كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في إفطار مؤسسات الرعاية الاجتماعية دار الأيتام الإسلامية

-A A +A
Print Friendly and PDF

السادة عمدة دار الأيتام،

أيها الإخوة والزملاء،

أيها الحضور الأفاضل،

نلتقي في هذه الليلة من ليالي رمضان المبارك، كما كنا نلتقي على مائدة هذه الدار الزاهرة منذ عقود. لكننا نلتقي هذا العامَ ليس في حضرة وطلعة الرئيس رفيق الحريري، الذي ملأَ علينا حياتَنا وعقولَنا وقلوبَنا طَوالَ عقدين.

وأذكُرُ المرةَ الأولى التي ذكَرَ فيها أبو بهاء دارَ الأيتام في سياقِ إرادةِ مساعدتِها كان في إطار: المساعدة على المُمانعة وعلى الصمود في وجه ويلاتِ الحرب والدَمار. فمنذ العام 1984 كان الشهيد هو الذي يبادرُ لعرض المساعدةِ والعَون على المؤسسات الخيرية والاجتماعية والإنسانية في بيروتَ وغيرِها، بعد أن بدأ في صيدا قبل ذلك بسبع سنوات. وتطور لديه الاهتمامُ بدار الأيتام ومؤسساتِها على الخصوص، وشاركتْهُ في ذلك السيدة عقيلته، على النحو الذي ما تزالُ الدارُ والقائمون عليها والمستفيدون من خَدَماتها يعرفونه حتى اليوم.

وإذا كانت للرئيس الحريري حكايةٌ طويلةٌ مع دار الأيتام والمؤسسات الاجتماعية، فالذي نعرفُهُ جميعاً أنّ لكل لبنانيٍ، وأكاد أقول ولكل عربيٍ، فضلاً عن الشعوب الأخرى، قصةٌ عَجَبٌ مع الشهيد في مسائلَ تشمل العلاقة الشخصية أو الوطنية أو الإنسانية. فهو قد ظلَّ- وطَوالَ حوالَي العقدين- مِلءَ السمْع والبَصَر، أو أنه كما قيل عن المتنبّي: مالئُ الدنيا وشاغلُ الناس. كنا جميعاً نشهدُ اجتماعَ الناس عليه لبنانيين وعرباً ودوليين، مسؤولين ومُواطنين عاديين. وعندما غاب بل غُيِّبَ جسداً بفعل الإجرامِ والمجرمين شهدْنا ونشهدُ التفجُّعَ والفجيعةَ به وعليه. والذي أراهُ أنّ هذا الاهتمامَ به لن يتضاءَل أو يخفَّ كما أَمَّلَ الفاعلون، ليس لأنه إنسانٌ غيرُ عاديٍ فقط، بل ولأنّ ذكراه متصلةٌ بآمال المواطنين وأحلامِهِمْ بالعيشِ الرغْد والكريم، وبنهوض الأوطان وعِزَّة الإنسان. ونحن ننتظرُ جميعاً نتائجَ التحقيق الدولي في جريمة اغتيالِهِ رحمهُ الله لكي يُبنى على الأمر مقتضاه، فيمْثُلَ المدبِّرون والمتواطئون والمنفّذون أمامَ العدالة، لكي يلقَوا عقابَهُمُ العادلَ فَيسْلَمَ الوطن، ويطمئنَّ المواطنون إلى أنّ نفوسَهُم مَصونَة، وأمْنَهُم لا يمكنُ التلاعُبُ به، ومستقبَلَهُمْ لن يتعرضَ للاهتزاز إجراماً أو استخفافاً أو تآمُراً.

