كلمة الرئيس فـؤاد السـنيورة في المؤتمر التربوي لمؤسسة الفكر العربي

صاحب السموّ الملكي الأمير خالد الفيصل الموقَّر،
أصحاب السموّ والسماحة والمعالي،
الأساتذة الكرام،
أيها الحضور الأفاضل،
لكم يسعدني بداية أن أُنوّه بالمكانة التي بلغتْها مؤسسة الفكر العربي، والتي تحولت بفضل ريادة وقيادية مؤسِّسها ورئيسِها سموّ الأمير خالد الفيصل، أمير عسير، إلى تيارٍ رئيسٍ في الفكر العربي والثقافة العربية المعاصرة. وما أزالُ أذكر عندما أَطلق الأمير الجليل الفكرةَ حول تعاونِ وتواصُلِ أهلِ الفكرِ وأهل القُدْرة، في النهوض بالأمة وقضاياها، كيف اهتممْنا لها جميعاً وفي المقدِّمة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي حَرِصَ على أن يكونَ لبنانُ، وتكونَ بيروت، بيئتَها ومنطلَقَها ومجالَ اختبارِها وازدهارِها.
وقد تابعْنا في السنواتِ الماضيةِ مؤتمراتِ المؤسسةِ العامة والمتخصّصة، والتي انعقدت في بيروتَ وبلدانٍ عربيةٍ أُخرى، والتي حقَّقتْ أمرين أساسيين: استقطاب كثرة كاثرة من المثقفين العرب، ورجال الأعمال العرب، والمعنيين بالثقافة العربية، والشأن العربي العامّ. والأمر الآخر
: نشاطاتٍ نَوعيةٍ في مجالاتٍ متعدِّدة، ستُسهمُ ولا شكّ في عمليات النهوض العربي، التي نُعنى بها جميعاً، والتي تقعُ في قلبِها الآن مجلةُ "حوار العرب" التي تُصدرُها المؤسسة ويرأس تحريرها المفكر العربي المعروف الأُستاذ محمد الرُميحي.
صاحبَ السموّ، الإخوة الأفاضل،
لقد قصدْتُ من وراءِ قَبول رعاية هذا المؤتمر المتخصّص بالتعليم العالي العربي، أن ألفتَ الانتباهَ إلى مسألتين، أُولاهُما أهميةُ التعليم، والمعارف الجديدة، في عالَمِ اليومِ، والمسألة الأُخرى أَولوية المسألةِ التربويةِ في عملياتِ التطويرِ والتحديثِ الجارية في الوطن العربي.
في المسألة الأُولى، يمكنُ القولُ إنّ التعليم المتقدّم هو مجالُ الاستثمار الرئيسي في سائر الدول الكبرى، بل إنه السلعةُ الأندَرُ والأكثر، تنافُسيةً في أسواق التداول المعرفي والمادي والاقتصادي على مستوى العالَم اليوم. وقد ميّز إعلانُ الألفية في عمليات التعليم بين الأرضيةِ العامةِ لتحقيق التقدم والنمو المستدام، والتفوّق المعرفي المتخصِّص والذي يتأسسُ على الأرضية العامة، والتي تقتضي مكافحة الفقر والأمية، وإتاحة مقعد دراسي لكّل طفل، والبروز العامّ لجامعةٍ أو لبلدٍ في العلوم البحتة والتطبيقية مرحلةٌ متقدمةٌ على طريق الثورة التكنولوجية الحاضرة المُذهلةُ الوقائعِ والإنجازات. وطبيعيٌّ أن يكونَ التعليم العالي، المقترن بالتخصُّص هو الذي يؤهّلُ المُتابع للدخول في المجالات الشاسعة للمعارف الجديدة، والتي صارت عُدَّةَ العصر والمستقبل.
