراً. ولم يكتفِ الرئيس السنيورة بهذه الخطوة بل أتبعها بإرسال كتابٍ خاص إلى كل من رؤساء حكومات الدول المشاركة للغرض عينه.
2. وفي سياق متابعة التواصل مع الدول المانحة التقى رئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني السفير خليل مكاوي في مؤتمرين لأصدقاء اللجنة من الدول المانحة الأول بين 22 و25 نيسان 2007 في برلين في ألمانيا، والثاني في لندن في المملكة المتحدة في 7 و8 تموز 2007 لحثـّهـم على الإسراع في الإيفاء بالتزاماتهم لتمويل مشاريع تحسين أوضاع المخيمات.
واستهلت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عملها في كافة المخيمات بما توفر من أموال من الدول المانحة لتحسين البنى التحتية، واستحداث مستوصفات، ومشاغل، وبناء مدارس جديدة، وإطلاق ورشة تأهيل للكوادر الأكاديمية والمهنية كما المناهج ومن المشاريع القائمة على سبيل المثال لا الحصر ترميم مساكن في مخيم البرج الشمالي في صور، وإعادة تأهيل كامل البنية التحتية في مخيم صبرا وشاتيلا، واستحداث مستوصفات ومراكز لعلاج السرطان، والشروع في إقامة بنية تحتية من صرف صحي وتأمين مياه شفة لمخيم عين الحلوة، واستحداث محطتي تكرير مياه في مخيمي ويفل وعين الحلوة، وإطلاق ورشة تربوية على صعيد المناهج الأكاديمية كما تطوير المناهج المهنية في معهد سبلين، وإنشاء مركز تدريبي مهني للنساء العاملات في مخيم البداوي.
في 20 أيار 2007، اعتدت جماعة إرهابية أطلقت على نفسها زوراً تسمية "فتح الإسلام" على الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد. واندلعت مواجهات عنيفة بين الجيش اللبناني والإرهابيين انتهت بانتصار الجيش اللبناني في 2 أيلول 2007. وقد هجّرت الجماعة الإرهابية بفعل مصادرتها مخيم نهر البارد واتخاذها المدنيين العُزّل دروعاً بشرية ما يُقارب 32,000 لاجئ فلسطيني إضافةًَ الى الدمار والأضرار اللاحقة بالبلدات والقرى المتاخمة للمخيم. فكان لا بُدّ من التركيز على مسائل ثلاثة بمتابعة مباشرة من دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة وهي: متابعة أعمال الإغاثة الطارئة، والإعداد لإعادة الإعمار والتواصل اليومي مع الرأي العام.
وقد حرصت اللجنة على المتابعة الدقيقة واليومية لكافة الخطوات المتخذة في هذه المسائل على قاعدة التأكيد على أنّ اللبنانيين والفلسطينيين معاً شركاء في المسؤولية، وأنّ المواجهات ليست بتاتاً بينهم. وتولّت اللجنة في عمل الإغاثة الاهتمام بحوالي 2500 لاجئ نازح أقاموا في مدارس منطقة البداوي الرسمية، بالتنسيق مع الهيئة العليا للإغاثة، والأونروا، وممثلية منظمة التحرير الفلسطينية. وانكبّت اللجنة بالتنسيق مع الأونروا، ومنظمات الأمم المتحدة كافة، والبنك الدولي، والجيش اللبناني، والهيئة العليا للإغاثة، وشركة خطيب وعلمي للاستشارات الهندسية بصفتها هيئة استشارية هندسية للحكومة اللبنانية، للإعداد لإعادة الإعمار، وأثمر انكبابها مؤتمر سفراء ممثلي الدول المانحة والهيئات الدولية في العاشر من أيلول 2007 في السراي الكبير برئاسة دولة رئيس مجلس الوزراء أعاد فيه دولته التأكيد على أنّ قضية اللاجئين الفلسطينيين من مسؤولية المجتمع الدولي، وعدم تطبيق حق العودة بحسب القرار 194 والمبادرة العربية للسلام يؤتي أزمة تلو الأزمة، مع تعهد لبنان الالتزام بمسؤوليته القومية انطلاقاً من احترام ثوابت المصلحة اللبنانية العليا. وقد أتبع دولته المؤتمر بإرسال كتاب إلى رؤساء الدول لحثهم على المساهمة في إعادة الإعمار. وكان متابعة ً لمؤتمر العاشر من أيلول أن:
- عرض رئيس اللجنة السفير خليل مكاوي وفي اجتماع خاص مع سفراء الاتحاد الأوروبي في 18/9/2007 لوضع مخيم نهر البارد والمناطق المجاورة ومقتضيات الإغاثة وإعادة الإعمار.
- التقي السفير مكاوي بتكليف من دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة رؤساء بلديات المناطق الست المجاورة لمخيم نهر البارد - البداوي - دير عمار - المنية - بحنين- ببنين - المحمرة للإطلاع على هواجسهم وإطلاق المرحلة الإعدادية الإنمائية لهذه المناطق.
- رافق وفد ٌ من اللجنة بعثة متخصصة من البنك الدولي زارت المناطق الست في جولة استطلاعية لحاجات أبنائها والتوقف عند المشاريع الملحة إنمائياً.
وها إنّ خطوات العودة إلى مخيم نهر البارد بدأت، والشروع في إعادة إعمار المخيم والمناطق المجاورة استـُهلّ على أن تكون السلطة في المخيم للدولة اللبنانية وحدها، ما يؤكد على جدية وصدقية الالتزامات التي أخذتها الحكومة اللبنانية على عاتقها وتولّت متابعتها لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني بدقـّة.
تاسعاً: في التأكيد على أسلوب التغيير الديمقراطي وإجراء الانتخابات الفرعية
على الرغم من أن الحكومة سجلت التزامها بالبيان الوزاري لجهة إعداد قانون عصري للانتخابات النيابية نتيجة عمل الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب، التي ترأسها الوزير السابق فؤاد بطرس، والتي تمكنت من إنجاز مشروع قانون سُلّم إلى الحكومة في 31/5/2006، فإن العام 2007، وتحديداً في الخامس من آب 2007، شهد إجراء الحكومة للانتخابات الفرعية في كل من دائرتي المتن الشمالي وبيروت الثانية بعد شغور مقعدين نيابيين نتيجة اغتيال كل من النائب والوزير بيار الجميل والنائب وليد عيدو. وقد نجحت الحكومة في تنفيذ قرارها بالدعوة إلى انتخابات فرعية رغم رفض رئيس الجمهورية توقيع مرسوم إجراء الانتخابات الفرعية بحجة أن الحكومة، كما ادعى رئيس الجمهورية، غير موجودة، فكان أن أقرّ مجلس الوزراء مرسوم إجراء الانتخابات كما ينص على ذلك الدستور. وقد حضَّرت الحكومة الأرضية اللوجستية والقانونية للانتخابات التي شارك فيها كل الأطراف، بمن فيهم الأطراف المعارضة للحكومة والتي لم تكن تعترف بشرعيتها، وقد دلّت مشاركتهم في العملية الانتخابية على أمر أساسي وهو الاعتراف الضمني والواقعي والعملي بشرعية الحكومة ودستوريتها.
وقد بينت النتائج، إضافةً إلى مجرى العملية الانتخابية، أن الحكومة سجلت بشكل لا يقبل الشك ولافت على أنها أشرفت على إنجاز عملية انتخابية شفّافة وحيادية قامت بها أجهزة الدولة المختصة ولم تشُبْها أية شائبة. وقد تولت أجهزة الدولة البتَّ بالخلافات بسرعة وكفاءة عالية، وقامت بإعلان النتائج بشفافية كاملة، وهي الانتخابات التي فاز بها المرشح كميل خوري عن التيار الوطني الحر في المتن والنائب محمد الأمين عيتاني عن تيار المستقبل في دائرة بيروت الثانية. وقد كان هذا العمل الدستوري سَيْفاً قاطعاً بين كل الآراء التي سبق أن تعددت من قبل أطراف معارضة والتي خاضت معركة الترويج لعدم شرعية الحكومة ودستوريتها، وقد كان في الانتخابات الفرعية بنتائجها وسيرها الطبيعي تأكيد على احترام الحكومة لأسلوب التغيير الديمقراطي وتقبل نتائجه مهما كانت، وحتى لو حملت النتائج إلى الندوة البرلمانية نواباً معارضين لخط الحكومة السياسي.
III- العدوان الإسرائيلي: المواجهة السياسية والدبلوماسية
من حكومة "آخر من يعلم" إلى حكومة "أول من يبادر"
يمكن القول إن تجربة المواجهة السياسية والدبلوماسية التي خاضتها الحكومة خلال فترة العدوان الإسرائيلي في تموز 2006 وما تلاها من تداعيات كانت تجربةً فريدةً، بسبب ما حملته من تحديات. وفي المقابل من تصميم على المبادرة، أسهمت فيها ظروف تحرّر السياسة الخارجية اللبنانية من القيود والأثقال التي كانت تنوء تحتها في فترة الوصاية السابقة. فقد نجحت الحكومة في رسم خريطة الطريق للحل الدبلوماسي والسياسي وطوقت تداعيات العدوان وذيوله، وتمكن لبنان في النهاية من تحرير الأرض بإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها حديثاً، كما نجحت في نشر الجيش الوطني على الحدود الدولية الجنوبية لأول مرة منذ أكثر من 30 سنة. هذا الانتشار جاء مدعوماً من قوات اليونيفيل المعزّزة. بالإضافة إلى إقرار المجتمع الدولي بوجهة النظر اللبنانية على وجه الخصوص بما يتعلق بمزارع شبعا نتيجةً للابتكار الخلاّق الذي ظهر مع إطلاق النقاط السبع التي اعترف بها القرار الدولي 1701، بعد أن تمكن لبنان من تعديل القرار لمصلحته فيما كان ذلك القرار على قاب قوسين أو أدنى من الصدور بصيغة اقرب إلى مصلحة إسرائيل، خاصةً لناحية وضع القرار تحت الفصل السابع. وتمثل الإنجاز الآخر على المستوى الدبلوماسي بإقرار الأمم المتحدة نتيجة ذلك بأن القرار 425 لم يطبق بالكامل لناحية عدم شموله تحرير مزارع شبعا اللبنانية التي ما تزال محتلةً من قبل إسرائيل.
وفي استعراض لمسار المواجهة، يتبين أن الحكومة اللبنانية تمكنت، عبر منهجها المستقل والمتحرر من الضغوط وتركيزها على هدف وحيد هو المصلحة الوطنية العليا، أن تخطّ طريقها وسط الألغام والمصاعب، وهي بالتالي استطاعت أن تنتقل من حكومة "آخر من يعلم" عند اندلاع العدوان إلى حكومة "أول من يبادر" مع بداية العدوان العسكري الإسرائيلي. أي أن الحكومة، التي وجدت نفسها والبلاد وسط مفاجأة عملية اسر الجنديين الإسرائيليين التي نفذها حزب الله متخطياً الخط الأزرق والتي قوبلت برد فعل إسرائيلي همجي بهدف تدمير لبنان وتركيعه، استطاعت بفعل التفكير المستقل أن تستعيد زمام المبادرة سياسياً ودبلوماسياً وتشارك في صنع الحل وشق طريق الخلاص من الاحتلال الجديد، وذلك على الرغم من الكمية القاهرة من الضغوط العسكرية والإنسانية والسياسية والاقتصادية التي تعرض لها لبنان.
أولا": المفاجأة وحكومة "آخر من يعلم"
صباح يوم 12 تموز 2006، وفيما كانت البلاد تستعد لاستكمال جولات الحوار والاتفاق حول المتبقي من نقاط خلافية، وتحديداً مسألة السياسة الدفاعية، ولاستقبال موسم واعد من الاصطياف وحيث كانت عناوين الصحف تتحدث عن المهرجانات الفنية والسياحية المقبلة ونسب الحجوزات المرتفعة لدى شركات الطيران وفي الفنادق والمؤسسات الاقتصادية، وكلها تتحضر لأن تسترد بعض ما خسرته نتيجة الركود الاقتصادي بفعل ما سبق من أحداث جسام تمثلت بجملة من الاغتيالات والتفجيرات، كان يُعْقَد في القصر الجمهوري في بعبدا اجتماع ثنائي بين رئيسي الجمهورية والحكومة، إميل لحود وفؤاد السنيورة. في ذلك الوقت ورد اتصال هاتفي من مخابرات الجيش لإطلاع الرئيسين على خبر عملية نفذها حزب الله في الجنوب عبر الخط الأزرق، وأنه تم أسر جنديين إسرائيليين.
على الفور، ظهرت وعبر الأنباء المتسارعة ملامح رد فعل عسكري إسرائيلي سريع وعنيف بدأ يطال الطرق والجسور في الجنوب، وبلحظات انتقلت البلاد من حال إلى حال. من حال الهدوء والاسترخاء والاستعداد لصيف مزدهر، إلى حال صدمة الأحداث الدراماتيكية المفاجئة. وفيما كان الوزراء يتداعون للقاء من دون موعد في السراي الكبير، قرر رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة دعوة مجلس الوزراء للانعقاد في الليلة ذاتها، خاصةً وأن الطيران الإسرائيلي كان قد بدأ بتدمير الجسور والطرق في الجنوب.
وقبل ذلك، كان رئيس الحكومة قد عقد اجتماعاً مع المعاون السياسي للامين العام لحزب الله، الحاج حسين الخليل، في السراي الكبير سأله فيه الرئيس السنيورة عن خلفية ما حدث وأسباب وتوقيت عملية الخطف؟ فكان الرد أن عملية الأسر سنحت لحزب الله فنفذها. وكان رد فعل الرئيس السنيورة أن المبادرة للقيام بهذه العملية تأتي خلافاً لما وعد به حزب الله، وأنه على الأرجح سيكون لها وعلى ما يبدو من ردة فعل إسرائيل تأثيرات وردود فعل خطيرة على لبنان من قبل حكومة إسرائيل التي تعاني من صورتها الضعيفة نتيجة عوامل عديدة، ومنها اختطاف المستوطن الإسرائيلي في قطاع غزة حيث أقدمت إسرائيل على رد فعل عنيف تجاه القطاع وأهله وعملت تدميراً وتقتيلاً، فكان تقدير مساعد أمين عام حزب الله أن لبنان ليس غزة .
وقد جاء في نص رواية الرئيس السنيورة للنهار: "صحيح أن حزب الله ليس من عاداته اطلاع أحد على خططه العسكرية، وعلى العمليات التي يريد تنفيذها. لكن عمليةً في حجم عملية 12 تموز 2006 خارج منطقة مزارع شبعا المحتلة، وأدت إلى خرق الخط الأزرق على الحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل، هي بالغة الخطورة على لبنان. ناهيك عن أنها جاءت مباشرةً بعد تأكيدات من الأمين العام السيد حسن نصر الله، والتي وعد فيها بصيف لبناني هادئ على الحدود الجنوبية وحيث كان لبنان والاقتصاد اللبناني واللبنانيون في أشد الحاجة إليه لالتقاط الأنفاس. مع العلم أن عمليات حزب الله التي أسماها الأمين العام بأنها تذكيرية وهي اقتصرت منذ سنة 2000، وحسب تأكيداته أيضاً أنها إن حصلت أي العمليات مستقبلاً، فإنها ستكون في منطقة مزارع شبعا المحتلة من دون أي خرق للخط الأزرق. ذلك الخط الذي قام الحزب بخرقه في 12 تموز 2006 متجاوزاً التحذيرات والمخاطر المحدقة والتي كانت تلوح في الأفق، والتي كانت تحتم على لبنان أن يكون شديد اليقظة والتحسب".
