الرئيس السنيورة : البطريرك صفير ساهم بولادة التسوية في الطائف

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
ندوة في الكسليك لمناسبة الجزء الثاني من حارس الذاكرة

اعلن الرئيس فؤاد السنيورة ان موقف البطريرك صفير هو الذي سمح بالتوصل الى تسوية الطائف وهو الذي وقف ضد العدوان الاسرائيلي وفتح الاديرة امام النازحين وهو الذي رعى المصالحات الوطنية وهو الذي رعى انتفاضة الاستقلال

كلام الرئيس السنيورة جاء في كلمة له لمناسبة صدور الجزء الثاني من مدونات البطريرك صفير المعنونة " حارس الذاكرة "وكان الصحافي جورج  عرب قد وقع على صدور  الجزء الثاني من سلسلة "البطريرك صفير حارس الذاكرة"، في قاعة البابا يوحنا بولس الثاني في جامعة الروح القدس - الكسليك، بعد ندوة دعا اليها المطران فرنسيسي البيسري ورابطة قنوبين للرسالة والتراث، وتحدث فيها الرئيسان أمين الجميل وفؤاد السنيورة والمطران رولان ابو جودة ممثلا البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، والمطران فرنسيس البيسري وعميدة كلية الفلسفة والعلوم الانسانية في الجامعة البروفسورة هدى نعمة. وحضر وزير الثقافة سليم وردة ممثلا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ووزير الدولة جان اوغاسبيان ممثلا رئيس الحكومة سعد الحريري، والنائب فريد الخازن ممثلا النائب العماد ميشال عون، ومقبل ملك ممثلا الرئيس نجيب ميقاتي، والعميد وليم مجلي ممثلا النائب السابق لرئيس مجلس الوزراء عصام فارس، ومديرة "الوكالة الوطنية للاعلام" لور سليمان ممثلة وزير الاعلام الدكتور طارق متري، وغابي جبرايل ممثلا وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، والنائبان اميل رحمة ونديم الجميل، ومارون مارون ممثلا النائبة ستريدا جعجع، وشخصيات سياسية وعسكرية.

المطران البيسري

 افتتح الندوة المطران فرنسيس البيسري بكلمة قال فيها: "لا أحد مثل غبطة ابينا السيد البطريرك، لا في تحصيله العلوم، ولا في اكتنازه الفضائل، انه انسان وهب الذكاء فاستذكاه وزاد وزين بالفضيلة. فلا عجب اذا ما مدحه اساتذته، وقدره حق قدره رفقاؤه وعارفوه".

نعمة

 ثم كانت مداخلة لنعمة التي قالت: "ليس بالأمر السهل أن تتناول محاضر سرية تنشر للمرة الاولى ويكون كاتبها غبطة البطريرك صفير. فليس الكاتب شخصا عاديا أو كاتبا خاضعا لأوامر حزبية أو سياسية أو فئوية ضيقة أو عقائدية فات زمانها. نحن أمام امتحان ضمير سهله علينا جورج عرب لما في كتابه من أمانة وصدق وانحسار للرأي الفردي الشخصي، خدمة لمضمون المحاضر ووفاء لصاحبها. وإننا لا نبالغ في قولنا إن النصوص التي طالعناها بدقة تصلح لتكون أساسا لتاريخ جديد للبنان المعاصر، طالما عجز المعنيون بشأن التاريخ اللبناني أن يصلوا إلى تحقيق هذا الإعجاز تهربا من حقائق ووقائع جاءت في هذا الجزء من "حارس الذاكرة"، صارخة".

الرئيس السنيورة

 وجاء في مداخلة الرئيس السنيورة:

صاحب الغبطة البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله بطرس صفير،

فخامة الرئيس أمين الجميل،

صاحب السعادة المطران فرنسيس البيسري المحترم،

إدارة جامعة الكسليك،

أيها الحفل الكريم،

 

حين زارني الأستاذ جورج عرب لكي يعرِضَ عليَّ فكرةَ المشاركة في هذه الندوة القيمة لمناسبة قرب صدور الجزء الثاني من مدونات صاحب الغبطة البطريرك صفير المعنونة "حارس الذاكرة"، انتابني شعور بالسرور والسعادة، وذلك لما للبطريرك صفير من تقدير كبيرٍ في نفسي وعلاقةٍ خاصةٍ ومميّزةٍ رَبَطَتْني وتربِطُني به، وفي الوقت ذاته لما له من محبةٍ وإعزازٍ واحترامٍ في نفسي وفي نفوس اللبنانيين. والحقيقةُ، فقد قدّرت أنّ هذه المناسبة هي من بين المناسبات الوطنية الهامة، خاصة وأنها مخصَّصةٌ للحديث عن البطريرك الماروني الكاردينال صفير بما له من دور كبير على المستوى الوطني يعرفه له كل اللبنانيين، وكثرةٌ من رجالات العرب، وأقطاب العالَم.