لقد أشارت تقاريرُ التنمية العربية في إحصائياتٍ وتقديراتٍ إلى أنّ مؤسساتِنا التعليمية في مستويات التعليم العامّ، وفي مستوى التعليم العالي، ما تزالُ تُعاني من قصورٍ شديدٍ لناحية الشمول، ولناحية النوعية. ولا يفترقُ في ذلك بلدٌ عن بلدٍ إلاّ بمقدار. وليس من المستبعَدِ أن يكونَ هذا القصورُ التعليميُّ الناجم عن أسبابٍ شتّى أهمُّها طرائقُ إدارة الشأن العامّ- والشأنُ التعليميُّ أحدُ أبرزِ مجالاته- بين أسباب ضعف النموّ، وتدنّي مستوى الحَرَكية والإنتاجيةِ في أكثر البلاد العربية. لكنّ ذلك لا يعني وجودَ خللٍ بنيويٍ يحولُ دون تجاوُز الهُوّة والفجوة بيننا وبين المجتمعات المتقدمة، بدليل وجود أفرادٍ بارزين، تتزايدُ أعدادُهُم، وفي كل الدول العربية، نجحوا نجاحاتٍ باهرةً في المجالات العلمية، والمجالات المقارِبة، عندما أُتيحتْ لهم الفُرصةُ من طريق الهجرة أو التمكن من الدراسة المتقدمة في إحدى الجامعات العالمية.
هنا نأتي للمسألة الثانية مسألة التعليم العالي ومستقبله في البلدان العربية. ونعرفُ من تقارير التنمية، ومن الدراسات عن التعليم العالي العربي المُشكلات الكثيرة الكمية والنوعية التي يحفل بها قطاع التعليم. فالمجتمعاتُ العربيةُ مجتمعاتٌ شابّة، وما أمكن حتى الآن تنويعُ التعليم الثانوي بطرائق ملائمة، ولذلك فهناك تهافُتٌ على الدراسة الجامعية في سائر الحقول ما استطاعت أكثر الدول العربية تنظيمَ وتيرته، فضلاً عن الاختلال في مبدأ تكافؤ الفُرَص، وفي النوعية والمستوى، وفي العلاقة بين المؤسسات التعليمية والسوق. وعندنا في لبنان تجربةٌ عريقةٌ في التعليم العالي الخاصّ والرسمي. ورغمَ كثرةِ الكلامِ حول مهماتِ الدولة وأدوارِها في الاقتصاد والشأن الاجتماعي، وحقول التعليم والصحة، فالذي أراهُ أنّ حقلي التعليم والصحة، مجالان استراتيجيان لا بد أن تكونَ للدولة فيهما يد أساسية، ليس من أجل التوازُن والضبط فقط، بل ولأنهما يتعلقان بإنسانية الإنسان، وحقوق المواطن، والتقدم الاجتماعي العامّ. ومع ذلك فأنا لا أرى أن الأمر يتعلق بالرسمي أو الخاصّ، بل بإرادة الحياة والتطور والتقدم، وطرائقُ الإدارةِ الديمقراطيةِ والمستنيرة والرؤية المستقبلية للقضايا الوطنية والقومية، وفي مقدِّمتِها التعليم، بمستوياته كافّة. فقد بدأ التعليم العالي عندنا في مؤسساتٍ خاصةٍ راقية، لكنْ عندنا اليوم- كسائر الدول العربية- مشكلاتٍ في مستوى المؤسسات التعليمية الخاصة المتكاثرة، كما أنّ جامعَتَنا الوطنية تحتاجُ حقيقة إلى عملٍ إصلاحيٍّ جادٍّ وكبير. فقد أعادت الدولةُ اللبنانية في التسعينات بناءَ وتجديدَ التعليم الرسميّ كلِّه، ويوشكُ حرمُ الجامعة اللبنانية أن يصبح جاهزاً للاستعمال. وقد كانت أغلى أُمنيات بل ومساعي الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن يعودَ لبنانُ كما كان مدرسةَ العرب ومستشفاهم وبيئتَهم المعرفيةَ الرائدةَ والمستقبلية. وفي البيان الوزاريّ لحكومة الإصلاح والنهوض برنامجٌ واسعٌ لما تعتزمُ هذه الحكومةُ القيام به، في التعليم العامّ وفي الجامعة اللبنانية، متابعةً للنهوض الذي حقّقتْه حكومات الرئيس الحريري، وبالتساوُق مع طموحات اللبنانيين وسُمعتِهم وعزيمتِهِمْ في مجال التعليم بالذات.