وفي حصيلة الاجتماع بين رئيس مجلس الوزراء ومعاون أمين عام حزب الله، يذكر الرئيس السنيورة في حديثه إلى النهار النقاش الذي دار: "رغم أني بقيت مصراً على تقديري بأن العملية قد تجرّ عواقب وخيمة على البلاد، قلت له أخيراً: ما دامت الواقعة قد وقعت وصارت وراءنا ويستحيل الرجوع عنها، فلنبحث ونتعاون في كيفية تدارك تبعاتها علينا جميعاً وعلى لبنان، ولنتداول في المطلوب أن تفعلوه وما يمكن أن تفعله الحكومة للخروج من هذا الوضع المستجد" .
إثر هذا الاجتماع، ونتيجة مجيء الوزراء إلى السراي الكبير لدراسة الموقف، ترأس الرئيس السنيورة اجتماعاً وزارياً تلقائياً للتشاور في الموقف المستجد وسط حالة من المفاجأة الكاملة والارتباك والصدمة، وشعور الحكومة أنها آخر من يعلم سيما وأن الذي نفذ عملية الأسر هو حزب رئيسي مشارك في الحكومة.
وخلال هذا الاجتماع الوزاري طرح السؤال، كيف جرى ما جرى وما العمل وما هو موقف الحكومة وكيف يمكن مواجهة هذا التطور الذي بدأ يُظْهر ملامح رد فعل عسكري سريع وعنيف وانه يشكل على ما يبدو بداية عملية انتقامية إسرائيلية واسعة ومؤلمة بدأت تطال الطرق والجسور في منطقة الجنوب، وما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا العمل ولماذا في هذا الوقت بالذات، وما هو الموقف الذي يجب أن تتخذه الحكومة في اجتماع مجلس الوزراء. وخلال الاجتماع الوزاري، تناهى إلى علم الحكومة أن أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله قد أعلن أن الحزب قد قام بعملية الأسر تنفيذاً لوعده أهالي الأسرى المحتجزين من قبل إسرائيل (الوعد الصادق)، معلناً أن "الأسيرين أصبحا في مكان بعيد وآمن واليوم هو يوم الوفاء لسمير القنطار والأسرى الذي يجب أن يعودوا بتفاوض وتبادل في المقابل".
في المقابل، أعلنت الحكومة الإسرائيلية تنفيذها عملية في العمق اللبناني مطالبة بإطلاق الأسيرين ومهددةً بإعادة لبنان عشرين سنة إلى الوراء.
رئيس مجلس الوزراء، ونتيجة النقاش في جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت مساءً برئاسة رئيس الجمهورية، بَلْوَر الموقف الذي يجب أن تتخذه الحكومة انطلاقاً من المعطيات التالية:
أولاً: أن العملية لم تتم في الأراضي اللبنانية المحتلة، ولو أنها تمت فيها لربما كان الموقف سهلاً على الحكومة في التعامل مع المجتمع الدولي الذي كان لبنان قد أوجد معه أرضية تسمح للبنان بالرد على أي اعتداء عبر تفاهم نيسان المعروف، وذلك قبل تحرير الجنوب عام 2000. لكن العملية التي نفذها حزب الله جاءت من خارج هذا السياق.
ثانياً: يقول حزب الله إنه لن يسلّم الأسيرين إلاّ وفق عملية تفاوض بواسطة طرف ثالث، وإسرائيل تعلن أنها ستنفذ عمليات عسكرية في العمق اللبناني لاستعادة الأسيرين ولإعادة لبنان عشرين سنة إلى الوراء.
من هنا كانت الرؤية التي جرى تطويرها في الاجتماع هي أنه من واجب الحكومة أن تتصدى للعدوان الإسرائيلي الذي سيدمّر لبنان. لكن في الوقت ذاته، كان على الحكومة أن تفتح طريقاً للكلام والحديث مع المجتمعين العربي والدولي، وهما يمثلان الجهة الوحيدة القادرة على ردع إسرائيل، وصولاً إلى بناء موقف تفاوضي يصون لبنان ويحفظ مصالحه الوطنية. كان الحل أن تلجأ الحكومة إلى سلاح الموقف الذي لا يلتزم بعمل حزب الله، لجهة أنه تخطى إطار الموقع الذي يُدافعُ عنه في المحافل الدولية لمقاومة الاحتلال في ارض وطنية محتلة، توصلاً إلى حفظ كل من الموقف والموقع القادرين على التصدي للعدوان الإسرائيلي وحفظ المصلحة الوطنية. كان موقف الحكومة دقيقاً وحساساً، ويتركز في كيفية الوصول إلى الموقف الذي لا يصل إلى مواجهة أو إدانة حزب الله كقوة وطنية تجاوزت حدود المقاومة على الأرض المحتلة، وفي ذات الوقت بناء الموقف الذي يترك مجالاً للمجتمع الدولي للتفاوض والحديث مع الحكومة كطرف موثوق وقادر على تقديم المشروع البديل لحماية لبنان من جموح وعدوانية الحكومة الإسرائيلية؟
هذه الخلفية هي التي حكمت موقف الحكومة ورئيسها الذي اقترح في مجلس الوزراء الموقف الذي قال: "إن الحكومة اللبنانية لم تكن على علم، وهي لا تتحمل مسؤولية، ولا تتبنى ما جرى". كانت الخلفية التي حكمت تفكير رئيس الحكومة في هذا التوجه تجنيب البلاد اكبر كمية من المخاطر، وفي الوقت ذاته السماح بالانتقال إلى منصة تفاوضية تسمح بتناغم غير معلن بين الحكومة والمقاومة. إذ إن الحرب كانت قد أعلنت، وطرفاها المقرران ظاهرياً، أي حزب الله والحكومة الإسرائيلية. وبالتالي لن تكون المرجعية هي الحكومة اللبنانية التي يجري القتال على أرض شرعيتها وسلطتها السياسية النظرية.
لقد بلور الرئيس السنيورة في تلك اللحظات الموقف واستعمل حججه قائلاً: "علينا أن نبني المنصة التفاوضية بين موقفين، موقف حزب الله الذي لم يخطر الحكومة أو يقيم حسابات دقيقة قبل القيام بالعملية، وموقف إسرائيل التي لا ترى إلا الانتقام لاستعادة هيبتها وصورتها المهزوزة التي أسهمت فيها تداعيات عملية الأسر". كان موقف رئيس الحكومة هو أن علينا أن نفتح الأوتوستراد الذي ستمر من خلاله العملية التفاوضية والموقف اللبناني، لإفساح المجال أمام حل بين موقع وموقف حزب الله، والهمجية الإسرائيلية التي لا حدود لها والعالقة في مأزق صورتها المكسورة بفعل ضربة المقاومة.
مجلس الوزراء الذي انعقد في تلك الليلة خرج بالموقف التالي: "إن الحكومة اللبنانية لم تكن على علم، وهي لا تتحمل مسؤولية، ولا تتبنى ما جرى ويجري من أحداث على الحدود الدولية. وهي تستنكر بشدّة العدوان الإسرائيلي الذي استهدف ويستهدف المنشآت الحيوية والمدنيين، وهي لذلك تطالب بعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن لتناوُل ومعالجة هذه الاعتداءات وتبدي استعدادها للتفاوض عبر الأمم المتحدة وأصدقاء ثالثين لمعالجة ما جرى من أحداث وما أدت إليه والأسباب التي دعت إلى ذلك". وهي عنت بذلك الأساليب المتعلقة باستمرار اعتقال اللبنانيين في السجون الإسرائيلية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا واستمرار تعنّت إسرائيل في انتهاك الأجواء والمياه اللبنانية وعدم تزويدها للبنان بخرائط الألغام التي زرعتها إسرائيل في الأراضي اللبنانية على مدى سنوات الاحتلال.
موقف مجلس الوزراء هذا لم يصدر بالإجماع، وكان هناك اعتراض عليه من الوزيرين محمد فنيش وطراد حمادة وتحفظ من الوزير طلال الساحلي على كلمة "لا تتبنى".
ثانياً: الحكومة اللبنانية من المفاجأة إلى المبادرة
موقف مجلس الوزراء أتاح المجال أمام الحكومة ورئيسها الشروع في القيام بأوسع عملية اتصالات عربية ودولية لشرح موقفها. وفي الوقت ذاته التأسيس لموقف يمهد للخروج من المأزق الذي وقعت فيه البلاد والذي تركها مكشوفة أمام آلة القتل والتدمير الإسرائيلية التي كانت تتمتع بغطاء دولي أساسه أن الخرق للخط الأزرق جاء من الجانب اللبناني، وخصوصاً أن لبنان كان قد تعهد باحترام الخط الأزرق.
موقف لبنان في عدوان تموز كان يختلف عن موقفه في مرحلة عدوان عناقيد الغضب في نيسان 1996، والذي ارتكبت إسرائيل فيه يومها مجزرة قانا الأولى. لقد كان الموقف اللبناني يومها ينطلق من أن المقاومة تعمل وفق شرعية وطنية أساسها الشرعة الدولية التي تجيز المقاومة المسلحة لتحرير الأرض المحتلة، أما عملية اختراق الخط الأزرق التي تمت في تموز العام 2006 فإنها كانت في ظروف مختلفة، أي بعد الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة باستثناء مزارع شبعا، وهي لم تحصل بالطبع في منطقة مزارع شبعا بل عبر اختراق خط الانسحاب المعروف بالخط الأزرق المحدد والمعترف به دولياً.
في عدوان نيسان (عناقيد الغضب)، كانت الأرضية صالحة لتناغُمٍ وتضامن علني بين المقاومة المسلحة للاحتلال والسلطة السياسية أي الحكومة. أما في عدوان تموز، فإن الموقف كان مختلفاً لناحية أن الأرض قد تحررت باستثناء مزارع شبعا، وعملية حزب الله في هذه المرة كانت خارج الأراضي اللبنانية المحتلة، أي عبر الخط الأزرق وخارج الحدود الدولية اللبنانية الجنوبية.
عقب ذلك، بادر رئيس مجلس الوزراء، وفي الكلمة التي وجهها إلى اللبنانيين والعالم واعتبر فيها لبنان بلداً منكوباً، إلى تحديد أسس ما سمي فيما بعد بالنقاط السبع، حيث دعا من جهة أولى إلى فتح البيوت والقلوب للنازحين باعتبارها ساعةً للتضامن والوحدة وليس للفرقة والتنازع، ومما قاله: "هذه التجربةُ بالذات تدفعُنا أكثر من أي وقت مضى إلى التمسك بحق الدولة اللبنانية وواجبها في حماية لبنان واللبنانيين تجاه أي تهديد أو اعتداء. إن لبنان لا يستطيع القيام والنهوض إذا كانت الدولة فيه آخِرَ مَنْ يعلم وأولَ مَنْ يُطالَب. إن الدولةَ وحدها هي التي تملك القرار الشرعي بالسلم والحرب، لأنها تمثل إرادة اللبنانيين الذين ارتضَوا العيش معاً. نحن نواجه العدوان الآن موحدين، وسنظل كذلك من وراء الدولة ومؤسساتها الدستورية. أيها اللبنانيون، هناك عدوان كبير يواجه دولتنا وشعبنا. ولن نتراجع أمامه أو نتردد. وفي الوقت الذي نتخذ فيه كلَّ التدابير للعناية الإغاثية والإدارة السياسية، أريد أن أُذكِّر هنا بما أعلنه مجلس الوزراء في قراراته الأخيرة: "تؤكد الحكومةُ اللبنانية على مسؤوليتها في حماية الوطن والمواطنين والمحافظة على أمنه وسلامه، وعلى حقها وواجبها في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وفي ممارسة سيادتها واتخاذ قرارها الوطني في الداخل والخارج". بناءً على كل ذلك ندعو:
أولاً: إلى وقف شامل وفوري لإطلاق النار، ترعاه الأمم المتحدة، ويفسح المجال أمامها وأمام الدول العربية الشقيقة والجهات الدولية الصديقة، وبالتعاون مع الحكومة اللبنانية، لمعالجة مسؤولة لكل المشكلات الناجمة عن الأحداث الأخيرة وتلك التي تسببت بها.
ثانياً: العمل على بسط سلطة الدولة على كل أراضيها، بالتعاون مع الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني، وكذلك العمل على استعادة كامل الأراضي اللبنانية، وممارسة سيادة الدولة غير المنقوصة عليها، والتمسك باتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949 والتي أكد عليها اللبنانيون في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.
ثالثاً: يناشد لبنان أشقاءه وأصدقاءه في العالم المسارعة إلى نجدته وإغاثته سواء لجهة الضغط من أجل إيقاف العدوان، أو لجهة المساعدة الإنسانية. إن الحكومة اللبنانية تحمّل المعتدين الإسرائيليين مسؤولية الكارثةِ الإنسانية والاقتصادية والإعماريةِ التي حلت وتحل بلبنان" .
النقاطُ الثلاثُ التي أوردها رئيس مجلس الوزراء في كلمته إلى اللبنانيين والعالم في اليوم الثالث للعدوان هي النقاط التي طُوِّرَتْ عبر النقاش مع الوزراء ورئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، المكلّف بالعملية التفاوضية نيابة عن حزب الله، وبالتعاون مع الرئيس فؤاد السنيورة، وتحوّلت فيما بعد لتصبح النقاط السبع.
ثالثاً: النقاط السبع
ظلَّ مجلس الوزراء خلال العدوان في حالة انعقاد دائم، وكان يعقد في بعض الأحيان جلستين يومياً، قبل الظهر وبعده، لمتابعة تطورات العدوان وتحفيز أعمال الإغاثة للنازحين إضافةً إلى متابعة الاتصالات التي كانت جاريةً مع الدول العربية والأجنبية لمواجهة التداعيات، خاصة وأن الحكومة الإسرائيلية كانت تفكر وتهدد بتدمير كل مرافق البنية التحتية وخاصة أبنية المطار ومحطات الكهرباء وخزانات المياه وغيرها من المنشآت العامة والخاصة بعد أن دمرت كل الجسور والطرق. وقد شهدت جلسة مجلس الوزراء في 22/7/2006 نقاشاً حول سبل الخروج من المأزق، وكان إجماع على تفويض رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة التفاوض باسم الحكومة انطلاقاً من خمس نقاط هي: المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، استعادة الأسرى اللبنانيين في إسرائيل، تسليم خرائط الألغام، استعادة مزارع شبعا مقابل بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. كما كُلِّف الرئيس السنيورة تشكيل الوفد إلى مؤتمر روما وتمثيل لبنان.