أيها السادة، أيها الإخوة،

لقد أثارت حركةُ الشعب اللبناني بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إعجابَ العَالَمِ وتضامُنَه. ولستُ أخشى على الوحدة الوطنية أو التضامُن العربي والدولي من حولِ لبنان. فأنا آتٍ إلى هذا الإفطار من فرنسا، وكنتُ قبلها في سوريا والمملكةِ العربيةِ السعودية والكويت ومصر ودولة الإمارات وأولَ من أمس في قَطَر. كما أنني ذهبتُ قبل ثلاثة أسابيع، كما تعلمون، إلى نيويورك وواشنطن لاجتماعٍ عاجلٍ من أجل دَعْمِ لبنان، حضرتْهُ أطرافٌ عربيةٌ ودوليةٌ رئيسية. وفي كلِّ تلك الَرَحلات والزيارات والاجتماعات، تلقّينا دعماً سياسياً واقتصادياً كبيرين- وكلُّ ذلك بفضْل ما أسس له وعمل من أجله الشهيد الكبير، والثقةَ التي بعثَها بلبنانَ، والريادة التي صَنَعها للبنان ولبيروتَ بالجَهْد والعَرَقِ والصبر والإبداع.

إنّ الوحدةَ الوطنيةَ والنهوضَ الوطني، كما علَّمَنَا رفيق الحريري، هما عَمَلان سياسيان كبيران، وهما إدارةٌ للتوافُق، وهما سعْيٌ لا يَكِلُّ ولا يتوقَّف. فيكونُ علينا، كما سمعتُ في كلّ مكانٍ ولطالما أكدت عليه أيضاً في كل المناسبات أن علينا أن نساعدَ أنفسَنا أولاً لكي يُساعِدَنا الأشقّاء والأصدقاء. ويكونُ علينا أيضاً أن نقدّم للعربِ والعالَم صورةً للإرادة القوية الواحدة، والحيوية الفعالة والمبادرة، وللإيمان القويّ بالوطن وبالحاضر والمستقبل. فالبلدُ بلدُنا والوطنُ وطنُنا، والنهوضُ القائمُ على التضامُن الداخليِّ نهوضُنا. لستُ أخشى النِقاش، ولا الاختلافَ في وجْهات النَظَر، ولا حتّى النيات السيئة، إنما الذي أخشاهُ التردُّدُ في الإرادة والإدارة والإخلاد إلى الانتظار، فنتركَ بذلك اليأسَ يتسرَّبُ إلى نفوس المواطنين، ولا تُستعادُ بالتالي الثقةُ بالدولة والنظام. يجب أن لا نخشى الإرادات الدولية كما يجب أن لا نخشى أَوهامَ الإدارة الدولية، إذا كانت أهدافُنا واضحة، ومشروعُنا واضحاً وإرادتنا الوطنية موحدة ومصممة، ونُخبُنا السياسية على وعيٍ بالضروري وبالممكن. إننا حقاً محتاجون إلى تضافُرِ جهودِ المواطنين من حول النظام والدولة، ولتحقيق أهدافٍ واضحةٍ تتمثل بتنفيذ البرنامج الإصلاحي النابع منا والمنطلق من حاجاتنا والمتلائم مع الحقائق والتحولات السياسية والاقتصادية الجارية من حولنا. هذا البرنامج الذي يشتمل على إصلاحات هيكلية على الصعد السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية يجب اعتماده مهما بلغت الصعوبات والتضحيات، فهذا البرنامج هو رافعةُ المستقبل، والأمل الباقي لتجاوز المآزق التي خلفتها سنوات المعاناة والتردد الطويلة.

وهكذا فالتحدي الأول الذي يواجهُنا والذي نحن في خضمِّه، هو تحدّي صُنْع التوافُق وإدارته بالعمل السياسيّ الواسع والديمقراطي، والجَهد البنّاء والمستنير والمسؤول.