صاحبَ السموّ،
أيها المثقفون،
الإخوة الأعزّاء،
قبل ثلاثة أيامٍ عقدتم ندوةً حول الترجمة إلى العربية ومنها. وتجربةُ أمتِنا مع الترجمة والتلاقُح الحضاري عريقةٌ ومهمةٌ عراقةَ وأهميةِ نظام التعليم. إنّ المفارقةَ أنّ الدولةَ العربية الإسلامية أسهمتْ في عمليات نقل العلوم الإغريقيةِ والهندية إلى العربية، في حين قام نظامُ التعليم المتقدّم كلُّه على الأَوقاف والمُساهمات الأهلية والخاصة.
وقد ذكر مؤرّخ العلوم العربية البارز الدكتور رشدي راشد أنّ العربَ نقلوا تقديراً إلى العربية في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر للميلاد زُهاء الألف كتاب ورسالة في الرياضيات والفيزياء والفلك والكيمياء والفلسفة. في حين نَقَلَ اللاتين من العربية في ما بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر زُهاء الألفي كتاب في هذه التخصصات كلِّها. وهكذا فنحن محتاجون في عملياتِ النهوض العلمي والتعليمي إلى منافذَ كثيرةٍ لتمتين التواصُل مع تاريخنا ومع العالَم المتقدّم. وقد تجاوَزَ الأَمْرُ عمليات التبْيِئة والأصالة والتأصيل. فالحياةُ العلميةُ مثلُ الأواني المستطرَقة اليوم، والتي لا تهتمُّ للأُصول بقدْر ما تهتمُّ للإنجاز والمعارف الجديدة التي تبني التقدم، وتُحقِّقُ المشاركةَ في عالَم العصر وعصر العالَم.
نعم، ما أكثرَ التحديات، لكنّها لا تستعصي على هِمَمِ الشباب الذين يريدون اجتراح النهوض وصُنْعَ المستقبل الآخَر. نحن لا نشكو من قلّة الإنفاق على التعْليم، بقدْر ما نحتاجُ إلى حُسْن استعمال الموارد، وحُسْن تنظيمها، وتحسين مردودِها، والتركيز على المجالات الاستراتيجية. وكما كان المؤتمر التربويُّ الأولُ للمؤسسة مجالاً لتأمُّل مشكلات التعليم العامّ، فإنّ هذا المؤتمرَ الواقعيَّ والاستشرافيَّ في الوقتِ نفسِهِ، سيكونُ ولا شكَّ فرصةً بين الفُرَص الكثيرة في السنوات الأخيرة، لقراءة ومعالجة هذا الموضوع الحيوي، ليس في الوطن العربي فقط، بل وفي العالَم كلِّه. إنه تحدّي قدرة الإنسان على اجتراح التقدم، وتحدّي قدرة الإنسان العربي على الانخراط في العوالم الجديدة التي تبزُغُ في كلّ مكان، وآن لها أن تعودَ للبزوغ في عروبتِنا الصابرة والصامدة والمُناضلة من أجل استعادة إرادتها بالحياة الحرة ومن أجل الكرامة ومن أجل الأَمَل بالمستقبل الزاهر والمتقدم.
أرجو لمؤتمركم النجاح، ولمؤسسة الفكر العربي الزاهرة دوامَ التقدم في صنع الثقافة العربية الجديدة. عاشت مؤسسةُ الفكر العربي. عاشت بيروت. عشتم وعاش لبنان.
الأربعاء في 28 أيلول 2005
فندق فينيسـيا- بيروت
رئيــس مجلــس الــوزراء
فــؤاد الســنيورة