 

لكني أود أن أتوقف هنا عند هذه الأدوار المهمة التي كانت بيرقاً وعلماً على المفترقات تؤشر إلى الاتجاه العام أو تدفع نحوه. وأبرزُ هذه الأدوار وأهمُّها قاطبةً والتي سيسجِّلُها له التاريخ هي أولاً دورُهُ في رعاية التسوية التاريخية التي أنهت الأزمة اللبنانية والتي تم التوصل إليها في الطائف.

فمن دون دور البطريرك صفير وموافقته ورعايته لهذه التسوية الوطنية الكبرى وتحضيره الأجواءَ المناسبةَ لها، لما أَمكن التوصُّلُ إليها وعبورُ هذه المحطة الهامة. ولقد تحمل من أجل ذلك الكثير من العناء وصبر على الكثير من الاتهامات الظالمة، شأنه ذلك شأن كبار المصلحين والمناضلين الشرفاء.

ولقد تعرض غبطة البطريرك في مسيرته الوطنية إلى الكثير من الاتهامات والافتراءات وحتى إلى محاولات الاعتداء، غير أنه لم يتخلّ أبداً عن ثوابته، ولم يتراجع عن مواقفه ولم يتنكّر لإيمانه.

إن أحداُ لا يعرف حقيقة مشاعره وعمق الآلام التي تحمّلها في تلك المرحلة أكثر ممن مرّ بتجربة مماثلة. فأنا أعرف جيداً  حقيقة ما كابده. وأعرف جيداً عمق مشاعره. وأعرف جيداً أنه عندما يُتهم إنسان بما هو براء منه، وعندما يوصف بما هو ليس فيه، بل بعكس ما هو عليه، فإن معاناته وآلامه من جراء هذه الافتراءات، لا يبددها سوى إيمانه بالله حيث يجد الاطمئنان وراحة الضمير، وإيمانه بالشعب الوفي حيث يجد التفهم والدعم والمساندة.

ومن خلال ذلك تنكشف حقيقة الاتهامات وتتبدد الافتراءات كسحابة صيف ولا تبقى سوى الحقيقة القائمة على الإيمان بالله وبالوطن وبالناس.

والبطريرك صفير وكما نعرف لعب من موقعه البطريركي الوطني والكَنَسي أدواراً وطنيةً متعددة. فإضافةً إلى رعايته تسويةَ الطائف وإعادة تجديد الميثاق الوطني كما أشرتُ وأصبح مسلَّماً به، فقد كانت له أدوارٌ أخرى كبيرةٌ لا يمكن تجاهُلُها، منها رعايتُهُ المصالحةَ التاريخيةَ في الجبل تمهيداً لعودة المهجرين وعودة الوئام وكسر الجليد بين الفئات التي تباعدت إثْر محنة الجبل اللبناني في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان ونتيجة له.

والمفترق الأهم الذي كان للبطريرك الدورُ الأساسُ فيه، هو التهيئةُ الكبيرةُ والحثيثةُ لصدور الإرشاد الرسولي، هذا الإرشاد الذي أصدره قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني وكان للبطريرك الدورُ الأساسُ فيه، إنْ في الإعداد أو في العمل على تعميمه وتطبيقه والأخذ بتوجيهاته. وهو الإرشاد الذي أعاد قراءةَ تجارِب الماضي بروحٍ بناءة كما أعادَ صياغة تطلعات المسيحيين في لبنان والعالم العربي وأكد على الدور الثقافي وعلى الرابط القومي الذي كان لمسيحيي لبنان دور أساسي في تأصيله.

وعندما وصف البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لبنان بأنه أكثر من وطن، انه رسالة، كان يعرف أنه لا بد لهذه الرسالة من رسل.

وكان يعرف أن البطريرك صفير هو واحد من هؤلاء الرسل الذين ارتفعوا في سلوكهم الوطني إلى المستوى الذي يتطلبه أداء هذه الرسالة من التزامات وطنية ومن ثوابت أخلاقية قائمة على الإيمان بالعيش الوطني الواحد، وبالدور الثقافي الرائد للبنان في العالم العربي، وبصورة أخص بدور مسيحيي لبنان في أداء هذا الدور.