أما التحدّي الآخَرُ والذي نحن في خضمِّه الآن، فهو تحدّي التغيير والتلاؤم. فقد دخلْنا حِقْبةً جديدةً وتاريخيةً، لها ضروراتُها وآفاقُها المختلفة عن المرحلة السابقة. وأولُ معالم الحِقْبة الحاضرة، السير في عمليات التغيير والتطوير في الدولة والنظام. لقد فوَّتْنا فُرَصاً كثيرةً وكبيرة. وأهمُّ ما فاتَنا استكمال تنفيذ حُلُمُ رفيق الحريري ومشروعُه للنهوض والحرية. وليس التدارُكُ صعباً أو مستعصياً، وإنما المطلوبُ تفهُّمُ المرحلة الجديدة وتحدياتها، وإقناعُ المواطنين والنُخَب السياسية والاقتصادية بها، والمبادرة إلى صنع الوقائع الجديدة.

لقد عرضْنا برنامَجَنا للتغيير بكلياته في البيان الوزاري، وهو ينطلق من مسلماتنا الوطنية والعربية وإيماننا الذي لا يتزعزع بالحرية والديمقراطية ويتأسس على اتفاق الطائف، لجهة بناء المؤسسات الدستورية، ولجهة فصل السلطات وتعاوُنِها، ولجهة تحسين الإدارة السياسية للنظام في مجلس الوزراء، ولجهة تحقيق النموّ المستدام، وكيفية تجاوُز مشكلات العجز والدَين، ولجهة تعزيز القضاء المستقل، وتحسين أداء وفعالية القوى الأمنية. وما عاد من الممكن وَضْعُ الأمور على مشاجب الآخرين، فالنجاحُ نجاحُنا، والفَشَلُ فشلُنا، والعجزُ عَجْزُنا. نحن بحاجة إلى التقدم بسرعة أكبر على طريق تنفيذ برنامجنا التغييري والنهضوي والإصلاحي. وأنني آمُلُ أن تتسارع الخُطُواتُ على مسار هذا الدرب الطويل بضغوط المواطنين وإدراكهم لمصالحهم الحقيقية على المديين المتوسط والطويل، وحرصِهِم على تجديد دولتِهِمْ ونظامِهِمْ.

نحن بحاجةٍ إلى إعادة الاعتبار لقيم الكفاءة والتميُّز والنجاح ومستوى الأداء ومكافئة الإنتاجية والمحاسبة الأخلاقية والقانونية على أساس احترام القانون، وتحمُّل المسؤولية في قضايا الشأن العامّ.

نحن بحاجةٍ لإعادة الاعتبار للقطاع الخاصّ، إطلاقاً للمبادرة الفردية والجَماعية، وهو أمرٌ عرفه لبنان، وكان في مقدَّمة أسباب نجاحه وشُهرته في العالم.

ونحن بحاجةٍ الآن قبل الغد لتحقيق الدولة الآمنة وليس الأمنية. لقد قلتُ مراراً إنّ هذا الهدفَ ينبغي أن يحتلّ مكانةً متميّزةً في برنامج الإصلاح والنهوض. ونحن سائرون في هذه السبيل كما تعرفون من القرارات الأخيرة في مجلس الوزراء.

إنّ الفارقَ الأساسيَّ بين الدولة الآمنة والأُخرى الأمنية، أنّ الأولى هي الدولةُ الديمقراطية التي يتضافرُ فيها المواطنون لصُنع أمنهم وصَونه، ويتضافرون لإيجاد مؤسسات تمثيلية قوية وجادّة، ويتضافرون لصَون سيادتهم واستقلالهم وحريتهم. ونحن ماضون في هذه السبيل، سبيل النظام الديمقراطي والدولة الديمقراطية، التي يريدها اللبنانيون، وينتظرها منا العالَم.