وقد انصرف رئيس مجلس الوزراء إلى الإعداد للمؤتمر عبر الاتصالات والاجتماعات الدبلوماسية، والاتصالات مع رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري الذي كان على اطلاع كامل على مجريات الأمور وكافة الاتصالات الدبلوماسية، بما في ذلك التفاصيل الواردة في مشروع خطاب الرئيس السنيورة الذي أعد للإلقاء أمام المؤتمر في روما. ولقد رافق الرئيس السنيورة إلى المؤتمر الوزراء: الياس المر، مروان حمادة، ميشال فرعون، طارق متري، فوزي صلوخ، وجهاد أزعور. وخلال الرحلة بالطائرة إلى روما، اطلع الوزراء على نص الخطاب وأدخلوا التعديلات اللازمة عليه، بما فيهم الوزير صلوخ الذي كان يحمل ملاحظات خطية زوده بها الرئيس بري وحيث قارن مضمون الخطاب على أساسها وهو كان قد دونها نتيجة الاتصال بالرئيس بري. وقد تضمن خطاب الرئيس السنيورة أمام المؤتمر الذي انعقد في روما بتاريخ 26 تموز 2007 ما عرف بخطة النقاط السبع، وقد نصت على ما يلي:
"وقف إطلاق نار فوري وشامل، وإعلان اتفاق حول المسائل التالية:
- التعهد بإطلاق الأسرى والمحتجزين اللبنانيين والإسرائيليين عن طريق لجنة الصليب الأحمر الدولي.
- انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خلف الخط الأزرق وعودة النازحين إلى قراهم.
- التزام مجلس الأمن وضع منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت سلطة الأمم المتحدة حتى ينجز ترسيم الحدود وبسط السلطة اللبنانية على هذه الأراضي، علماً أنها ستكون، خلال تولي الأمم المتحدة السلطة، مفتوحةً أمام أصحاب الأملاك اللبنانيين. كما أنه يتعين على إسرائيل تسليم كافة خرائط الألغام المتبقية في جنوب لبنان إلى الأمم المتحدة.
- بسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها عبر انتشار قواها المسلحة الشرعية، مما سيؤدي إلى حصر السلاح والسلطة بالدولة اللبنانية كما نص اتفاق المصالحة الوطنية في الطائف.
- تعزيز القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان وزيادة عديدها وعتادها وتوسيع مهامها ونطاق عملها وفقاً للضرورة، بهدف إطلاق العمل الإنساني العاجل وأعمال الإغاثة وتأمين الاستقرار والأمن في الجنوب ليتمكن النازحون من العودة إلى منازلهم.
- اتخاذ الأمم المتحدة بالتعاون مع الفرقاء المعنيين الإجراءات الضرورية لإعادة العمل باتفاق الهدنة الذي وقعه لبنان وإسرائيل في العام 1949 وتأمين الالتزام ببنود هذا الاتفاق إضافة إلى البحث في التعديلات المحتملة عليه أو تطوير بنوده عند الضرورة.
- التزام المجتمع الدولي دعم لبنان على كافة الأصعدة ومساعدته على مواجهة العبء الكبير الناتج عن المأساة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها البلد، خاصةً في ميادين الإغاثة وإعادة الإعمار وإعادة بناء الاقتصاد الوطني" .
وما نجح المؤتمر في التوصل إلى الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار بسبب معارضة الولايات المتحدة التي تمثلت في المؤتمر بوزيرة الخارجية كوندوليسا رايس، والتي لاقى اعتراضها على الدعوة لوقف النار معارضةً من قبل لبنان وبقية الدول المشاركة.
وفور عودة الوفد إلى لبنان، عقد مجلس الوزراء جلسة بتاريخ 27/7/2006 للاطلاع على نتائج المؤتمر، وكانت جلسة طويلة تخللها نقاش في كل القضايا أبدى فيها الوزير الممثل لحزب لله، الأستاذ محمد فنيش، تحفظه خلال النقاش على البنود السبعة وخاصة البند المتعلق بوضع مزارع شبعا تحت سلطة الأمم المتحدة والبند الذي ينص على: "تعزيز القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان وزيادة عديدها وعتادها وتوسيع مهامها ونطاق عملها" بحجة أن الأمر لم يناقش في مجلس الوزراء. بيد أن الحديث في مجلس الوزراء تركز على أن الخطاب وُضع بالتنسيق مع الرئيس بري ومعرفته ومباركته وهو المفوض من حزب الله بالمفاوضات، كما أن هذا الموقف هو موقف تفاوضي هام مع المجتمع الدولي على أن تعديل مهام قوات الطوارئ الدولية لن يتم دون العودة لمجلس الوزراء. وبعد طول نقاش، وافق مجلس الوزراء بالإجماع على مضمون خطاب الرئيس السنيورة في مؤتمر روما. وقد جاء في نص قرار مجلس الوزراء، الذي أعلنه وزير الإعلام غازي العريضي:
"توقف مجلس الوزراء عند الحركة السياسية والاتصالات الجارية لتحقيق وقف فوري وشامل لإطلاق النار، وكانت المحطة الأبرز في مناقشة الأوضاع في روما، حيث عقد المؤتمر أمس وشارك فيه عدد من الدول الأساسية إضافة إلى حضور عربي قوي، ووفد لبناني برئاسة دولة رئيس مجلس الوزراء. وقد وضع دولة الرئيس مجلس الوزراء في أجواء المناقشات التي دارت، والاتصالات التي أجراها مع عدد من رؤساء الوفود، وأدت إلى تحقيق تقدم في تفهم موقف لبنان وتبني بعض مطالبه الأساسية، وإذا كان البعض يعتقد أن المؤتمر فشل، وإذا كان البعض الآخر يتعمد عن قصد تعميم الفشل بسبب عدم الوصول إلى قرار لوقف إطلاق النار، فإن دولة الرئيس كان قد طرح قبل ذهاب الوفد الذي ترأسه إلى روما بأنه لا يتوقع هذا الشيء، وبالتالي فإن ما تم التوصل إليه وفي عدد من النقاط الأساسية البارزة يعتبر إنجازاً واختراقاً بالنسبة إلى لبنان، إن على صعيد الدعوة إلى تطبيق القرار 425 وبالتالي على صعيد وضع موضوع استعادة مزارع شبعا في أولوية الاجتماعات والاتصالات بما يؤكد حق لبنان ويفتح الطريق أمام تحقيقه، وهذا إنجاز كبير بحد ذاته، ولتحقيق المزيد من النتائج لا بد من تعزيز الوحدة الوطنية اللبنانية وتأكيد التضامن بين الجميع واستمرار العمل في كل الاتجاهات وعلى كل الصعد ومع كل المرجعيات والقوى المؤثرة من أجل تعزيز وضع لبنان وحماية حقه، وإدانة إسرائيل وتحميلها مسؤولية ما يجري، والوصول إلى صيغة حل شامل للأزمة يضع حلولاً للأسباب ومعالجات للنتائج ويضمن عدم عودة الأمور إلى ما كانت عليه لجهة إمكانية تعريض لبنان للخطر. إن إدارة القرار في التفاوض وفي الوصول إلى الحلول هي في مستوى كبير من الأهمية في ضمان نجاح لبنان أو فشله، والأساس في ذلك هو الوضوح في الرؤية والوحدة الوطنية والثقة بين بعضنا البعض.
انطلاقاً من ذلك، وبعد أن استمع المجلس إلى كل المعلومات عمّا دار في مؤتمر روما، وبعد مداخلات عدد من السادة الوزراء الذين شاركوا في المؤتمر وزملاء آخرين، توقف مجلس الوزراء بكثير من الاهتمام عند الخطاب الذي ألقاه دولة الرئيس فأكد تأييده وتبنيه لمضمون الخطاب وأجمع على الإشادة بدور دولته في إدارة الأمور ومتابعتها على كل الصعد، لاسيما في اتصالاته وحركته السياسية والدبلوماسية والتي يحرص فيها على إشراك الجميع والتشاور معهم انطلاقاً من حرصه على وحدة الموقف وعلى تأكيد التوازن بين ضرورة التمسك بالحقوق من جهة، ومعرفة مواقف كل القوى والأطراف والموازين السياسية الدولية من جهة ثانية، لنعبر إلى الحل المنشود".
- التأييد للنقاط السبع في القمة الروحية
لم يقتصر تأييد النقاط السبع على مجلس الوزراء بل شمل القمة الروحية المسيحية الإسلامية. ففي 1/8/2006، انعقدت في مقر البطريركية المارونية في بكركي قمة روحية، حضرها رؤساء الطوائف الإسلامية والمسيحية كافة، ناقشت تطورات العدوان الإسرائيلي وأصدرت بياناً أيدت فيه النقاط السبع، وقد جاء في نص البيان:
"دعم الجهود التي تبذلها الدولة اللبنانية ممثلة بمجلس الوزراء مع المراجع الدولية المختصة لاستعادة السيادة اللبنانية المستباحة وبسطها على كامل ارض لبنان وسمائه ومياهه، ولاسيما الانسحاب الإسرائيلي الفوري من مزارع شبعا. وتبني المقترحات العملية التي حددها دولة الرئيس فؤاد السنيورة أمام المؤتمر الدولي في روما والتي أيدها مجلس الوزراء بالإجماع، وهي المقترحات المحددة في البنود السبعة بعد الوقف الفوري للنار".
- إعادة التأكيد في مجلس الوزراء في 5/8/2006
وعاد مجلس الوزراء إلى الانعقاد في 5/8/2006 وقد جاء في نص قراره التأكيدي:
"جدّدت الحكومة تمسكها بالإجماع وإجماع سائر اللبنانيين حول النقاط السبع، وتمنت الابتعاد في مواقف الجميع عن كل ما يمكن أن يؤثر على وحدة الموقف الوطني".
- تصريح الوزير محمد فنيش
وزير حزب الله محمد فنيش قال إثر جلسة إقرار النقاط السبع:
إن "مجلس الوزراء متفق على آلية اتخاذ القرار، وهو مجمع على النقاط السبع بحسب المناقشات التي جرت في مجلس الوزراء". أضاف: "هذه هي النقاط التي أجمعنا عليها، ونقارن بينها وبين ما يُطرح في مجلس الأمن، ونأخذ بما يتناسب معها".
-
الموقف الذي أعلنه رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري
أما رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، وكان على اطلاع كامل على مراحل إعداد خطاب الرئيس السنيورة الذي أُلقي في مؤتمر روما، فقد طالب في 6/8/2006 وزراء الخارجية العرب الذين سيعقدون اجتماعهم في بيروت في اليوم التالي "بموقف عملي لإنهاء الأزمة مع إسرائيل عبر المساعدة على تطبيق خطة النقاط السبع التي قدمتها الحكومة اللبنانية".
وتساءل في مؤتمر صحافي عقده في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة "هل أنتم (أي وزراء الخارجية العرب) مستعدون لأخذ موقف لإنقاذ لبنان عبر تطبيق خطة البنود السبعة، أم المطلوب أن يبقى الجرح اللبناني نازفاً؟ (...) أما آن لهذا اللبنان أن يترجّل عن صليبه؟ أنا بانتظار الجواب العربي، وأيضاً لعلي آمل أكثر من اللزوم في أن يعاد النظر في مشروع قرار مجلس الأمن بما يتلاءم وينطبق مع النقاط السبع، لأن لبنان، كل لبنان، يرفض أي كلام وأي مشروع قرار خارج عن إطار هذه النقاط السبع".
أضاف الرئيس بري: "كل المندوبين الذين جاءوا إلينا، وخصوصاً الأمريكيين والفرنسيين والإنكليز وغيرهم، لم يعترضوا على أي بند من بنود الحكومة اللبنانية، يعني البنود التي وافق عليها مجلس الوزراء بالإجماع، يعني بمعنى آخر الخطاب الذي ألقاه دولة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في روما والذي تبناه مجلس الوزراء حرفياً بعد عودته تحت ظل وقف إطلاق نار، وسبعة بنود كما وردت في النصين العربي والإنكليزي".
- الموقف الذي أعلنه مجلس الجامعة العربية
في 7/8/2006، أصدر مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه غير العادي المنعقد على المستوى الوزاري في بيروت، بياناً جاء فيه: "تأكيد التزام الدول العربية بتوفير الدعم السياسي الكامل للحكومة اللبنانية وما طرحته في برنامج "النقاط السبع" التي أقرتها".
- الموقف الذي أعلنه أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله
أما أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، فقد وجه في 9/8/2006 كلمة إلى اللبنانيين عبر تلفزيون المنار، قال فيها:
"أدعو الحكومة اللبنانية إلى مزيد من الصمود السياسي وإلى التمسك بخطة النقاط السبع التي أجمعنا عليها كلبنانيين لأن أي تجاوز لبنود هذه الخطة، التي اعتبرت برأينا تحفظ الحد الأدنى من الحقوق الوطنية والمطالب، هو خروج على الإجماع الذي كنا جميعاً حريصين عليه في كل المراحل السابقة".
- الموقف الذي أدلى به الرئيس إميل لحود
في 11 آب 2006، وفي تصريحات لوسائل إعلام، قال رئيس الجمهورية إميل لحود: "إن مشروع النقاط السبع الذي تقدم به لبنان، وقرار إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب، هما ركيزة مهمة لحل الأزمة الحالية، ولكن في المقابل، كل ما يقدمونه لنا هو الفيتو الأميركي".
رابعاً: وزراء الخارجية العرب ودعم الموقف اللبناني
دفع الصمود اللبناني على كل المستويات السياسية والدبلوماسية والعسكرية في وجه الهمجية الإسرائيلية بالرأي العام العالمي والعربي لمساندة لبنان. فالمقاومة اللبنانية أثبتت بعد سبعة وعشرين يوماً من المعارك أنها قادرة على منع إسرائيل من تحقيق أي انتصار عسكري، لا على مستوى ضرب البنية العسكرية لحزب الله، ولا على مستوى التقدم على الأرض لاحتلال أية مواقع هامة أو متقدمة باستثناء شريط صغير من الأراضي اللبنانية المحاذية للحدود الدولية. وقد اقتصر الفعل الإسرائيلي على قوة التدمير الحربية التي أمنتها طائرات العدو والتي صبّت حممها على القرى والمدن والأحياء السكنية والبنية التحتية. هذا الصمود الأسطوري للمقاومة من جهة، وتضامن الشعب اللبناني ووحدته الجامعة وكذلك الصلابة الدبلوماسية اللبنانية من جهة أخرى، انقلب إلى حركة تضامن مع لبنان بالتوازي مع بدء المشاورات الدولية في مجلس الأمن لاستصدار قرار دولي بشأن هذه الحرب، بعد أن بدأت تتبلور لدى الحكومة معالم الحل المستند إلى المنصة التفاوضية التي كانت الحكومة قد حضّرت لها، كما أشرنا منذ البداية، على مستوى الموقف أولاً، ومن ثم على مستوى المقترحات ثانياً. وهذا ما تمثل بخطة النقاط السبع مع إبداء الحكومة استعدادها لإرسال الجيش إلى الجنوب للانتشار على الحدود الدولية تسانده قوات اليونيفيل المعزّزة.