وإذا كان طبيعياً أن يلعب البطريرك صفير دوراً أساسياً في السينودس الذي دعا إليه البابا الراحل ليكون رجاء جديداً للبنان بعد اتفاق الطائف،فإن وثيقة الإرشاد الرسولي التي انبثقت عنه والتي أذاعها البابا نفسه من لبنان، أكدت على عدد من الثوابت التي هي في الوقت ذاته ثوابت البطريرك.

 

 

من هذه الثوابت تعزيز ثقافة الحوار الإسلامي- المسيحي وتعميقها، فكانت سلسلة لقاءات القمم الروحية التي بلسمت جراحات الوطن أثناء المحن والأزمات بما طرحته من مواقف مترفعة تعكس الضمير الوطني والمصلحة الوطنية العليا.

كما لا يمكن أن نتجاوزَ دَورَهُ على رأس مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك الذي أعاد وعلى مدى عَقدَين من الزمان الصعب تأكيدَ الثوابت الوطنية اللبنانية. وإعلاء شأن مسيحيي الشرق وتثبيت حضورهم وتعزيز دورهم باعتبارهم جزءً لا يتجزأ من النسيج القومي في الدول العربية.

فمنذ نشأ الكيانُ اللبنانيُّ كانت هناك مشكلةٌ إسلامية/ مسيحية أفْضت في عدة محطّاتٍ للاضطراب والتنازُع. وقد كان للبطريركية المارونية دورٌ تصالُحيٌّ ومنفتحٌ ومتفهمٌ، جعل من المصلحة الوطنية العليا أساسا وقاعدة لمصالح العائلات الإسلامية والمسيحية التي تُشكل في مجموعها وحدة المجتمع اللبناني. بيد أنّ هذا الدورَ وجد خير بلْورةٍ له على يد البطرك صفير الذي دفع في مواقفه وسياساته باتّجاه تجاوُز الانقسام إلى فضاءات الحوار والتفاهُم والعمل معاً من أجل صُنع المستقبل اللبناني والعربي الواحد. وأكادُ أجزمُ- وبفضل النُبل والحكمة اللذين تحلّى بهما غبطتُهُ أنّ أحداً بالداخل أو بالخارج لن يستطيع مهما فعل أن يُعيدَ ذلك الانقسامَ وذكرياته المريرة.

بل وأكثر من ذلك حيث يسجل التاريخ للبطريرك صفير مواقفه الوطنية وعلى وجه الخصوص في مواجهة إسرائيل وعدوانها حيث فتحت أبواب بكركي لأول قمة روحية إسلامية- مسيحية أبان العدوان الإسرائيلي عام 1993 لجمع الصف في مواجهة العدو.

هذه القمة التي عادت  وانعقدت أبان عدوان إسرائيل في عناقيد الغضب عام 1996 حيث طلب البطريرك قرع أجراء الكنائس في كل لبنان استنكاراً وإدانةً وكذلك حزناً على شهداء المجازر الإسرائيلية وفتح أبواب الأديرة لاستقبال النازحين. وقد كرر البطريرك موقفه وموقعه في مواجهة عدوان إسرائيل صيف 2006 حيث كانت القمة الإسلامية- المسيحية في بكركي الحاضن الأساس للنقاط السبع التي أعدتها الحكومة اللبنانية وشكلت أساس الخروج من المحنة.

من هنا فإن البطريرك صفير الذي قام بكل هذه الأدوار الكبرى أضاف إليها دوره الكبير والأساسي في رعاية وحماية انتفاضة الاستقلال التي أعادت تأكيد خصائص لبنان الأساسية وهي الاستقلال والحرية المستندة إلى النظام الديمقراطي والمحافظة على الآلية الدستورية لتداوُل السلطة، والتشبُّث بالسِلْم الأهلي في شتى الظروف.

وفي كل الأحوال لقد مثل البطريرك صفير في عمله وقوله ومواقفه امتداداً طبيعياً للمسار الذي خطته الكنيسة المارونية في لبنان. ففي العام 1920 كان خيار البعض في الوطن القومي الماروني فيما مال خيار الكنيسة إلى لبنان الكبير القائم على العيش المشترك. أما في عام 1943 فقد كان خيار بكركي دعم استقلال لبنان ورفع لا عالية في وجه بقاء الانتداب.

هذا الخط كرر نفسه عام 1958 حيث وقفت بكركي في مواجهة جر لبنان إلى الأحلاف ليعود ويؤكد البطريرك صفير على ذات التوجه عام 1989 بمساندته تسوية الطائف في مواجهة خط استمرار المواجهة الداخلية والاقتتال والانكفاء إلى لبنان الصغير.

