كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في مؤتمر اتحاد المصارف العربية المنعقد في فندق فينيسيا

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أيها الإخوة والأخوات،

أردتُأن أُحَيِّيَ مبادرَتكم لعقد مؤتمركم هذا في بيروت، وبخاصةٍ أنّ دولةَ الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان حريصاً دائماً على التحدُّث إليكم وإلى زملاء آخرين لكم في مؤتمرات اتحاد المصارف وفي أغلب المؤتمرات الاقتصادية، التي كانت تعقد في بيروت.

لقد فَقد لبنان، وفقد الوطن العربي، والاقتصاد العربي بغياب الرئيس الشهيد رفيق الحريري رائداً كبيراً من رواد التجديد والتقدم والإبداع في العمل النهضوي والتغييري العربي استثماراً واقتصاداً وإدارةً وتشجيعاً للقطاع الخاصّ، وللاقتصادات الجديدة والأسواق المفتوحة.

أيها الإخوة والأخوات،

أنتم تعلمون أنّ البيئات المصرفية والاستثمارية في منطقتنا العربية هي إلى تطوُّرٍ وتَحَسُّن. لكننا مع ذلك ومن جهة أولى ما نزالُ نُعاني في عالمنا العربي من مُشكلاتٍ بنيوية وسياقية، تؤثّر في النموّ ونِسَبِه، وفي العلاقة في ما بين أسواقنا بعضها بعضاً وكذلك علاقتنا بالأسواق العالمية. إلا أن ما يبعث الأمل أنكم ومن جهةٍ أُخرى تملكون الوسائل الآن، وأكثر من أي وقتٍ مضى في التأثير الإيجابي والبنّاء، وبخاصةٍ أنكم الفئةُ الأكثر قدرة على التعامل مع التقنيات والأدوات الجديدة، وأساليب التواصُل والاتصال. ثم إنّ مؤسساتِكم المصرفية والمالية هي عمادُ القطاعات الخاصّة وذلك يقود للتأكيد على الدور المحوري الذي تلعبونه في قيام المشروعات الكبيرة والصغيرة على حد سواء، وعلى المستويين المحلي والعربي. وعلى ذلك يتبين مقدار أهمية الدور الذي تؤديه المؤسسات المصرفية والمالية العربية في توجيه الموارد المالية المتاحة بطريقة رشيدة نحو استثمارات منتجة تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في دولنا العربية وفي إيجاد فرص العمل الجديدة التي ترفع من مستويات المعيشة في بلداننا وتحسن من نوعيتها. وهذه مهمةٌ أرى أنكم جديرون بها، وتتحملون في المقابل جزءًا من مسؤولياتها.

كلنا نعلم بأن المصارف هي المؤسسات التي تتركزُ فيها غالبية المدخرات العربية. وهي أيضاً القادرةُ، إذا ما أكملت تأهُّلَها الماديَّ والتقني والمعرفي، ولاسيما في ظل التطورات السياسية والاقتصادية التي تعيشُها منطقتُنا العربية على أكثر من صعيد، لكي تكونَ الجاذبةَ الأساسيةَ للتدفقاتِ الماليةِ المتوافرة لدى القطاع الخاص العربي. وبالتالي فإنها عندما تقوم بذلك تصبح قادرة على أن تلعبَ الدورَ المحوريَّ الأساسيَّ المطلوبَ في عمليات التمويلِ والاستثمار وتعزيز التواصل والتعاون الاقتصادي والاستثماري بين الدول العربية وهي المهمة التي نحن أشد ما نكون حاجة إليها في المرحلة القادمة.

إلا أن لعب هذا الدور بفعالية يتطلب من ناحية أخرى تأمين أجواء ملائمة للعمل المصرفي والاستثماري، وهذا من مهمات الحكومات والسلطات المالية والنقدية، وكذلك من مسؤوليات أجهزة الرقابة التي عليها أن تدفع في اتجاه تحفيز المؤسسات المصرفية على إتباع إدارة رشيدة واحترافية للمخاطر، وهي المهمة التي تعتبر من المهمات الأساسية للإدارات المصرفية. فليس من المبالغة القول أن العمل المصرفي هو أساساً إدارة جيدة للمخاطر بما يحقق في محصلة الأمر استعمالاً أفضل للموارد المالية المتاحة في القطاعات المصرفية وفي الاقتصاد ككل. ومن هنا أهمية هذا المؤتمر الذي نأمل أن يساهم في تعزيز أداء القطاع المصرفي العربي.