وعلى هذا الأساس، شهدت بيروت، وتحديداً السراي الكبير، انعقاد اجتماع استثنائي لمجلس وزراء الخارجية العرب وبدعم من الرؤساء العرب، ولاسيما من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.
لقد شكل هذا الاجتماع موقفاً تضامنياً مع لبنان في السابع من آب 2006، وذلك على صوت غارات الطيران الحربي الإسرائيلي وعلى بعد مئات الأمتار من الأماكن التي كان يستهدفها القصف الإسرائيلي.
وقد ألقى رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة خطاباً شاملاً أمام الوزراء العرب، وقد كان لافتاً تأثر رئيس مجلس الوزراء أثناء إلقاء الكلمة خاصةً حين وصل إلى ذكر الأمهات الثكالى، فدمعت عيناه وتهدج صوته مما دفع بالوزراء العرب لمقاطعته بالتصفيق تضامناً، وهو الحادث الذي عرف فيما بعد (بدموع السنيورة). وقد انقسمت الآراء حول هذه الحادثة، ففيما عاب عليه أمين عام حزب الله حسن نصر الله إظهار تأثره علناً، وجد الكثير من الناس في لبنان والعالم العربي والعالم أجمع في هذه الحادثة أمراً طبيعياً يصدر عن مسؤول وإنسان تأثر بفعل الجرائم والمجازر التي ترتكبها إسرائيل بحق أطفال ونساء وشيوخ لبنان. وقد أعلن الرئيس السنيورة أمام المؤتمر: "نحن محتاجون إلى وقف سريع وحاسم لإطلاق النار. وقد ساعد الملوك والرؤساء العرب في الضغط على الدول الكبرى وسائر أطراف المجتمع الدولي، ولا بد من زيادة الجهود والمساعي والضغوط لبلوغ هذا الهدف، لكن أيضاً من أجل إلزام المعتدي الإسرائيلي بإيقاف الأعمال العدائية والانسحاب إلى ما وراء الخط الأزرق، والخروج من مزارع شبعا اللبنانية وتسليمها إلى القوات الدولية، وتبادل الأسرى، وتزويد الدولة اللبنانية بخرائط الألغام ووقف انتهاكات إسرائيل اليومية للأجواء والمياه اللبنانية".
أما الأمر الآخر والذي يوازي الأول في الأهمية، فيكمن في الحرص على اعتماد المعالجات الجذرية بحيث لا يتكرر العدوان، وبحيث يصبح وقف النار دائماً وشاملاً، فيكون ذلك المدخل للعودة إلى اتفاقية الهدنة المعقودة في العام 1949. لقد عرض الرئيس السنيورة في مؤتمر روما لمساعدة لبنان بتاريخ 26/7 تصوراً شاملاً ومتكاملاً للحل الجذري، أجمع عليه مجلس الوزراء اللبناني، والقمة الروحية المنعقدة بمقر البطريركية المارونية ببكركي. تجدر الإشارة إلى أنه عُقد قبل أربعة أيام مؤتمر قمة منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي خاطبها رئيس الوزراء اللبناني عبر الأقمار الصناعية وتحدث إليها بشأن النقاط السبع السالفة الذكر.
وأضاف الرئيس في خطابه أمام الوزراء العرب: "إننا محتاجون اليوم قبل الغد في الواقع إلى موقف عربي موحد وحاسم لتصويب قرار مجلس الأمن بما يحقق خطوة حقيقية نحو معالجة دائمة، وبما يحفظ صيغتنا السياسية واستقرارنا. إن لبنان لا يتحمل تكوينه الاجتماعي والسياسي تكرار اجتياحات واعتداءات وصراعات ووصايات محلية أو إقليمية أو دولية. لست راضياً عن المسودات التي وصلت إلينا في اليومين الماضيين من مشروع القرار الذي تتم مناقشته في مجلس الأمن. فهو لا يظل دون الشرطين اللذين ذكرتهما فقط، بل لا يكاد ينجز وقفاً حقيقياً لإطلاق النار أيضاً. ولذلك يكون على الإخوة العرب، والذين أتوا مشكورين لدعمنا اليوم، أن يقفوا معنا أمام المجتمع الدولي، والمحاور الإقليمية، موقفاً تضامنياً ثابتاً وحاسماً يسهم في وضع لبنان على طريق السلامة والسيادة بكل جهد ممكن. ولكي أكون صادقاً وشفافاً معكم، أنتم الإخوة والأشقاء والأصدقاء، أقول لكم وأنتم تقبلون الآن على دعمنا في الإغاثة وفي إعادة الإعمار، إننا نحن اللبنانيين محتاجون في هذا الظرف الدقيق وفي سائر الظروف إلى عمل سياسي وإغاثي وإعماري جاد استعادةً لثقة مواطنينا وأشقائنا بنا، وبدولتنا، وسعياً لاكتساب صدقية أكبر لدى الأصدقاء، والاحترام والهيبة لدى الخصوم".
وقد أثمر الاجتماع العربي جملةً من القرارات وكما كان متوقعاً، دعم خطة الحكومة اللبنانية التي تضمّنتها "النقاط السبع"، وإيفاد وفد مكون من وزير خارجية دولة الإمارات العربية الشيخ عبد الله بن زايد، الذي كانت بلاده ترأس دورة الجامعة العربية، ووزير خارجية قطر حمد بن جاسم جبر آل ثاني والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى نيويورك، لإجراء اتصالات بهدف دعم وجهة النظر اللبنانية وتنبيه مجلس الأمن من مغبة اتخاذ قرارات لحلول غير قابلة للتنفيذ من شأنها تعقيد الوضع ولا تخدم مصلحة لبنان واستقراره.
خامساً: إرسال الجيش إلى الجنوب
وفي اليوم ذاته، أي في السابع من آب، وبعد انتهاء اجتماع مجلس الجامعة العربية ومغادرة الوزراء العرب بيروت، انعقد مجلس الوزراء في جلسة من جلساته المفتوحة واتخذ قراراً بإرسال الجيش إلى الجنوب في قوة قوامها 15 ألف جندي، وقد جاء في قرار مجلس الوزراء: "تؤكد الحكومة على استعدادها لإرسال قوة من الجيش اللبناني قوامها 15,000 جندي وانتشارها في منطقة الجنوب، وذلك مع انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق، واستعدادها للموافقة على الاستعانة أيضا بقوات إضافية من اليونيفيل عند الحاجة لتسهيل عملية دخول الجيش اللبناني إلى تلك المنطقة، وذلك كله في إطار النقاط السبع التي وافق عليها مجلس الوزراء سابقاً. وتجدد الحكومة في هذا السياق عزمها على تعزيز إمكانات الجيش اللبناني بما يلزمه من عتاد لتمكينه من القيام بالمهام التي يكلف بها".
سادساً: القرار 1701
مع انتهاء أعمال مؤتمر وزراء الخارجية العرب، كان واضحاً أن مجلس الأمن يتجه لإصدار قرار يستند إلى مشروع مقدم من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ينقسم إلى قرارين، الأول ينص بشكل أساسي على نزع سلاح حزب الله وانتشار قوة دولية متعددة الجنسيات تعمل تحت منطوق الفصل السابع، وبعد شهر يصدر قرار ثان يعلن وقف إطلاق النار، وهذا ما رفضه لبنان واستعان بالدول العربية لمساعدته على تعديل مشروع القرار المشار إليه بما يتماشى مع خطة النقاط السبع. وقد لعب قرار مجلس الوزراء بالإعلان عن الاستعداد لإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب دوراً كبيراً في تحويل مجرى النقاش في مجلس الأمن لتعود فرنسا وبعدها الولايات المتحدة وتتوجها نحو تعديل صيغة القرار الأولى، وليصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1701 على شكل قرار واحد يتضمن مرحلتين: وقف الأعمال العدائية، ومن ثم وقف إطلاق النار فور استكمال تنفيذ المرحلة الأولى.
لكن إسرائيل، التي تعودت على مخالفة القرارات الدولية وكذلك على الإفلات من المحاسبة الدولية، أقدمت خلال الـ48 ساعة التي تلت صدور القرار 1701 على نشر نحو 3,5 مليون قنبلة عنقودية في مناطق الجنوب وقبل أن تنفذ انسحابها من الأراضي التي احتلتها في الجنوب، مما تسبب بخسائر وأضرار بشرية ومادية ما تزال تظهر يومياً عبر الإصابات التي تلحق بالمواطنين وسكان القرى الجنوبية وفي تعطيل الحياة الاقتصادية والمدنية في تلك المناطق المستهدفة بالقصف.
IV- الإنجازات على الصعيد الأمني
على الرغم من كل الصعوبات والعوائق التي واجهتها الأجهزة الأمنية من استمرار عمليات القتل والإرهاب وحملات إعلامية سياسية موجهة ضدها، كانت لتلك الأجهزة إنجازات عديدة في هذا المجال، وعلى أكثر من صعيد، وكان من ضمن ذلك:
أولاً: زيادة عديد الجيش بحوالي عشرة آلاف عنصر وقوى الأمن الداخلي بحوالي خمسة آلاف عنصر والأمن العام بحوالي 750 مفتشاً ومأموراً
ثانياً: انتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانية حيث انتشرت قوة مؤلفة من 15,000 ضابط وجندي من الجيش في الجنوب لأول مرة منذ اكثر من ثلاثين سنة، و8,600 عنصر على طول الحدود اللبنانية السورية، وحوالي ألف عنصر على طول الشواطئ اللبنانية
ثالثاً: الكشف عن الجرائم، وأهمها:
- الكشف عن مجموعات إرهابية منضوية تحت لواء ما يسمى بـ "فتح الإسلام"
- الكشف عن بعض الجرائم، وأهمها كشف جريمة تفجير حافلتي الركاب الإرهابية في محلة عين علق وتوقيف الفاعلين، وتوقيف أشخاص بجرم التدخّل بعملية خطف وقتل "الزيادين"، وتوقيف عدد من المشتبه بهم في التفجير الذي استهدف القوات الدولية
- في الأمن الوقائي، جرى مداهمة مراكز حزبية وضبط كمية كبيرة من الأسلحة والمتفجّرات، وضبط أجهزة متطوّرة تستعمل في تفجير عبوات ناسفة، وكذلك ضبط صواريخ، وتوقيف شخص كان يحاول تفجير عبوة ناسفة.
رابعاً: ضبط المعابر والحدود حيث تم التالي:
- ضبط عبور اللبنانيين والسوريين على المعابر البرية
- إزالة التعديات على بعض المعابر الشمالية
- بدء العمل بالمشروع التجريبي لضبط الحدود مع الحكومة الألمانية
خامساً: تجهيز الجيش وقوى الأمن الداخلي بما يحتاجانه من معدات وتجهيزات وعتاد، حيث حصل لبنان في هذه الفترة على تعزيزات ومعدات من عدد من الدول الشقيقة، ومنها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن، وعدد من الدول الصديقة من ضمن برامج الدعم المعتمدة ولا سيما من الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا فرنسا.
سادساً: العمل على تحسين وسائل التحقيقات الجنائية حيث تم توقيع مذكرة تفاهم لمشروع يهدف إلى تحسين الوسائل المتّبعة من قبل الشرطة القضائية اللبنانية في التحقيقات الجنائية بتمويل من الاتّحاد الأوروبي وبمشاركة أربعة بلدان أوروبيّة وهي أسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والمملكة المتّحدة.
V- أعمال الإغاثة وإنجازات ورشة النهوض والإعمار
على إثر تعرض لبنان في تموز 2006 لأوسع وأشرس عدوان عرفه في تاريخه المعاصر، عملت الدولة على إطلاق ورشة جبّارة لإعادة التأهيل والإعمار والنهوض، وكان أبرز معالمها:
أولاً: الدعم العربي والدولي ومؤتمر ستوكهولم
ما أن انتهت الأعمال الحربية والقتالية حتى بادرت الحكومة اللبنانية إلى دعوة المجتمع الدولي إلى عقد مؤتمر لدعم لبنان في ستوكهولم في السويد لمعالجة المشكلات العاجلة والناتجة عن الحرب. وفي المحصّلة النهائية للمساعدات المخصصة للنهوض وإعادة الإعمار والتي وردت للدولة ما بعد مؤتمر ستوكهولم، حصل لبنان على وعود بمساعدات قدرت بحوالي ملياري دولار، تأكد منها حتى الآن 1.45 مليار دولار، كان منها 960 جاءت بشكل نقدي وأهمها كان هبة المملكة العربية السعودية بمبلغ 570 مليون دولار. ومن ناحية أخرى، بلغت القروض الميسّرة الموعودة 121 مليون دولار والمخصصة لإعادة الإعمار، تأكد منها حتى الآن 104 ملايين دولار من الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ثانياً: تنسيق المساعدات وأعمال النهوض والإعمار: وحدة النهوض
قامت رئاسة مجلس الوزراء باستحداث وحدة خاصة نشطت في مجال التواصل مع كافة الوزارات والمؤسسات والهيئات العامة والمستشارين المعينين من قبل الدولة وبالتعاون مع الدول والمنظمات الدولية المانحة، وكذلك من أجل ملاحقة تنفيذ الأعمال، والتنسيق بين الجهود المبذولة. وقد تمكنت هذه الوحدة من القيام بعدة أمور كان من أهمها تنسيق برامج النهوض المبكر التي تكفَّل بتمويلها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ووضع أطر عملية لمساهمة الدول المانحة في إعادة النهوض والإعمار، والتنسيق بشأن تبني إعادة إعمار الجسور المتضررة وإصلاح شبكات المياه وتركيب البيوت الجاهزة والمدارس الجاهزة، وتسهيل عملية تبني إعادة إعمار القرى المتضررة والمدارس والمستشفيات، وكذلك تأمين السلامة العامة في الأبنية المتصدعة، والإسهام في إعداد مشاريع القوانين الخاصة بإعادة الإعمار، بالإضافة إلى المساهمة في وضع الآليات اللازمة لتحديد ودفع المساعدات عن الأضرار اللاحقة بالوحدات السكنية وغير السكنية.
رابعاً: الإنجازات في مجالات الإغاثة وإعادة التأهيل واستعادة النهوض
- في المجال الاجتماعي
أ. تأمين المواد الغذائية وغير الغذائية لكافة المتضررين خلال وبعد انتهاء العدوان، حيث تم توزيع المساعدات العينية التي وردت للهيئة العليا للإغاثة والبالغ مجموعها 11,232 طناً من المواد الغذائية و502 طناً من الأدوية والمعدات الطبية بالإضافة إلى مولدات كهربائية وسيارات إسعاف ومستشفيات ميدانية ومدارس جاهزة.