 

صاحب الغبطة،

أيها الحضور الكريم،

 

ان الحديث عن مدونات صاحب الغبطة يحتم علينا الوقف أمام أمرين أساسيين:

الأمر الأول هو أن المؤرخ هنا ليس مجرد راوٍ أو كاتب للتاريخ، ولكنه في بعض جوانبه كان صانعاً له أو مشاركاً فيه. ذلك أن العديد من المحطات الانتقالية في تاريخ لبنان المعاصر ما كانت لتكون لولا دوره فيها، ولولا مشاركته في صنعها.

أما الأمر الثاني فهو أن البطريرك صفير في مواقفه تلك كان مؤتمناً على إيمانه المسيحي وعلى التزامه الوطني بكل ما يمثلان من قيم ومبادئ متكاملة. ثم انه في روايته لوقائع تلك المراحل المتتابعة من تاريخ لبنان الحديث، كان أميناً على الحقائق، صادقاً في عرضها، مترفعاً عن تقويلها ما لم تقله. وما لم تُرد أن تقوله.

من هنا، فنحن أمام مادة علمية من نوع خاص جداً، الأمر الذي يجعل منها أساساً ليس فقط لمعرفة حقيقة ما حدث، إنما وإضافة إلى ذلك، لتكون شعاعاً ساطعاً لتحديد معالم طريق المستقبل في ضوء تجارب الماضي القريب بكل ما حفل به من أحداث وتقلبات وبكل ما واجهناه معاً من صعوبات وتحديات.

دعوني أصارحكم القول، انني عندما غُصْتُ في صفحات مدونات البطريرك، إنْ في المجلد الأول أو في المجلد الثاني الذي يصدر اليوم، فان السرور والسعادة اللذين تحدثت عنهما في بداية كلامي، أُضيفتْ إليهما معطياتٌ وعلاماتٌ أُخرى زادتْني سروراً، إذ اكتشفْتُ مع التعمق في الغوص في هذه الصفحات أنني لستُ أمام مدوَّناتٍ عاديّةٍ بل أمام كَنْزٍ من الأرشيف والوثائق والوقائع والتاريخ الوطني.

لقد بات منذ اليوم، من المتعذر على أهل الاختصاص، كتابةَ التاريخ اللبناني الحديث من دون الركون والاستناد إلى هذا المرجع المعلوماتي والتاريخي الهام والقيم.

وبذلك يكون البطريرك صفير إضافةً إلى مهماته وأدواره الدينية والوطنية من موقعه على رأس الكنيسة المارونية قد أدَّى للبنان دوراً كبيراً في هذه المدونات ساهمت وستساهم في إغناء تجربة هذا البلد ومعرفته عن نفسه ومعرفة مواطنيه به.

 

أَمَا وقد اطَّلعْتُ على هذه الصفحات التي نُشرت وتلك المعدة للنشر ماذا يسعُني أن أقول، وما الذي اكتشفْتُهُ في هذه السطور الكثيفة والغزيرة، غير الذي نعرفه وقد سبقت لي الإشارة إليه؟

فإني سأقصر حديثي هنا عن ثلاثة مواضيع ظهرت أمامي جَرّاءَ الاطّلاع على هذه المدونات ولم تكن واضحةً بالنسبة لي كما باتت واضحةً اليوم، وهي: نصر الله صفير الإنسان، نصر الله صفير الكاهن والرجل المؤمن والقائد الوطني، وثالثاً نصر الله صفير والأمانة في كتابة التاريخ.

بطبيعة الحال فإنّ العلاقةَ القويةَ التي تجمعُني بصاحب الغبطة ومدى احترامي له مسألة يعرفها الجميع، ولا اكشف سرا إذا قلت أننا كنا باستمرارٍ على تواصُلٍ وتفاهُمٍ، ولو لم يكن هذا التواصلُ والتفاهُمُ لما كُنّا نجحْنا في مواجهة ما واجهْناه طوالَ فترة تسلمي لمهامي ومسؤولياتي كرئيس للحكومة في حماية الجمهورية والتأكيد على مبدأ تداول السلطة عبر المؤسسات الدستورية. لكن رغم هذه العلاقة المتينة والقوية مع غبطته فإنّ اطّلاعي على مدوناته كشف لي عن صورة وصفات الإنسان الكبير في البطريرك صفير.وهي صفاتُ الإنسان المتواضع، والمؤمن والصبور، الذي يثقُ بالله ويحبُّ كلَّ اللبنانيين. وهو في الوقت ذاتِه الإنسان الصلب والقويّ من الداخل بالسكينة والقناعة الوطنية والإيمانية.