لن ينهضَ لبنانُ إلاّ بإرادةٍ سياسيةٍ للتغيير والإصلاح، ومفهومٍ جديدٍ للشأن العامّ والخدمة العامّة والوظيفة العامة. ونحن في الحكومة جادُّون لإعادة بسط الإرادة السياسية على أساس الطائف. كما أننا جادُّون في العمل على إدخالِ مفاهيمَ جديدةٍ على طريقة الإدارة الاقتصادية تكون في محصلة الأمر مبنية على تثبيت المصالح الحقيقية للمواطنين، وهي مفاهيمُ وآلياتٌ حالتْ دونها الحوائلُ في الماضي، وينبغي أن لا تُعطِّلَها أو تقفَ في وجهِها الآن المصالحُ المستقرَّةُ أو وجوهُ الروتين البيروقراطي. لن نجمُدَ مكانَنا، ولن نتلفَّتَ إلى الوراء إلا للاستفادة من تجارب وعثرات الماضي، ولن نخشى إلاّ الله سُبحانه ثم القوانين المرعيةَ الإجراء.

إنّ الذي أراهُ أنّ للنظام ثلاثَ وظائفَ أساسية: صنعُ التوافُق الوطني والديمقراطي وحمايتُه، وصَونُ أمن المواطن، وتحسينُ مستوى معيشته. والإرادةُ السياسيةُ، والإدارةُ السياسية، واللتين سبقَ ذكرُهُما، هما الأساسُ في ذلك كلِّه، وإلاّ وقعْنا في الجمود والعجز. كثيرون منكم يعرفون أنّ لبنانَ لا يُعاني من قِلّة القروض الميسرة أو المُساعدات أو الإقبال على الاستثمار في لبنان. لكنّ جزءاً هاماً من تلك المساعدات الإنمائية لم يُنفَقْ وقسماً كبيراً من المشاريع الاستثمارية لم يتحقق، لأن الإرادةَ السياسيةَ ما كانت متوافرة. ولذلك فنحن مُقْبلون على التغيير من أجل تجديد النظام، وتحقيق الأهداف الأساسية الثلاثة للدولة اللبنانية الحرَّة والديمقراطية والمتقدّمة إن شاء الله من أجل السير قدماً في تحقيق ما يسعى ويرغب فيه المواطنون من تحسين لمستوى ونوعية عيشهم في يومهم وفي غدهم.

أيها الإخوةُ والأصدقاء،

دائماً نلتقي في رمضان وفي غير رمضان في رحاب هذه المؤسسة الزاهرة والمزدهرة، والتي صارت رمزاً للنجاح في خدمة المواطنين ذوي الحاجات الخاصّة. وستظلُّ المؤسساتُ الاجتماعية تُذَكّرُنا بالرئيس الشهيد رفيق الحريري صانع وحدةِ لبنان ونهوضِه وازدهارِه، ورائد الخير والتنمية فيه.

عنـدما تُوفيّ عُمَرُ بنُ عبـد العزيز رثـاه ابنُ عمّه مَسْلَمةُ بن عبد الملك قائلاً: رحمك الله يا أبا عبد الملك، لقد نبَّهْتَ منا قلوباً غافلة، وملأْتَ دنيانا حُبوراً وعدلاً، وتركْتَ لنا في الصالحين ذكراً. ونحن نقول: رحمكَ اللهُ يا أبا بهاء، فقد ملأْتَ دُنيانا خيراً وعطاءً، وجمعْتَ على نهوضِ الوطنِ وحرياتِهِ صفوفَنا، وتركتَ لنا في العالَم ثقةً وذكْرا. نُريدُ أن نستحقَّ بالوفاء وبالنماء وبالحرية وبالوحدة رفيقَ الحريري: "أمّا الزَبَدُ فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكُثُ في الأرض"، سوف يذهبُ الزَبَدُ، ويذهبُ الغُثاء، ويبقى أبو بهاء قَمَرَنا الذي لا يغيب. كلُّ عامٍ وأنتم بخير، مع الذكرى العطِرة لرفيق الحريري، وآل رفيق الحريري، وعمل رفيق الحريري.

 

والسلامُ عليكم.

مركز بيال- بيروت

الثلاثاء في 18 تشرين الأول 2005

 

                                رئيـس مجلـس الـوزراء

                                فــؤاد الســنيورة

تاريخ الخطاب: 
10/10/2005