ب. المساعدات الإنسانية للجرحى وأهالي الشهداء: حيث بلغ حجم المساعدة المدفوعة لأهالي الشهداء وعددهم 1,193 شهيداً مبلغ 22.9 مليار ليرة لبنانية، كذلك بلغت المساعدة المدفوعة لـ3,265 جريحاً أصيبوا بإعاقات مختلفة 15.3 مليار ليرة لبنانية حتى تاريخه.
ج. مساعدات إعادة الإعمار: حيث تمّت معالجة ملفات عائدة لحوالي 79,200 وحدة مدمرة كلياً أو جزئياً أو تعرضت لأضرار متفرقة في قرى الجنوب والبقاع والشمال، وفاقت المبالغ الإجمالية العائدة لهذه الوحدات مبلغ 666 مليار ليرة لبنانية، فيما بلغت قيمة مبالغ الدفعة الأولى حوالي 436 مليار ليرة لبنانية، دُفع منها بالكامل 406 مليار ليرة لبنانية، وذلك حتى تاريخ 14/9/2007. أما في منطقة الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، عالجت الهيئة ملفات عائدة لأكثر من 14,700 وحدة مدمرة كلياً أو جزئياً، وبلغت المبالغ الإجمالية العائدة لهذه الوحدات حوالي 347 مليار ليرة لبنانية، فيما بلغت قيمة مبالغ الدفعة الأولى حوالي 204 مليار ليرة لبنانية، دفع ورصد لها في حسابات خاصة في مصرف لبنان مبلغ 157 مليار ليرة لبنانية، وذلك حتى تاريخ 14/9/2007.
د. القطاع الصحي: خلال فترة العدوان، تركزت جهود وزارة الصحة على المعالجة السريعة للحاجات الطارئة كتأمين حاجات المستشفيات وتأمين نقل الجرحى. وبعد توقف الأعمال العدوانية، قدمت الوزارة مساعدات طبية للعائدين إلى قراهم.
ه. القطاع التربوي
1) تم تسجيل جميع تلامذة المدارس الرسمية للعام الدراسي 2006-2007 وإعفائهم من الرسوم بهبة السعودية بلغتن 20 مليون دولار
2) تم توزيع الكتب المدرسية في المدارس الرسمية بهبة إماراتية بلغت 13 مليون دولار
3) تنظيم دورات تدريبية عديدة بالتنسيق مع منظمات وجمعيات عديدة.
و. الشؤون الاجتماعية: قامت وزارة الشؤون الاجتماعية، بالتنسيق مع الجمعيات الأهلية الوطنية والدولية، بتنسيق وتسهيل أعمال تقديم الدعم وتحقيق النهوض الاجتماعي وتفادي الازدواجية بين مختلف المتدخلين، وذلك عبر مراكز الخدمات الإنمائية، وعبر وضع آلية لتوزيع الحصص الغذائية للأسر الفقيرة والمهمّشة، وعبر تنسيق عمل الجمعيات الأهلية والدولية وأنشطة النهوض من خلال بوابة إلكترونية للمعلومات.
2. في مجال البيئة
أ. تنظيف الشواطئ اللبنانية الملوثة جرّاء تسرب النفط: أنهت وزارة البيئة المرحلة الأولى من عملية إزالة التلوث وتنظيف الشاطئ اللبناني من طرابلس ومحمية جزر النخل في الشمال حتى جدرا جنوب الجيّة، والتي شملت استخراج الفيول أويل السائل والكميات الكبيرة المتراكمة على الشواطئ الملوثة، بالإضافة إلى رفع النفايات الصلبة الملوثة بالفيول، والتي تتضمن الرمال والحصى الملوثة، والمعدات التي استعملت، والنفايات المتجمعة على الشاطئ. وقد بلغت كمية الفيول أويل المستخرجة 1,026 متر مكعّب حتى شهر شباط 2007، وكمية المواد والمخلفات الملوثة بمادة الفيول 6,292 متر مكعّب. وقد تمت المرحلة الأولى بالشراكة مع عدد كبير من الفرقاء. وحالياً، تقوم الوزارة باستكمال الأولويات التي وضعتها للمرحلة الثانية من عمليات إزالة التلوّث النفطي.
ب. تطهير الجنوب من القنابل العنقودية والألغام: استطاع الجيش اللبناني بالتعاون مع قوات الطوارئ الدولية ودولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من المنظمات غير الحكومية من تفجير حوالي 128 ألف قنبلة عنقودية وذخائر غير منفجرة وتطهير مساحات واسعة بلغت 22.6 مليون متر مربع من أصل 37.9 مليون متر مربع من المناطق التي استهدفها قصف القنابل العنقودية، وذلك لغاية 30/9/2007. وقد بدأت أعمال تطهير الأراضي الزراعية منذ بداية العام الحالي، بعد أن تركزت أولويات أعمال التنظيف في المرحلة الأولى على المحافظة على الأرواح البشرية عبر تنظيف الطرقات والمناطق السكنية والمدارس في القرى الجنوبية.
- في المجال الزراعي
قامت الهيئة العليا للإغاثة بتوزيع مبلغ ثلاثة ملايين دولار أميركي كمساعدة على دفعتين لأكثر من 7,500 صياداً بواقع 200 دولار أميركي لكل صياد في كل مرة. وتعمل الدولة حالياً على تحديد الخسائر التي لحقت بالمزارعين في منطقة الجنوب وكل المناطق اللبنانية الأخرى التي أصابها الضرر بسبب انقطاع الطرق وعدم القدرة على استغلال تلك المواسم الزراعية.
خامساً: الإنجازات في مجالات إعادة الإعمار
- الطرقات والجسور
بلغ عدد الجسور المدمرة، جزئياً أو كلياً، 91 جسراً، وقد تم تبني إعادة إعمار 73 منها فيما تتولى الهيئة العليا للإغاثة تمويل إعادة إعمار المتبقي. وقد خطت إعادة هذه الجسور خطوات كبيرة حيث أنجز العمل في 68 منها بشكل كامل حتى 30/9/2007. وقامت الهيئة العليا للإغاثة، بواسطة وزارة الأشغال العامة والنقل، بإعادة إعمار 15 جسراً، بالإضافة إلى إعادة تأهيل وصيانة 219 طريقاً، كما تم إنشاء 44 تحويرة و21 عبّارة لتأمين حركة السير المؤقت. وقد بلغت قيمة الأشغال المنفذة والجاري تنفيذها مبلغ 38.2 مليار ليرة لبنانية.
- الاتصالات
تم إصلاح كافة السنترالات التي تضررت بكلفة بلغت ملياري ليرة، كما تمت إعادة تشغيل معظم محطات الطاقة التي تعطلت بكلفة 1.5 مليار ليرة، وأعيد إصلاح 68% من مراكز الهاتف للعموم بانتظار الانتهاء من تصليح الشبكات المدمرة في القرى المدمرة كلياً. وبلغت كلفة إصلاح مراكز الهاتف مع التجهيزات حتى الآن حوالي 3.9 مليار ليرة. أما بالنسبة للشبكات الرئيسية المتضررة، فقد أُنجزت بالكامل بكلفة بلغت حوالي 47 مليار ليرة، باستثناء الشبكات العائدة إلى الأبنية المهدمة كلياً والتي تنتظر إعادة الإعمار. أما بالنسبة إلى الهاتف الخليوي، فقد قامت وزارة الاتصالات وشركات الخليوي فوراً بعد توقف الأعمال العدوانية بكافة التصليحات والتي شملت 5 مراكز تحكم و13 محطة إرسال معطّلة.
- الطاقة والمياه
في قطاع الكهرباء، أُنجزت بعضُ التصليحات الأولية في خزانات الفيول في معمل الجية الحراري (بنسبة 15%)، في وقت فاقت التكاليف المباشرة وغير المباشرة للعدوان الإسرائيلي في قطاع الاستثمار، وتشمل أجرة استخدام باخرة كخزان عائم لمدة 4 أشهر، مبلغ 39.5 مليون دولار أميركي. أما في مديرية النقل، فقد تم إصلاح محطات التحويل و98% من خطوط النقل من توتر عالي وكابلات مطمورة، بكلفة إجمالية بلغت حوالي 4.8 مليون دولار. وفي مديرية التوزيع، أنجزت كافة أعمال التصليحات على صعيد محطات التحويل وشبكة التوتر المتوسط، وحوالي 95% من أضرار شبكة التوتر المنخفض، بكلفة بلغت حوالي 9 ملايين دولار حتى الآن.
أما في قطاع المياه، فقد استطاعت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي إصلاح كافة خطوط الجر من نقل وتوزيع، وإصلاح محطات ضخ المياه، بالإضافة إلى إعادة تأهيل 52 خزاناً للمياه من أصل 58 خزاناً متضرراً. كما تمكنت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني من إصلاح خطوط النقل ومحطات التحويل والتصليحات اللازمة في مضخات مياه ومجموعة توليد وقناة ري. أما مؤسسة مياه البقاع، فقد قامت بإنجاز كافة التصليحات اللازمة في المضخات المتضررة وخطوط الجر بتمويل قدره 200 مليون ليرة من الهيئة العليا للإغاثة، فيما لا تزال تعمل على إعادة تأهيل خزان للمياه في مدينة بعلبك. كما أنهت مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان كافة التصليحات في مضخات المياه وشبكات الجر، فيما تبقى بعض شبكات التوزيع في منطقة الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت تنتظر إعادة تأهيل البنية التحتية في المنطقة المذكورة.
- المدارس
أشرفت وزارة التربية والتعليم العالي على عملية إعادة إعمار وترميم المدارس المتضررة جراء العدوان، إذ تم ترميم 791 مدرسة متضررة من أصل 862 من قبل عدة جهات ممولة كالهيئة العليا للإغاثة والإمارات العربية المتحدة وقطر وغيرها من الدول والمنظمات، فيما تجري إعادة بناء 22 مدرسة مدمرة كلياً وتركيب مدارس جاهزة مقدمة من الحكومة التركية.
- المطارات
لا تزال المديرية العامة للطيران المدني تتابع إعادة تأهيل خزان الوقود الثالث المتبقي في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، والتي تتم من قبل شركة CCC، في وقت موّلت الهيئة العليا للإغاثة بعض التصليحات بكلفة 19.4 مليون ليرة، بالإضافة إلى كلفة الإشراف على تصليح المطارات الثلاثة، والبالغة حوالي 321.3 مليون ليرة. أما بالنسبة لبقية المطارات، فقد تم إصلاح مدرجي مطاري القليعات ورياق بكلفة إجمالية بلغت حوالي 3 مليارات ليرة.
- المستشفيات
استطاعت وزارة الصحة العامة في فترة وجيزة بعد انتهاء العدوان إعادة تأهيل وتشغيل مستشفى ميس الجبل، كما نسّقت مع الجهات المكلّفة من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة من أجل ترميم وإعادة تجهيز المستشفيات الحكومية في مرجعيون وقرى العرقوب.
- إزالة الأنقاض والردم
تم إزالة حوالي 1.43 مليون متر مكعّب من الأنقاض والردم في منطقة الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، وترحيلها إلى المكبات المؤقتة في منطقة خلدة - الأوزاعي ومحيط مطار رفيق الحريري الدولي ومنطقة الإقليم. أما في جنوب لبنان، تمت إزالة حوالي ثلاثة ملايين متر مكعب من الأنقاض من قبل مجلس الجنوب والهيئة. هذا في وقت أنجزت وزارة الأشغال كافة عمليات إزالة الأنقاض في منطقة البقاع، وقد تمت إزالة حوالي مليون متر مكعب من الأنقاض. هذا وقد فاقت القيمة الإجمالية لأعمال إزالة الأنقاض في كافة لبنان مبلغ 45 مليار ليرة حتى الآن.
-
الترميم الإنشائي للأبنية المتصدعة في منطقة الضاحية الجنوبية
قدّر عدد المباني المتصدعة الواجب ترميم هياكلها الإنشائية في منطقة الضاحية الجنوبية بـ 251 مبنى حتى تاريخه، وقدّمت توصية بهدم 86 مبنى منها، انتهى العمل فيها بشكل كامل، في وقت يحتاج 165 مبنى للترميم الإنشائي، وانتهى العمل في 66 منها حتى الآن، ويبقى 99 مبنى منها قيد التنفيذ ومن المتوقع انتهاء العمل بها في نهاية العام الحالي. كما جرى إصلاح وتعبيد طرقات بطول 5.5 كيلومتر، في وقت تم تلزيم إنشاء تصوينات حول ملاجئ الأبنية المهدمة بطول 5,758 متر. وفاقت القيمة الإجمالية لهذه الأعمال مبلغ 9.6 مليار ليرة حتى الآن.
VI- الجهود على مستوى تحفيز الاقتصاد وخطة الدولة للنهوض
أولاً: الوضع الاقتصادي ما بعد العدوان وتأثيرات الاعتصام المستمر في وسط مدينة بيروت
بحسب التقديرات غير النهائية، بلغت الكلفة المباشرة لإعادة التأهيل الأولية للأضرار والخسائر المادية المباشرة التي لحقت بلبنان جرّاء العدوان الإسرائيلي الأخير حوالي 2.8 مليار دولار، ومن المتوقع أن تبلغ الكلفة غير المباشرة للأضرار في مختلف القطاعات الاقتصادية أكثر من ذلك بكثير. وتنبغي الإشارة في هذا الصدد إلى الآثار الكبيرة الناتجة عن تراجع الناتج المحلي القائم للعام 2006 وذلك بالمقارنة بما كان متوقعاً للنمو الاقتصادي أن يبلغه في العام 2006، أي بانخفاض بحدود 6 - 7%، يضاف إلى ذلك التداعيات على حجم ونمو الناتج المحلي على مدى سنوات طويلة قادمة.
أما بالنسبة للآثار السلبية المترتبة على المالية العامة، فإن عجز الخزينة ارتفع بمبلغ 1,193 مليار ليرة نسبة بالمقارنة بما كان متوقعاً له حتى نهاية العام 2006. ونتيجةً لذلك، فإنه ولأول مرة ومنذ ست سنوات، عانت المالية العامة في العام 2006 من عجز أولي بلغ 25 مليار ليرة وعجز إجمالي بلغ 4,582 مليار ليرة في نهاية العام 2006، أي بارتفاع نسبته 64% عن العجز المحقق في العام 2005. وعليه، ففي نهاية العام 2006، وصل حجم الدين العام إلى حوالي 40.4 مليار دولار، أي ما يعادل 178% من حجم الناتج المحلي، والذي بلغ 22.7 مليار دولار في العام 2006.