 

لقد بات تاريخُ لبنان الحديث ناقصاً من دون سيرة هذا البطريرك المؤمن، الصلب، بعيد الرؤية، الشجاع، المقدام، والمؤمن بالعيش المشترك وبلبنان العربي المستقل. والبطريرك الإنسان الذي تعرفنا إليه عبر هذه المدونات متواضع الطباع ملتصقٌ بالأرض وديعُ الأخلاق طيبُ المقاصد، وَرِعٌ بعيدٌ عن الأنانيات لا هَمَّ له إلاّ الحفاظَ على استقلال لبنان وكرامة وحقوق رعيته بالعدل والمساواة.

وحين انتُخب في التاسع عشر من نيسان 1986 بطريركاً ولم يكن مرشحاً، ألقى خطبةً ارتجاليةً قال فيها: "انتخبتموني ولستُ بألمعِكُم، ولا بأعلمكم، ولا بأقدركم، ولا بأوجَهِكم، لكنها إرادةُ الله وحمَّلْتموني صليباً ثقيلاً... إني أعرفُ أني ضعيفٌ لكنّ قوتي من الله الذي أرفعُ له آيات الشكر". وهذه الكلمات ما جاءت تصادمية أو تحت وقع الحَدَث، بل إنها التعبير الصادق عن شخصية الرجل وقناعاته وكما تدلُّ على ذلك أعمالُهُ على مدى ستين عاماً وأكثر.

وهذه الكلمات إن عبرت فإنها تعبر عن الرجل الإنسان المدرك لعمق المسؤولية واعبائها والمقدام في تحملها والمتواضع في أدائها.

 

أما النقطةُ الثانيةُ التي سأتوقفُ عندها فهي وعيه لدوره ووضوح موقفه، فقد كان واعيا منذ اللحظة الأولى للمخاطر التي تحيط بلبنان، وهذا يبرز أهمية رؤيته وصدقها. وهنا سأتوقف أمام واقعة يؤرّخ لها صاحبُ الغبطة، وقد حدثت عام 1976 في اجتماع حضره الرئيس سليمان فرنجية، الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميل، الاباتي شربل قسيس، المحامي شاكر ابوسليمان والدكتور أنطوان شبلي والمطران نصر الله صفير. وقد خُصِّص الاجتماع لمناقشة التطورات السياسية والأمنية يومها وسأقتطع هنا ما ورد على لسان المطران صفير: "نحن طُلاّبَ مُساواةٍ في الوطن ومشاركة صادقة في إدارة البلاد، واقتراح التقسيم مرفوض كلياً، ولا داعيَ لتكراره وخلق الإرباكات منه..."

ويقول في الاجتماع ذاته: "إننا قلقون جدا لما يقع على أرض الجنوب ونخشى من مكيدة يدبرها الإسرائيليون تكون عاقبتُها جِدَّ وخيمةٍ على لبنان بأسره. إن الأهالي في الجنوب مسيحيين ومسلمين ليس بينهم عداوة بل هم مغلوبون على أمرهم: المسيحيون من قبل الأحزاب اليمينية والإسرائيليين- والمسلمون من قبل الأحزاب اليسارية والفلسطينيين. واليهود يدفعون المسيحيين على متابعة القتال، بغية جعلهم سياجاً بشرياً لحدودهم يتخلَّون عنهم عند الضيق ويتركونهم طُعمةً لنيران أخصامهم على أن يتدخلوا بعد حدوث الكثير من الخراب وهلاك العديد من المسيحيين والمسلمين على السواء...".

ليس من داع منا لتبيان أهمية موقف المطران صفير يومها وشرحه وشرح أبعاده. فكلامُهُ الذي قيل داخل اجتماعٍ عام 1976 واضح وجلي وهو يحمل كل عناصر الوعي الوطني الذي لا هدف له إلا مصلحةَ لبنان وشعبَه. وهو يمثّل تقديراً سليماً وحكيماً وتاريخياً لمعنى العيش المشترك المسيحي/ الإسلامي، ولموقع لبنان ودوره في الصراع العربي/ الإسرائيلي، وفي سائر القضايا العربية، من مواقع الاستقلال والتضامُن والنضال.