أيها الزملاء،

لا أتحدث إليكم باعتباري مصرفيا سابقا فقط، بل ولأنني عملتُ أيضاً مع الرئيس رفيق الحريري وزيراً للمالية طوال التسعينات على العناية بالإصلاح الاقتصادي وتطوير القطاع المصرفي وتشجيع الرساميل القادمة إلى لبنان، وتطوير القوانين ذات الصلة. والقطاع المصرفي اللبناني تُعقدُ عليه الآمال باعتباره وفي عملية النهوض الاقتصادي هو محرك أساسي للاقتصاد اللبناني. وكما سبق القول، فإن الحكومات المتعاقبة للرئيس رفيق الحريري عملت على التطوير والإصلاح والتلاؤم مع المتغيرات والتطورات بما يمكن اقتصادنا ومؤسساتنا ومنتجاتنا من المنافسة. ومن ضمن هذه السياسة تعمل السلطات النقدية اللبنانية على أن يواكب ويتماشى لبنان مع المعايير الدولية المرتكزة على مبادئ الإفصاح والشفافية والقواعد الجديدة للملاءة والسيولة، (بازل2) وتوصيات (غافي) وغيرها.

أيها الإخوة،

إن الحكومة اللبنانية قد شرعت بعملية إصلاحية واسعة تتضمن إجراءات هيكلية لإصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية بهدف التلاؤم مع المستجدات الحاصلة ومع الاقتصادات الحديثة وبما يمكن الاقتصاد اللبناني من النجاح في مضمار المنافسة التي تزداد عمقاً وشدة بما يتطلب ذلك زيادة في الإنتاج والإنتاجية والتزاماً بالمعايير الحديثة فضلاً عن العمل على عصرنة القوانين الآيلة وإزالة العوائق من طريق القطاع الخاص بما يؤدي إلى جعل لبنان مركزاً جاذباً لاستقدام الرساميل اللبنانية والعربية والأجنبية. وطبعاً لا يمكن للحكومة أن تُحِّققَ هذه الخطوات وغيرها والتي ستشكل أساساً للنهوض الاقتصادي الذي يسعى لبنان إلى تحقيقه من دون السير قدماً في عملية إصلاحية جدية تكون نابعة من لبنان ومتبناه من اللبنانيين، وكذلك من دون حصول لبنان على المساعدات من الأشقاء العرب والمجتمع الدولي وكذلك أيضاً من دون مشاركة فعالة من قبل القطاعات الاقتصادية جميعها وفي طليعتها القطاع المصرفي من طريق قيامه بتبني تلك الإصلاحات والدفاع عنها. وهذا ما نأمله ونتوقعه.

أيها الإخوة الأفاضل،

أشكر لكم حضورَكُم إلى بيروت، واجتماعَكُم بها. لقد كنا بفضل رؤية رفيق الحريري وعملِهِ على مشارف تحقيق قفزة نوعية لدور بيروت ولدور لبنان في العالم العربي، لولا الإعاقات والمناكفات التي تعرضنا لها. إننا نرى اليوم أننا أمام فرصة مستجدة علينا أن نجهد جميعاً على تطويرها والعمل على الاستفادة منها وبالتالي عدم إضاعتها. أتمنى أن نتعاون سوية لمتابعة النهج نفسِه الذي سلكه الرئيس الشهيد من أجل مصلحة لبنان والمصلحة العربية العليا. إن حضورُكم يشكّلُ لهذه الناحية سَيراً على النهج نفسِه، ومتابعةً لعمليات البناء الاقتصادي والمالي، وتثبيتاً وتطويراً لنهج التضامُن العربي، وتوصلاً إلى تحقيق السوق العربية الواحدة.

أتمنى لاجتماعِكم النجاح، ونحن حاضرون كما كان الرئيس الشهيد حاضر دوماً للمساعدة بأيّ سبيلٍ كان.

 

والسلامُ عليكم.

فندق فينيسيا- بيروت

الخميس في 24 تشرين الثاني 2005

                                      رئيـس مجلـس الـوزراء

                                      فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
24/11/2005