ومن جهة أخرى، فإنه وبالرغم من بعض المؤشرات الاقتصادية السلبية المحققة خلال النصف الأول من العام 2007، فإن حركة الاستيراد زادت بنسبة 10% وحركة التصدير زادت بنسبة 5% حتى شهر أيار من العام 2007، ما يظهر بوضوح نسبة المرونة العالية التي يتمتع بها الاقتصاد اللبناني وسرعة تجاوبه مع أي بوادر إيجابية تظهر في فترات الهدوء السياسي والأمني. وعلى صعيد آخر، وبالرغم من كل المؤشرات السلبية، فقد نجحت الحكومة في تحقيق تقدم على صعيد مؤشرات المالية العامة، إذ تحسّن مجموع الإيرادات الضريبية وغير الضريبية، وإيرادات الخزينة، بنسبة إجمالية بلغت 18% عن الفترة المقابلة من العام 2006. في المقابل، شهد الفائض الأولي تحسناً بنسبة 64% عن ما كان عليه في العام الماضي.
ثانياً: خطة النهوض الاقتصادي للحكومة والإنجازات المحققة
بدأت الحكومة مرحلةً جديدةً من برنامجها للنهوض الشامل والتي تتركّز حول مسألة تحفيز النهوض الاقتصادي عبر العمل على دعم مؤسسات القطاع الخاص التي تضررت بشكل مباشر أو غير مباشر جرّاء العدوان الأخير وتحفيز إعادة إطلاق نشاطاتها. ولهذه الغاية، أقرّت الحكومة برنامجاً متكاملاً لتحفيز النهوض الاقتصادي يعتمد سلة من الإجراءات والحوافز على مختلف الأصعدة المالية والضريبية والتشريعية والتسويقية. وقد بدأ تطبيق عدد من هذه الإجراءات والحوافز، وذلك بانتظار تطبيق الإجراءات الأخرى وهي بمعظمها تتطلب إقرار عدد من القوانين في المجلس النيابي. وتركّز هذا البرنامج على ثلاثة محاور رئيسية، وهي:
- العمل على إقرار حوافز ضريبية: وتشمل سلة من الحوافز ومشاريع القوانين والإجراءات التي من ضمنها تلك التي أعدتها وزارتا المالية والاقتصاد لدعم عمل المؤسسات الاقتصادية وتعزيز صمودها وتغطية جزء من خسائرها من جهة، وتشجيعها على المبادرة لتعزيز الحركة الاقتصادية من جهة أخرى.
2. إقرار إجراءات تؤدي إلى توفير التمويل الميسّر والطويل الأجل للمؤسسات الاقتصادية على شتى أنواعها وتحديداً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة: وذلك عبر الدعم الذي حصلت عليه الحكومة من المؤسسات والصناديق العربية والدولية، مع دعم مالي مصاحب من الدولة اللبنانية في المحاور الأساسية ومن خلال التعاون المرتقب من المصرف المركزي والقطاع المصرفي.
3. إقرار إجراءات إضافية مختلفة: وتهدف إلى تنمية الصادرات اللبنانية والترويج للبنان باعتباره مركز أعمال إقليمي للشركات والمؤسسات بما يشجع على استمرار عملها في لبنان أو في التأسيس لقيام بعضها الآخر في مباشرة العمل من لبنان.
ثالثاً: التقدم في مجال الخصخصة
خطت الحكومة خطوات جديدة إذ تم إقرار بتاريخ 25/6/2007 مشروع القانون الذي يرمي إلى تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ المشاريع الإنشائية في الأراضي اللبنانية كافة.
1. قطاع الاتصالات: في قطاع الاتصالات، تم تعيين رئيس وأعضاء لـ "الهيئة الناظمة للاتصالات"، والتي باشرت بالتحضير لبيع رخص جديدة لمستثمرين جدد في قطاع الخليوي بالتعاون مع المجلس الأعلى للخصخصة. أما في مجال تأسيس شركة مؤسسة "اتصالات لبنان - Liban Telecom"، فقد تم التعاقد مع استشاري دولي من أجل وضع مخطط لدمج المديرية العامة للإنشاء والتجهيز والمديرية العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات بهيئة أوجيرو في خطوة أولى نحو تأسيس الشركة الجديدة.
2. قطاع الطاقة: يعمل المجلس الأعلى للخصخصة، وبالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه، على تطبيق خطة ثلاثية المحاور لإصلاح قطاع الكهرباء في لبنان وإعادة هيكلة شركة "كهرباء لبنان": المحور الأول هو إصلاحي عام من أجل وضع الأطر التنظيمية للقطاع، والمحور الثاني يغطّي قطاع الإنتاج ويهدف إلى إيجاد منتجين مستقلين للطاقة لتغطية مسألة النقص المتزايد في مجال الطاقة الإنتاجية، والمحور الثالث ينظم مسألة التوزيع.
رابعاً: تحريك عجلة المشاريع الإنمائية
خلال فترة عامين على توليها المسؤولية، عملت الحكومة على إطلاق وتحريك عجلة عدد كبير من المشاريع الإنمائية، وقد أسهم ذلك في دعم جهود الحكومة في مجال النهوض الاقتصادي والاجتماعي في مختلف المناطق اللبنانية. وجاءت أهم الإجراءات التي جرى اتخاذها على النحو التالي:
1. تسديد تعويضات الاستملاكات
2. توقيع عقود عدد من المشاريع الإنشائية الجديدة في مختلف المناطق اللبنانية بقيمة 860 مليون دولار أميركي
3. توقيع عدد من اتفاقيات التمويل والتي أبرم مجلس النواب خمس اتفاقيات منها تفوق قيمتها 313 مليون دولار، بينما لا تزال اثنتا عشرة اتفاقية بقيمة 689 مليون دولار تنتظر الإبرام من قبل المجلس
4. معالجة موضوع ارتفاع أسعار بعض مواد البناء
5. إصدار قانون المناقصات ودفتر الشروط الموحد
بالإضافة إلى مشاريع الأخرى يسهم فيها مجلس الإنماء والإعمار مثل صندوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية (Economic& Social Fund forDevelopment)، ومشروع التنمية الاجتماعية (Community Development Project)، ومشروع الشراكات المبتكرة لدعم التواصل بين المناطق عبر التنمية المحلية: آرت جولد - لبنان ((ART GOLD Lebanon.
خامساً: تحديث القوانين
خلال فترة توليها مهامها من منتصف شهر تموز 2005 وحتى نهاية شهر أيلول 2007، عكفت الحكومة على إعداد مشاريع القوانين وأحالت إلى مجلس النواب ما يزيد عن تسعين مشروع قانون حتى الآن. وقد تناولت هذه الورشة التشريعية مواضيع مختلفة وأهمها مشاريع قوانين ذات طبيعة إصلاحية، ومشاريع قوانين ترمي إلى حماية الصحة العامة والتأمين الصحي، ومشاريع قوانين ترمي إلى تحديث القوانين الضريبية وتطوير الأسواق المالية، ومشروع قانون يرمي إلى مراجعة وتدقيق حسابات الأشخاص المعنويين والعموميين، ومشاريع قوانين ترمي إلى تحديث تطوير الاقتصاد وتسهيل انضمام لبنان إلى منظمة التجارة العالمية.
سادساً: الإصلاح الإداري
- تعديل أصول تعيين موظفي الفئة الأولى
التزاماً بما جاء في البيان الوزاري للحكومة، تم اعتماد آلية علمية وشفافة لملء المراكز الشاغرة في وظائف الفئة الأولى في الإدارات الرسمية وفقاً لما نص عليه مشروع القانون التي أحالته الحكومة إلى مجلس النواب، والذي يرمي إلى تعديل أصول تعيين موظفي الفئة الأولى على أساس ديموقراطية الكفاءة والجدارة. وعلى هذا الأساس، جرى تعيين أمين عام المجلس الأعلى للخصخصة، وكذلك رئيس وأعضاء لـ "الهيئة الناظمة للاتصالات". كما أنجزت عملية فرز وفحص الطلبات المقدمة لملء 39 وظيفة شاغرة مستمرة، إذ تم درس 2,842 طلباً من قبل اللجان المختصة، حيث تم انتقاء 93 طلباً منها حتى الآن، ليجري الانتقاء منهم لشغل المراكز الشاغرة.
- إضفاء الشفافية على حسابات الدولة المالية
تم تحضير ونشر كافة الحسابات المالية من العام 1993 وحتى نهاية العام 2006، وذلك في إطار تعميق إسهام الحكومة اللبنانية ووزارة المالية في زيادة درجة الإفصاح على كامل المعلومات المالية المتوافرة بشكل مقارن وتراكمي. وتُظهر هذه الإحصاءات تفاصيل الإيرادات وفقاً للمصدر وللنوع، وكذلك النفقات من داخل الموازنة لكل جهاز من أجهزة الدولة حسب تصنيفها الاقتصادي وتصنيفها الإداري، كما تتطرق إلى مبالغ العجز المحقق، وكيفية تكوين الدين العام وتراكمه، وطرق إعادة تمويله عبر السنوات الماضية.
سابعاً: إصلاح قطاع النقل العام
في إطار سعي الحكومة لإصلاح قطاع النقل البري، قامت المديرية العامة للنقل البري والبحري في وزارة الأشغال العامة والنقل بوضع خطة لتنظيم وتحديث وتفعيل قطاع النقل العام للركاب في لبنان، والتي تمحورت حول استعراض الوضع القائم، ومبادئ سياسة قطاع النقل البري المتعلقة بالنقل العام للركاب، بالإضافة إلى تحديد العناصر الرئيسية للخطة والتي تقوم على اعتماد سياسة محددة لقطاع النقل البري، وإعادة هيكلة الإدارة العامة المعنية بشؤون النقل، وإعادة تنظيم قطاع النقل العام للركاب، بالإضافة إلى إدخال خدمة النقل السريع على المحاور الرئيسية وربطها بخطوط النقل إلى المناطق.
ثامناً: حل أزمة "تعاونيات لبنان"
عملت الحكومة الحالية على حل أزمة "تعاونيات لبنان" التي تسببت بأزمة اجتماعية وإنسانية حادة منذ أواخر العام 2000 وما زالت، والتي طالت 23,030 مساهماً و688 مودعاً و716 مورداً دائناً و7 مصارف دائنة. وتم تحضير مشروع قانون يقضي بحل الأزمة من خلال التعويض على المساهمين والمودعين كما على مختلف الدائنين بنسب محددة لكل شريحة، وقد تم إقراره في مجلس الوزراء على أن يصار إلى تحويله إلى مجلس النواب.
تاسعاً: مشروع "المشاركة من أجل لبنان - Partnership for Lebanon"
في إطار تطبيق الإستراتيجية الإلكترونية الوطنية (National e-strategy)، تم إطلاق مشروع "المشاركة من أجل لبنان - Partnership for Lebanon" من قبل نخبة من رجال الأعمال الأميركيين وبالتعاون مع الحكومة اللبنانية بهدف تطوير وتنمية الموارد البشرية والإمكانات والطاقات التقنية التي يحتاجها لبنان من أجل إعادة الإعمار، ولتمكين تلك الموارد من التلاؤم مع المتغيرات الحاصلة وكذلك إلى المساعدة في بناء مستقبل أفضل للبنانيين. ويقود هذا المشروع خمسة من كبريات المؤسسات الأميركية الرائدة وهي سيسكو (CISCO)، وغفري (GHAFARI)، وإنتل (INTEL)، ومايكروسوفت (Microsoft)، وأوكسيدنتال بتروليوم (Occidental Petroleum). ويرتكز هذا المشروع إلى خمسة أطر عمل هي إقامة المجتمعات المترابطة، وتدريب القوى العاملة والتعليم، وإيجاد فرص عمل جديدة وإعادة إحياء القطاع الخاص، وإرساء البنى التحتية لتقنية الاتصالات والمعلومات، وكذلك دعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.
VII- مؤتمر باريس III: الإعداد والإنجاز
أولاً: الإصلاح، المدخل إلى مؤتمر الدعم
عمد الفريق الاقتصادي في الحكومة إلى إعداد برنامج إصلاحي اقتصادي اجتماعي ومالي شامل وفقاً لخطوط عريضة تم بحثها مع المؤسسات المالية الدولية وفي جلسات متعددة داخل الحكومة ومع الإدارات المعنية، وكذلك مع الجهات السياسية والفعاليات الاقتصادية من القطاع الخاص والجهات العمّالية الفاعلة وبعض مؤسسات المجتمع المدني. وانطلاقاً من هذه المبادئ، صُمّم البرنامج الإصلاحي للحكومة ليشكّل الحل الأفضل لمعالجة ما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمالية وبما يتناسب مع الأوضاع الداخلية، ويؤمن المدخل المناسب للحصول على الدعم العربي والدولي الذي يحتاجه لبنان.
ثانياً: مؤتمر باريس III: نجاح فاق التوقعات
تلبيةً لطلب الحكومة اللبنانية، بادر الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى دعوة المجتمع الدولي لعقد المؤتمر العربي والدولي لمساعدة لبنان - مؤتمر باريس III، وذلك في 25 كانون الثاني 2007. وفي لفتة غير مسبوقة وتأييد كامل لسياسة الحكومة الاقتصادية والإصلاحية التي عرضتها من خلال برنامج عملها إلى المؤتمر، وذلك بالرغم من المشكلات السياسية التي يعاني منها البلد وانعكاسات ذلك كلّه على الأمن والاستقرار، فقد حصل لبنان على هبات وقروض ميسّرة فاقت كل التوقعات إذ بلغت 7.613 مليار دولار أميركي، وهو دعم يوازي أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي اللبناني. وتوزعت تعهدات المؤتمر على أربع فئات رئيسية من حيث تخصصها ووجهة استعمالاتها المرتقبة، ومنها الدعم للدولة اللبنانية (5.098 مليار دولار)، والدعم للقطاع الخاص (1.725 مليار دولار)، والدعم للمشاريع الجارية (760 مليون دولار).
ثالثاً: البرنامج الإصلاحي للحكومة
في الإطار التفصيلي لتنفيذ برنامج الحكومة الإصلاحي، جرى البناء على ثلاثة برامج تفصيلية تركز على ثلاثة قطاعات أساسية في الاقتصاد المحلي، وهي:
1. برنامج الإصلاح الاجتماعي: ويشمل على 41% من المبادرات الإصلاحية والإجراءات التي تعهد بها لبنان خلال مؤتمر باريس III. ويجري تنفيذ هذا البرنامج من قبل كل من وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الصحة العامة، ووزارة التربية والتعليم العالي، ووزارة العمل، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
2. برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي: ويشمل على 35% من المبادرات الإصلاحية والإجراءات التي تعهد بها لبنان خلال مؤتمر باريس III، وسينفذ هذا البرنامج من قبل وزارة المال، ووزارة الاقتصاد والتجارة، ومصرف لبنان، ومكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية.
3. برنامج إصلاح البنى التحتية والخصخصة: ويشمل 24% من المبادرات الإصلاحية التي تعهد بها لبنان خلال مؤتمر باريس III، وسينفذ هذا البرنامج من قبل وزارة الاتصالات، ووزارة الطاقة والمياه، والمجلس الأعلى للخصخصة.