أما النقطة الثالثة التي يمكن تسجيلها في مضمار الحديث عن مدونات البطريرك صفير، فهي أن البطريركية المارونية بشكل عام، والبطريرك صفير بشكل خاص، ومن تاريخ تعيينه أمينا لسر البطريرك بولس المعوشي عام 1956 ثم انتخابه مطرانا ونائبا بطريركياً عام 1961، إلى حين انتخابه بطريركا عام 1986. ظلًّ على مدار ثلاثين سنةً، مُتابعاً ومُشاركاً في كلّ الأحداث الأساسية التي مر بها لبنان. تعرَّفَ إلى الرئيس فؤاد شهاب ونقل له الرسائلَ خاصةً بعد زياراته دمشق مروراً بمشاركته في محاولات رأب الصدع بين أبناء الوطن الواحد وإصلاح ذات البين في كل المفاصل. كما أنه تابع كل الأحداث التي عاشها وخبرها لبنان حتى الآن من المبادرات العربية إلى المساعي الدولية إلى المؤتمرات والمحاولات والنكسات والنجاحات كلُّها مسجَّلةٌ ومدوَّنةٌ في سجلِّ البطريرك الدقيق الملاحظة.

إنّ مدوَّنات البطريرك- كما تقدم- هي مدونات دقيقة لا تهمل تفصيلا لكنها تَعُفُّ عن ذكر بعض الأسماء والأوصاف حين يصبح ذكر هذه الأسماء مضرا بأصحابها أو غير مفيد مُوجهاً للقارئ بما لم يُردْهُ القائدُ المسؤول، ورجل الدين الحيّ العقل والضمير.

ثمّ إن هذه الاستمرارية في المتابعة والمعايشة للأحداث والتطورات تجعل منه مؤرخاً صادقاً وواضحاً وحيث زادته تلك المتابعة معرفة بتاريخ لبنان الحديث والمعاصر وطبعت مواقفه وقراراته وما تزال. فتلك المعرفة العميقة وذاك الميراث الطويل يجعلانه بحق خبيراً وعالماً بلبنان، بل أفضل مؤرخ معاصر للبنان الحديث وعالماً عَلاّمةً بلبنان ومشكلاته أكثر من أي مؤسسة أو وزارة أو هيئة مهما عظُمت أو كبرت. والأهمُّ من كلِّ ذلك أنه دَوَّنَ وكتب كل ما سمعه وعايشه وقاله ليكون مرجعا حاضرا ومستقبليا لكل اللبنانيين، يتلقون منه الدروسَ والتجارب، ويستضيئون بنوره في تطلعهم معاً إلى المستقبل المشترك والواعد.

 

لقد واكب البطريرك صفير من موقعه ومهامه المتعددة والمستمرة في بكركي والتي بدأت عام 1956 والمستمرة حتى اليوم أي نحو 54 سنة كل المتغيرات إذ انطلق الميثاق الوطني بين اللبنانيين من سلبيتين مسيحية وإسلامية حيث قال المسيحيون لا للغرب وقال المسلمون لا للشرق نعم للبنان المستقل، أما سنوات هذه التجارب فقد أفضت بنا إلى أن يقول المسلمون نحن عرب لكننا لبنانيين أولاً ولا تنقص عروبتنا بذلك وما وصلنا إليه أن المسحيين كانوا يقولون إننا صنعنا لبنان أو لبنان صُنع من اجلنا، وباتوا يقولون الآن، كلُّنا من أجل لبنان العربي، كلِّ لبنان، ولكلِّ أبنائه.

لقد دارت السنوات والأحداث دورتها ووصلنا إلى نقطة لقاء متينة وصلبة لم تكن موجودةً سابقاً حين بدأْنا رحلةَ الاستقلال والحرية. بهذه النقطة تمسك البطريرك صفير وبهذه النقطة تلاقينا ومازلنا نتلاقى معه. ثمّ إننا تلاقَينا ونتلاقي مع البطرك وسائر إخواننا المسيحيين على هذا العيش الحميم والمشترك في لبنان والشرق، وسنظلُّ على ذلك ما بقيت تجربةُ البطرك صفير وتجارب من فقدنا من أمثال المفتي الشيخ حسن خالد، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، وسائر رجالاتنا الكبار، واعيةً ومستمرةً فينا نحن اللبنانيين مسيحيين ومسلمين.

 

إننا ننتظر الأجزاء الباقيةَ من مدوَّنات البطرك، لنعرفَ الجديدَ والمتقدمَ في حياة لبنان وحياة الكنيسة. وليبقَ هذا الحَبْرُ الجليلُ الشامخ ذُخراً للبنان، وذُخراً للإيمان والعيش المشترك، وعلاقات الأخوة والمواطنة بين المسيحيين والمسلمين.

وكما قال السيد المسيح مُخاطباً بطرس الرسول: "على هذه الصخرة أَبني بيعتي. لقد تأسَّس البناءُ وشمَخ، وسيبقى لنا ومعنا، ما قُرع جرسٌ لدعوة المؤمنين، وما أذَّن مؤذِّنٌ لحضور الصلاة. طِبْتَ أيها الحَبْرُ الجليل، وطابت مسيرتُك، وظلَّتْ مدوِّناتُك مناراً لشباب لبنانَ وشيبته ولدارسي تاريخه ولعُشاقه من العرب والعالَم.

الرئيس الجميل

 وألقى الرئيس الجميل مداخلة مما قال فيها: "قد يتساءل البعض هل حان الوقت لاعادة فتح الذاكرة البطريركية المارونية على حقبات ومحطات لا تزال احداثها مستمرة حتى اليوم؟ وهل من المفيد في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان ان نفتح الجروح الماضية وانا شاهد على مرارة بعضها، وتشاركت في معاناتها مع غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير؟ والى اي مدى يبدو سليما نشر ما اختزنته ذاكرة البطريرك صفير واوراقه من اسرار يعتقد كثيرون انها من اسرار الاعتراف؟ قد يكون لبعض التساؤلات والمخاوف مشروعيتها، لكنها ارادة غبطة البطرريك صفير ومشيئته، ونحن نقدرها ونحترمها". وأضاف: "ليست البطريركية المارونية، روحا ايمانية وحسب، او سلطة كنسية فقط، كما يحلو للبعض، في ازمنة الانحطاط او النرجسية، لن يقول، بل هي كيان روحي ملاصق لكيان لبنان. لقد شكلت البطريركية المارونية على الدوام نقطة الارتكاز في الدفاع عن لبنان الوطن والكيان والدولة بكل ابنائه على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم، ولولاها لربما كان لبنان اليوم مقاطعة من بلاد اخرى. ويكفي في هذا الاطار التذكير بموقف البطريرك الياس الحويك الذي كان له الفضل الكبير في حمل الدول المشاركة في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وكان برفقته حينذاك في الوفد اللبناني الشيخ يوسف الجميل على الاعتراف بشخصية لبنان المتميزة وباستقلاله، واعادة لبنان الى ما كان عليه ضمن حدوده التاريخية والطبيعية وضم الاراضي والاقضية التي سلخت عنه خلال الحكم العثماني".
واعتبر "ان كتاب "حارس الذاكرة" يستعرض دقائق هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الوطن من خلال اجتماعات وخلوات وتأملات غبطته"، مذكرا في هذا المجال بمرحلة نهاية الالفية الثانية وبداية الالفية الثالثة "التي افتتحها غبطته ومجلس المطارنة الموارنة الذي يرأسه بنداء عام 2000 اسس لتحول جذري في مسار القضية اللبنانية واطلق شرارة الصحوة اللبنانية المتجددة في معركة السيادة والاستقلال والكرامة والتحرر".
المطران ابو جودة