رابعاً: التقدم على مسار تطبيق البرنامج الإصلاحي منذ باريس III
بالرغم من الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في البلاد، عمدت الحكومة إلى الاستعانة بخبرة الاستشاريين الدوليين Booz Allen Hamiltonحيث تم وضع أسس لتطبيق البرنامج الإصلاحي تضمن تحقيق الهدف المنشود في إقدار الدولة على الالتزام التام بالبرنامج وتحقيق المسؤولية المشتركة للمؤسسات العامة والمشاركة الفعلية في التطبيق، بالإضافة إلى تحقيق المساءلة والتركيز على استدامة السير في الإصلاحات المطبقة.
وبما أن هذا البرنامج الإصلاحي الطموح يتضمن أكثر من 300 مبادرة تنضوي تحت إطار 53 برنامجاً فرعياً، عمدت الحكومة إلى وضع أولويات لهذه المبادرات وفقاً لآثارها الاقتصادية والاجتماعية المرتقبة، ومتطلباتها القانونية، وسهولة تأمين التمويل المطلوب. وهكذا، تم تحديد 125 مبادرة بالإمكان تطبيقها على المدى القريب حتى شهر تشرين الثاني 2007، وهي تتضمن 41 مبادرة اجتماعية و43 مبادرة اقتصادية و41 مبادرة في مجال البنى التحتية والخصخصة. وحتى الآن، وقد تمكنت الحكومة من تحقيق خطوات كبيرة في هذا الإطار.
الرئيس السنيورة أطلق تقرير "السنة الثانية على حكومة الإصلاح":
الحكومة عازمة على تسليم الأمانة إلى الرئيس الجديد المنتخب لأن الاستمرار تعميق للأزمة وهذه مشكلة لا طاقة لنا على احتمالها سيذكر التاريخ أن قضاة لبنان وقفوا وقفة واحدة لنصرة العدل لكن جاء من يحبطهم بسبب وراثة من وصاية هدفها تعطيل إرادة لبنان
أطلق رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة ظهر اليوم في السراي الكبير تقريرا عن أعمال الحكومة بعنوان: "السنة الثانية على حكومة الإصلاح والنهوض (حكومة الاستقلال الثاني) سنة الصمود والمبادرة تموز 2006- آب 2007"، وذلك في حضور حشد كبير من الوزراء والسفراء العرب والأجانب والمسؤولين السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين.
كلمة الرئيس السنيورة
وبالمناسبة ألقى الرئيس السنيورة كلمة جاء فيها: "أرحب بكم في داركم، في السراي الكبير، بيت كل اللبنانيين.
أحببت أن التقي بكم اليوم مع إصدار تقرير عن أعمال السنة الثانية من عمر هذه الحكومة، حكومة الإصلاح والنهوض وحكومةِ الاستقلال الثاني.
والحقيقةُ أنّ اجتماعَنا اليومَ يتلاقى ويتقاطعُ مع عدة مواعيدَ وعناوينَ هامة بالنسبة لكم ولنا ولكل الشعب اللبناني، حيث ينظُرُ إلينا العالمُ كلُّ العالم بأمل ورجاء ولكنْ بترقُّبٍ وقلقٍ أيضاً.
في الغد نحن على موعدٍ مع التئام عَقد مجلس النواب لانتخاب الرئيس الجديد للبلاد، وفي الغد أيضاً تُصادفُ الذكرى السنوية الأولى لاغتيال شهيدِنا الشابّ، شهيد شباب الاستقلال الثاني النائب والوزير الشيخ بيار أمين الجميل. أما بعد غد فتحلُّ ذكرِى استقلال لبنان، ذكرى الاستقلال الأول الذي صنعه الآباءُ والأجدادُ والذي أعلن انطلاق الجمهورية اللبنانية صاحبةِ السيادةِ والقرار الحُرّ والمستقلّ.
قام الاستقلال الأولُ أيها الإخوة، على ركائزَ عدة أساسية. الركيزةُ الأولى لاستقلال بلدنا ولتطوره ونموه كانت وما تزالُ وستبقى ما بقي لبنان الذي نعرفه، وهي العيشُ المشتركُ بين اللبنانيين مسيحيين ومسلمين.
والركيزةُ الثانية، الواقعةُ، في أساس نظامنا هي الديمقراطيةُ اللبنانيةُ، المستندة إلى الحرية والموائمة بين استمرار وتطور وتدعيم مفهوم العيش المشترك بين اللبنانيين، وبين انتظامِ عملِ نظامِهم السياسي وانتظامَ حركة مؤسساته الدستورية.
وفي هذا الخصوص، فإنّ المبدأَ الأساس الذي يُعيُد إنتاج هذه الصيغة ويؤِّكدُ على توازنها وتلاؤمها المستمر مع التحولات الجارية من حولنا، هو التمسكُ بمبدأ أساسيٍ آخر، ألا وهو مبدأُ تداوُلِ السلطة عن طريق الاختيار الحر والمنتظم. إذ لا معنى للديمقراطية في لبنان، من دون هذا التبادُل المنتظِم للسلطة وأعتقُد أنكم لاحظْتُم وأنتم تَدخْلُوُن هذه الدارَ ما نُقِشَ على مدخلها من قولٍ مأثور وهو "لو دامت لغيرك لما اتصلت إليك".
إذاً، فإنّ القواعدَ التي انبنى عليها استقلالُ لبنان لا يُمكنُ تغييرُها أو حَذْفُها أو الإطاحةُ بها، بل من الواجب تطويرها وتدعيمُها وهي قاعدةُ العيش المشترك وأساسُهُ الاحترامُ المتبادل للحريات والنظام الديمقراطي القائم على حرية الاختيار، وتبادل السلطة عبر الاختيار الحر البعيد عن منطق الغلبة والإرغام والتسلُّط.
إذاً، فإنّ اجتماعَنا اليوَم وكما أشرتُ، يتقاطُع مع مناسباتٍ متعددة، فيها ما فيها من مفارقات وتلاؤمات، فإلى جانب الذكرى الأليمة لاغتيال الشهيد بيار الجميل، ومع الفخر الذي أنتجهُ استقلالُ لبنان الأول والاندفاعة التي تحرّكُها عمليةُ استكمالِ الاستقلال الثاني، ومع الأمل الذي يحرّكُهُ التفكيرُ في نتائج موعد الغد في مجلس النواب فإننا ننتظر جميعاً وبفارغ الصبر هذا الانتخابَ لكي ينتقلَ لبنانُ من القلق والتوتر إلى الأمل والتطلع إلى الأمام والسعي إلى إقدار اللبنانيين على التصدي للمشكلات المتراكمة والاستفادة من الفرص المتاحة. وأنا اعتقد جازماً انه مهما تلبَّدت الغيومُ فإنّ السماءَ لا بد أن تنقشع وشمسُ الاستقرار والازدهار لا بُدّ أن تُشرق على ربوع هذه البلاد التي ما فتئت ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً تنتقل من وَجَعٍ إلى آخَرَ ومن مَخاض عسير إلى السقوط في لُجّةٍ أعمقَ من سابقاتها، لكنها ومع ذلك تستمرُّ في اختراع الأمل تلو الأمل والرجاءَ إثْرَ الرجاء عاكسة بذلك إيمان اللبنانيين وإرادتَهم في الحياة وسعيهم في أن يكون لهم دورٌ بنّاءٌ وفاعل في بلدهم وفي منطقتهم وفي العالم.
أيها الإخوة والأخوات،
إن تداول السلطة وباعتباره ركيزةً من ركائز النظام الديمقراطي. لذا فإنّ هذه الحكومةَ عازمةٌ على تسليم الأمانة إلى الرئيس الجديد المنتخب ونوابَ الأمة، لا الاستمرار ولا البقاء لأنّ الاستمرارَ والبقاءَ يعني بالعُرْف والنظام الديمقراطي تعميقَ الأزمة وهذه مشكلةٌ لا طاقةَ لنا على احتمالها ولا قدرة للبنان على مكابدتها. نعمْ هدفُنا ومسعانا تسليم مقاليد المسؤولية لكي تنتظم أُسُسُ الحياة السياسية اللبنانية، وتعيدِ إنتاج نُخَبها وقياداتها وتجاربها مستفيدةً من تجاربها وبانيةً على إنجازاتها.
لقد عملت هذه الحكومة وتعملَ وفقْ الأُسُس الدستورية وهي ستنهي مهمتها وفق ذاتَ الأُسُس الدستورية التي مارست مهامها على أساسها، وهي في هذه الحال ستُعتبرُ حكْماً مستقيلةً فورَ بدءِ الولاية الدستورية للرئيس الجديد المنتخَب.
أشرتُ في كلامي إذن إلى أنّ أُسُسَ نظامنا الديمقراطي، تقُوم على مبدأ تّداوُلِ السلطة. لكننا في الوقت ذاته نعرفُ أيضاً أنّ مَنْ أُسُس نظاَمِنا الديمقراطي إجراءَ المحاسبةِ والمساءلةِ لعمل وأداء الحكومة وتحديداً في مجلس النواب. من هنا فإني كنتُ امني النفسَ وقبل انتهاء عمل هذه الحكومة أن يُتَوَّجَ ذلك بتقويمٍ موضوعيٍ لعملها من قبل مجلس النواب، لكنْ للأسباب التي تعرفونها فإنّ ذلك غيرُ متاحٍ طالما استمرَّ تعطيلُ هذه المؤسسة الدستورية الأم.
بيد أنّ الحكومةَ التي كنتم قد اطّلعتم على تقريرها الأول عن السنة الأولى وستطَّلعون على التقرير الثاني عن أعمالها خلال السنة الثانية قامت بواجبها على أفضل وجه وأنا وزُملائي الوزراء الذين يتواجد عددٌ منهم في هذا الصَرْح، مطمئنون إلى أنّ ما تِمَّ القيامُ به وانجازُهُ كان هاماً وكبيراً يستحق أن يُدافَعَ عنه ويُفَتَخَر به، أماّ الحُكْمُ النهائي على هذه الأعمال فقد بات بين أيدي اللبنانيين والتاريخ.
أيها الإخوة،
أيها الحضور الكريم،
عرضْتُ لكم جملةَ المفاهيم التي يرتكز عليها نظامُنا السياسيُّ وصيغتُنا اللبنانية، لكي أقول أنّ الحكومة التي نُوّدع، قاومت كلَّ المحاولات لإسقاط هذا النظام الذي ارتضيناه وتشاركْنا فيه، ولهذه الأسباب فإنّ حكومَتكم وقفت بوجه الإسرائيليين واجتياحاتهم وانتهاكاتهم للقرارات الدولية، ووقفت كذلك في وجه الإرهابيين والمجرمين والقَتَلة ووقفت أخيراً في وجه الانقلابيين ورفعت الراية، رايةَ الاستقلال والحرية والديمقراطية لا الشمولية أو الديكتاتورية، وخاضت معكم كلَّ المعارك في وجه محاولات الاحتلال من جهة والإرغام والتهويل من أجلِ إسقاطِ الاستقلالِ الثاني من جهةٍ ثانية. إنه الاستقلال الذي صنعتْهُ دماءُ شهدائنا الأبرار، دماءُ شهيدنا الغالي رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما. دماء سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم. دماءُ الشهداء الأحياء، مروان حمادة والياس المر ومي شدياق دماء شهدائنا من الجيش الذين سقطوا للدفاع عن ديمقراطية لبنان وتنوعه وحرياته، دماءُ مئات المواطنين الآخرين الذين قتلهم السفّاحون ترهيباً وإرعاباً من أجل كلِّ هؤلاء لم نستسلم للغوغاء والمتربصين الحالمين بالسطوة والسيطرة وبوصايةٍ من نوع آخر تُشبُه الوصاية التي حطمتْها انتفاضةُ شعبنا في الرابع عشر من آذار، هنا بالقرب منكم في ساحة الحرية والوحدة في وسط بيروت، الذي يُقبَضُ على أنفاسه وتُخنقُ حريتُه والهدفُ القضاءُ على رمزيته قلباً نابضاً للبنان الذي نحب، ومساحةً مشتركةً لكل اللبنانيين والعرب.
نعم إنّ أولَ المداميك التي ثبتتْها الحكومة، هو مدماكُ الاستقلال الثاني وحمايته، الاستقلالُ الثاني الذي دفعْنا ثمنهُ من دماء أعزّ شبابنا وأغلى قادتِنا ومفكِّرينا وأحبِّ مواطنينا ودماء جيشنا الباسل.
في موازاة ذلك ومواكبة له أثارت الحكومة ضرورة قيام علاقات طبيعية وأخوية ووثيقة مع الشقيقة سوريا قائمة على الندية والاحترام المتبادل عبر علاقات دبلوماسية بين البلدين مستمدة ذلك من الجذور التاريخية والمصالح المشتركة التي تربط بين البلدين. من جهة أخرى دافعت الحكومة عن الأرض المحتلة في مزارع شبعا وفرضت قضيتها بنداً أساسياً على جدول الأعمال الدولي والإقليمي بعد أن كانت تعتبر أرضاً غير لبنانية تابعة لسوريا ولا يشملها القرار 425.
وانطلاقاً من ذلك كان من الطبيعي أن تقفَ الحكومةُ وقفة رجلٍ واحدٍ بوجْه العدوان الإسرائيلي وغطرسته فحمت الأرضَ والشعبَ والمقاومةَ واستنبطت النقاطَ السبعَ التي حازت على إجماع الداخل ودعْم الأشِقّاء والأصدقاء ومهَّدت الطريق لإنهاء الاحتلال الجديد الذي نَتَجَ عن العدوان وانتشار الجيش وقوات الطوارئ الدولية وقد كانت الحكومةُ واضحةً في هذا المجال فرفضُ الوصاية التي كانت قائمةً، يعني أيضاً رفضَ استبدالها بأي وصايةٍ أو وجودٍ آخر لأي طرفٍ أو جهةٍ عربية أو إقليمية أو دولية.
إنّ الحكومةَ التي تتقدمُ بأعمالها إلى اللبنانيين، تُريدُ أن تُذكِّرَ بأنها حرصت على حماية التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه رغم كلَّ الضغوط والتهديدات، وناضلت من أجل قيام المحكمة ذات الطابع الخاص ووفّرت لقيامها كل الشروط بحثاً عن الحقيقة لا عن الانتقام، لكي يُحمى لبنان ولا يبقي ساحةً مفتوحةً للقتل من دون عقاب ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وكم كانت أمانينا قريبةً من التحقيق لو بقينا متضامنين متكاتفين حول المحكمة ومشروعها وعندها كان قيامُ هذه المحكمة يكون صادراً من إرادةٍ لبنانيةٍ كاملةٍ وشاملةٍ، حكومية وبرلمانية، بعد أن حاز قيامُها على الإجماع الوطني على طاولة الحوار وفي شتى المنابر التي سمعنا فيها التأييد لهذه المحكمة.
في كل الأحوال ما جرى قد جرى ولن ننظر إلى الوراء بل إلى الأمام حين يُحاسَبُ القاتُل وُيكُشَفُ المجرمون والقتَلَةُ الذين وقفوا خلف هذه الجريمةَ وغيرَها من الجرائم التي استهدفت قياداتِنا ومفكِّرينا واستهدفت استقلال البلاد وسيادتها وحريتها ومجالات تطورها وتقدمها المستقبلي.