 وختاما كانت مداخلة المطران أبو جودة الذي قال: "إذا كان "التاريخ معلم الحياة"، فإن كتاب "حارس الذاكرة" يتضمن خير ما يعلمنا تاريخ الحقيقة". واعتبر "ان الجزء الثاني من "حارس الذاكرة"، للأستاذ جورج عرب، تضمن، كما ورد في العنوان، محاضر سرية كتبها البطريرك صفير، بين عامي 1978 و1986، ومعنى ذلك أن أجزاء أخرى ستصدر لتغطي مراحل جديدة، بدءا من تسلم البطريرك درع التثبيت في 20-6-1986. وقد تخطى هذا المؤلف الستمئة صفحة، تضمنت ملخصات عن نشاطات متنوعة ومتعددة، منها: مبادرات لتأسيس لجنة للحوار المسيحي - الإسلامي، ووضع الأسس لاستعادة لبنان سيادته، مرورا بتسوية "الطائف" حتى اليوم، ثم صوغ ثوابت مسيحية، زيارات لرؤساء الجمهورية أو رؤساء الأحزاب أو لزعماء سياسيين أو حزبيين، وإجراء لقاءات معهم أو استقبالهم في بكركي لحل مشكلات أمنية، واقتصادية ووطنية، زيارات رعائية أو تفقدية لقرى هجر أهلها أو دمرت أو أحرقت أو قصفت، زيارة مناطق متضررة وإجراء حوار بين الأهالي وإصلاح ذات البين وتعزيز العيش المشترك، زيارات كنسية لقداسة البابا، ولكرادلة ودوائر فاتيكانية، وسواهم، من شخصيات كنسية أميركية أو أوروبية، لطرح قضية لبنان، وبحث طرق حلها، وهناك أيضا زيارات شخصية وفردية، ومؤتمرات ومشاهدات ورحلات وبيانات ومطارحات وتضحيات كان محورها البطريرك صفير، وهو بعد نائب بطريركي عام".
ولفت إلى "أن من يقرأ الصفحات هذه، بعد اطلاعه على الجزء الأول، يمكنه أن يكون فكرة عملية عن مدى الجهد الذي بذله المروي عنه، وهو الراوي الأصلي، والشاهد، والبطل، ومعايش الأحداث المأسوية، والعارف بأسرار هذه الأرض، وأبنائها، منذ 1860، حتى هذه المرحلة، وبالأزمات التي هزت حياتهم، وتركتهم يعانون الاضطهاد، والهجرة، والتهجير، والتشرد".
وأضاف: "المشروع التأريخي - الفكري - الوطني - الديني هذا، يستمد قيمته من النزعة الموضوعية التي وسمته، ومن الواقعية التي ميزته... ثم من روح الصبر والدقة والجدة التي عرفها غبطة البطريرك"، مشيرا إلى "أن من يطلع على الكتاب، ويتوقف، في هذا الجزء، على تفاصيل النشاط الذي قام به غبطة البطريرك، أسقفا مميزا فاعلا، وكثيرا ما كنا له شركاء في جهاده الوطني والديني، يجد أن نصه ليس مجرد يوميات، بل تسجيل ملاحظات، يطل بها على الآخرين، خارجا بالكتابة من زهد عزلته، إلى جوهر حياتهم. فهو حاور سلطة النافذين من أجل المتألمين على الأرض، وكان يعود إلى سكينته، همه اثنان: لبنان ومصيره، ووحدته، ومستقبله، والكنيسة ومسارها الحيوي في هذا الشرق". ولفت إلى ان ما هو بارز في الجزئين، من خلال المحاضر والأوراق والوثائق، ومن خلال قراءة الحضور والغياب، في خزانة "حارس الذاكرة"، أن قدر مسيحيي لبنان والشرق هو عيش المأساة بكل مرارتها. فهناك قدر صعب جدا يتجلى في معاكسات لهم في حريتهم، وإيمانهم، ووجودهم، وتطلعاتهم. وكان شعور الحارس، دائما، أن ثمة قوى في لبنان، وفي الإطارين الإقليمي والدولي، تقسم المسيحيين، وتتلاعب بحياتهم، وتعمل على اقتلاعهم من أرضهم، وتهيئ لهم مناخات الغربة، في أوروبا وأميركا. والحقيقة الثابتة المتكررة في النصوص، هي جهل المسيحيين لأساليب جبه الخطر موحدين، ومعرفة الأعداء بمكامن الضعف لديهم". وأضاف: " هذا الواقع المفجع جعل البطريرك، صاحب المذكرات، يتصل بالرئيسين فرنجيه والجميل، وقبل ذلك بالرئيس الياس سركيس، وبزعماء الأحزاب اللبنانية، وبالسفراء، والكرادلة، وبقداسة البابا، كما قلنا، بحثا عن حدود للعنف، ولسياسات التدمير. وعلى الرغم من قيم الانفتاح والمحبة التي مثلتها بكركي، محتضنة اللقاءات الإسلامية - المسيحية، سالكة برقي، نحو حوار ثقافي حضاري بناء، فإن روح التطرف والعمى بقيت غلابة، ومورست ضغوط لتعرية المسيحيين من صلاحياتهم وحضورهم، وكان لبنان يهتز تحت ضربات الإرهاب، والأسلمة، وشراء الأراضي والهجرة القسرية، أبطالها شبان مسيحيون، ابتلعهم البحر، مؤثرين الغربة، بعيدا، على التغرب داخل الوطن، بعد أن برهنت الأكثريات أنها غير جديرة بحماية الأقليات، التي لجأت إلى لبنان كونه أرض العقل والحرية والإيمان بالله". وأشار إلى أنه لا يرى في سلسلة "حارس الذاكرة" التي "يدأب على تنسيقها وتقديمها الصديق الأستاذ جورج عرب، سوى جهد أصيل يصب في خدمة الكنيسة، ورجالاتها، وتقاليدها، شأن ما فعل كثيرون، منذ البطريرك الدويهي حتى أيامنا"، مثنيا على أمانة صاحب الكتاب وموضوعيته".
ثم شكر المؤلف المتحدثين والحضور ووقع الكتاب.

تاريخ الخبر: 
27/05/2010