وأودُّ أن أضيف أنّ حكومةَ الإصلاح والنهوض- حكومة الاستقلال الثاني كانت أمينةً للشعارات التي رفعتْها فحرَّكت الإصلاحَ السياسيَّ عَبْرَ إعادة العمل بقانون الجمعيات وأطلقت يدَ لجنةٍ مختصةٍ من خِيرة رجالِنا حتى وصلت إلى صياغة مشروع قانون جديد للانتخابات النيابية يرتكزُ على أُسُسٍ حديثةٍ وبات وجودُهُ يشكّلُ حَجَر أساس لأي نقاشٍ مستقبليٍّ في هذا الموضوع، وأنتم تعرفون ما أصاب هذا الملف بعد أن تدخلت الغايات لتعطيله، كما عملت الحكومةُ على قيام السلطة القضائية المستقلة، وأنتم تعرفون أسباب الجمود الذي أصاب هذا الملف بعد أن تدخلت الغايات والغرضيات لتعطيل التشكيلات القضائية على الرغم من إجماع قضاتنا ذوي الكفاية والنزاهة عليها.
وسيذكر التاريخ أن قضاة لبنان وقفوا وقفة واحدة لنصرة العدل وممانعة التدخل السياسي من أجل إحقاق الحق، لكن جاء من يحبط آمالهم، بسبب وراثة من وصاية لم يكن لها هدف إلا تعطيل إرادة لبنان والإمعان في تكبيله وأسره في التخلف والتعقيدات والخلافات والمنازعات.
وفي مجال الإصلاح أيضاً وخصوصا على المستوى الإداري فقد ابتكرت الحكومة وللمرة الأولى على هذا المستوى آليةً للتعيينات الإدارية في مراكز الفئة الأولى والقيادية في الدولة اللبنانية وقد أرسلت مشروع هذا القانون إلى مجلس النواب منذ أكثر من سنة ونصف السنة، وتنطلق هذه الآلية من مفهوم فتح المجال لكل الكفايات اللبنانية بالتقدم إلى المراكز الشاغرة التي يُعلَنُ عنها في وسائل الإعلام ويتمُّ التقدُم إليها عن طريق تقديم شهادات الخبرة والمستوى الأكاديمي على أن يكون الاختيار عن طريق لجان علمية متخصصة لا علاقة لها بالاختيار السياسي بل بالمستوى العلمي والخبرات المكتسبة والقائمة على المنافسة وعلى أساس ديمقراطية الجدارة . هذه الآليةُ أرادت الحكومةُ أن تقول من خلالها إنّ لكل اللبنانيين الحقّ في المساهمة في خدمة بلدهم والوصولُ متيسرٌ وليس عن طرق المحسوبيات السياسية. وقد نفذت الحكومة هذه الآلية وعَيَّنتْ بمقتضاها أمين عام المجلس الوطني للخصخصة والهيئة الناظمة للاتصالات ولو أتيحَ لها المجال لأمنت وصولَ آخرين بنفس الطريقة إلى مراكز الفئة الأولى لخدمة المواطن اللبناني أحسَن وأفضلَ خدمة .
لقد عقدت الحكومةُ منذ تشكيلها 106 جلسات اتخذت خلالها 4910 قرارات لم يكن فيها إلا قرار واحد أو اثنان بالتصويت بعد أن تمنع البعض عن الالتزام بالقسم والشراكة في قضية المحكمة الدولية.
لم تتراجع الحكومةُ أمام كل الضغوط التي مورست عليها وعلى الشعب اللبناني ورغم أن يد الإرهاب تعيث الفسادَ والإفسَادَ، وتتربصُ بالآمنين في الشوارع والمناطق لنشر اليأس والخوف، فإنّ الحكومةَ مع شعبها وقواها العسكرية والأمنية ونجحت في الرهان وبات جيشنا وقوانا الأمنية نُخباً وعناصر متميّزة بالكفاءة والشجاعة، تستحقُ الثقة من المواطنين والمسؤولين. لقد انتشر الجيشُ في الجنوب بعد قرار الحكومة لحماية الحدود والأهل وتصدى بعنفوانٍ للإرهاب والإرهابيين في نهر البارد وحقق النصر رغم كل القيود التي فُرضت عليه ممن يُفترض أن يناصروه بفعل مطالبتهم بالدولة القوية والعادلة، فكيف تكونُ الدولةُ قويةً وعادلةً ويحالُ بينها وبين الدفاع عن نفسِها وحياةِ عسكرييها ومواطنيها. ولقد اثبت الجيش اللبناني على مدى السنتين الماضيتين في الممارسة الوطنية الحازمة احترامه والتزامه بالقوانين وحرصه على النظام الديمقراطي وحمايته وحماية مؤسساته.
أيها الإخوة،
أيها الحضور الكريم،
إني أدرك مقدار الضغوط التي يعاني منها المواطنون على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية بفعل التوتر الدائم والإحساس بعدم الاستقرار وازدياد هجرة أولادنا وشبابنا، كما أن أقوى الضغوط التي يرزح تحتها المواطن اللبناني في هذه الأيام هي الضغوط الاقتصادية والمعيشية حيث تضيقُ به السُبُل. لكني هنا أودُ أن أشيرَ بصراحةٍ إلى أنّ أسبابَ ذلك معروفةٌ، ومعالجةُ هذه الأسباب ليست متوافرةً كلَّها خاصةً وأنّ ارتفاعَ الأسعار الذي نُعاني منه مرّدُه إلى أمورٍ خارجةٍ عن إرادة كل اللبنانيين والحكومة اللبنانية، كما أنها خارجة عن إرادة الغالبية الساحقة من دول العالم، وهي تتصلُ بالاقتصاد العالمي وتقلُّبِ أحواله من ارتفاع أسعار النفط بفعل الأزمات الإقليمية وارتفاع أسعار العملة الأوروبية إلى العملات الأخرى وتراجُعِ النمو في لبنان الذي تسبَّبَ به الإرهاب العُدوْانُ الإسرائيليُّ الغاشم وعمليات الاعتصام، وكل ذلك يسهم في تدمير اقتصادَنا وبنيتنا التحتية وما تبعه من اعتصاماتٍ وُمعيقاتٍ ما تزالُ ماثلةً إلى الآن.
وأودُّ أن أُشير أخيراً دونما تَعالٍ أو تبرُّؤٍ من المسؤولية إلى أنّ الانعكاسات السلبية على الاقتصاد اللبناني وعلى مستوى عيش اللبنانيين كانت ستبدو أكثر حدةً وقوةً وسلبيةً لو لم تَقمُ الحكومةُ بواجباتها، ضمن إمكانيات لبنان الاقتصادية للتخفيف عن المواطنين. وقد أسهمت الحكومة بفضل تعاون الأشقاء والأصدقاء والبرنامج الاعماري الذي أطلقته اثر العدوان الإسرائيلي، في التخفيف عن كاهل المواطنين الكارثة التي حَلّتْ على رؤوسهم وأطاحتْ بمنازلهم وأملاكهم وأحبابهم وأولادهم.
لكن أيها الإخوة، تصوروا لو أن كل تلك الكوارث لم تقع، تخيلوا ما النتائجُ التي كان لبنان سيحصدُها لو لم يدخل في الأزمات التي دخلْنا أو أُدخلْنا بها والمماحكات والحروب وتلك الاشتباكات التي افتعلناها أو افتُعلت على أرضنا وعلى الأقل على مدى السنوات الثلاث الماضية والتي من دونها كان لبنانُ قادراً على مدى السنوات الثلاثة الماضية، كان لبنان سيكون قادرا على تحقيق نمو تراكمي على مجموع ناتجه المحلي بما لا يقل عن 20% وهذه كلها إمكاناتٌ فوتْناها على اللبنانيين وعلى مجالات تطوير مستقبلهم .
تخيلوا مقدار الفرص التي أضعناها على أنفسنا وبلدنا وإنساننا وهي فُرَصٌ قد لا تتكررُ وقد لا تنتظُرنا إن استمر الإمعان في قَتْل حاضرنا وفي جَلْد أنفسنا، وفي اصطناع الدويلات والحروب، وتجاهُل الدستور والمؤسسات.
لقد وقفت الحكومة مع مقاومة الشعب اللبناني في وجه العدوان الإسرائيلي وأعادت طرح قضية لبنان بنداً أساسياً على طاولة البحث الدولي وأمنت انتشار قوات الطوارئ الدولية والجيش في الجنوب. وتمكنت وبفضل مساعدة الأشقاء والأصدقاء من إيصال المساعدات لقرابة مليون مواطن في الجنوب والضاحية وباقي المناطق في شتى أنحاء لبنان، وقد بدأت ورش إعادة اعمار المنازل تنتشر في كل القرى والبلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية بعد أن دمرها العدوان، وقد أنفقت الحكومة، بما تيسر لها من إمكانيات، لهذه الغاية وحتى تاريخه ما مقداره 678 مليار ليرة والتي تشمل فقط مبالغ الدفعة الأولى من المساعدات لأصحاب 97.586 وحدة سكنية في الجنوب والضاحية الجنوبية وباقي أنحاء لبنان. هذا إلى جانب ما تمّ إنفاقه من مبالغ طائلة بلغت حتى الآن حوالي 194 مليار ليرة وذلك على شتّى أعمال الإغاثة ومساعدة المواطنين والجرحى ولعوائل الشهداء الذين نسأل الله لأرواحهم الطاهرة أن يسكنهم فسيح جناته. إضافة إلى ذلك كافة عمليات الإعمار وذلك باستثناء تلك المبالغ التي جرى إنفاقها مباشرة من قبل الجهات العربية والدولية المانحة في جميع مجالات الإغاثة وإعادة الإعمار. وعلى ذلك فقد شارفت أعمال إعادة بناء البنية التحتية من طرق وجسور وخطوط كهرباء وهاتف ومياه ومدارس على نهايتها. مع الإشارة أيضاً إلى أنه لم يبق بعد وقف العدوان بشهرٍ ونيّفٍ تلميذٌ واحدٌ خارج المدرسة.
أيها الأخوة،
أيها الإعلاميون،
أيها الحضور الكريم،
تفصِلُنا ساعات عن انتخاب رئيس الجمهورية الجديد والذي نأمُلُ أن تتم عملية انتخابه بُيسْر وسلاسةٍ ليكون انتخابُهُ بداية الانطلاق إلى غدٍ مشرق، وبداية انطلاقةٍ جديدةٍ لاستكمال تطبيق دستور الطائف. لكن كما تعرفون فان هذا الانتخاب الذي ننتظره لن يمثل حلاً كاملاً لكل مشكلاتنا، بل سيشكلُ المدخلَ الأساسي والصحيح لمعالجة مشكلاتنا وملفاتنا العالقة وسيفتح الباب العريض لهذه المعالجة. وإذا كان انتخاب الشيخ بشارة الخوري عام 1943 قد شكل المدخل إلى التفاهم على الصيغة الفريدة للتعاون الداخلي في لبنان وانطلاق مسيرة الاستقلال الأولى القائمة على تفاهماتٍ وخطوات متبادلة، فإننا نأمُلُ أن تكون المرحلة المقبلة مدخلاً إلى تفاهم أوسع وأكثر حداثة بين اللبنانيين، يقومُ على الموائَمة بين تياري التحرير والاستقلال. تيار التحرير، الذي ساهم بشكل أساسي في إخراج إسرائيل من الأراضي المحتلة في الجنوب والبقاع الغربي، والذي هو حصيلة كل نضالاتنا السابقة ومنذ نكبة فلسطين، وتيار الاستقلال الذي ساهم بنضالاته وتضحيات شهدائه بإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان مع التأكيد الدائم والحرص العميق على المحافظة على العلاقات الطبيعية والجيدة والأخوية بين البلدين.
نعم إني أدعو إلى تفاهُمٍ جديد عمادُهُ هذان التياران الكبيران تيار التحرير بعد أن حاز على إجماع ودعم كل الشعب اللبناني وتيار الاستقلال والذي أعتقدُ جازماً أنه يحوز أيضاً على تأييد كاسح من كل فئات الشعب اللبناني، وان كانت درجةُ المجاهرة بهما تتباينُ بين فئة وأخرى.
نحن لا نظن أبداً أن إخواناً لنا في الوطن، وهم يعرفون طعم الحرية وقيمتها لا يتمسكون باستقلال بلدهم وسيادته ولا يحرصون عليهما. كما أننا نعرف أيضا وبفعل التجارب أن كل الأطراف في لبنان لم تعد ترى في إسرائيل إلاّ العدوَّ الوطنيَّ والقومي.
لهذه الأسباب إني أتوجَّهُ من على هذا المنبر ومن هذا البيت، وبقلب مفتوحٍ مؤمِّلاً البحثَ وبجديةٍ عن هذا التلاقي المطلوب بين هذين التيارين لأن اللقاء بينهما هو الطريقُ إلى الاستقلال الحقيقي للبنان، بلدنا وموطننا وموئل أجدادنا وأولادنا.
إننا نأمُلُ حقا ونثقُ أنّ رئيساً جديداً للبنان سينتخب وسينجحُ البرلمانُ اللبنانيُّ في الامتحان وسينتظم عملُ سائر المؤسسات الدستورية. الشعب اللبناني بحاجة شديدة إلى ذلك كلِّه، يريدُ دولته ونظامهُ ميزةً وليس عبئاً. وهذا ما يريده أشقاؤه وأصدقاؤه في العالم.
لقد قدمتُ إليكم وإلى الشعب اللبناني خلاصة أعمال الحكومة التي تقرأون عنها وعما قامت به في الكتاب السنوي وأنا على ثقةٍ أنه ستكون للبنان من بعدِ هذه الحكومة الدستورية حكومات دستورية كثيرة أخرى ستعمل في المستقبل مثل هذه الحكومة وأفضل منها.
ورحم الله الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان يقول: "مش مهم مين بيجي ومين بيروح المهم يبقى البلد".
الرئيس السنيورة ترأس اجتماعين للجنتي الميكانيك والحرائق والغابات
ترأس رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة بعد ظهر اليوم في السراي الكبيراجتماعا للجنة الميكانيك في حضور وزير الداخلية حسن السبع وجرى البحث في أنظمة السير وسبل تطويرها.
لجنة الحرائق
بعد ذلك ترأس الرئيس السنيورة اجتماعا للجنة الحرائق والغابات شارك فيه أمين عام المجلس الأعلى للدفاع اللواء سعيد عيد، مدير عام وزارة البيئة بيرج هتجيان، بالإضافة إلى ممثلين عن قيادتي الجيش وقوى الأمن الداخلي والوزارات المعنية. وجرى خلال الاجتماع البحث في الخطط الموضوعة من أجل تطوير وسائل مكافحة الحرائق والعمل على حصر أضرار الحرائق التي وقعت مؤخرا وطالت الغابات والأحراج في المناطق المختلفة.
