كلمـة الرئيـس فـؤاد السـنيورة في احتفال اليونيسكو بعنوان : شهادات في الرئيس الشهيد رفيق الحريري

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

 

اقام الفطاع التربوي في تيار المستقبل احتفالا في قصر الاونيسكو تحت عنوان  شهادات في  الرئيس الشهيد رفيق الحريري والاستقلال اللبناني وقد القى الرئيس السنيورة  في المناسبة  الكلمة التالي نصها :

أيها الأصدقاءُ والزملاء،

أيها الحضورُ الأفاضل،

لماذا ينشىءُ الناسُ دُولاً ويقيمون أنظمةً سياسية؟ هكذا كان الرئيسُ الشهيدُ رفيق الحريري يسألُ نفسَهُ ومُحاوريه منذ العام 1997. بيد أنّ هذا السؤال، كان يزدادُ إلحاحاً عليه في سِنيِّ حياتِه الأخيرة، رغم أنّ إجابتَهُ عليه لم تتغيرْ: يُقيمُ الناس دُوَلاً وأنظمةً من أجل صون وجودهم الوطني والقومي، ومن أجل تحسين شروط حياتِهِم وظروفها.

إنّ مبعثَ هذا السؤال أو التساؤل، كما قد يكونُ واضحاً بالنسبة لأكثرِكُمُ اليومَ أنّ الرئيسَ الشهيد ما كان يرى- وبعد تجربةٍ مُرَّةٍ مع النظام اللبناني، ونظام الوصاية- أنّ الدولةَ اللبنانيةَ ونخبتَها السياسيةَ والإدارية تُحقّقُ أو تسعى لتحقيق أيٍّ من هذين الهَدَفين الكبيرين بِجِدٍّ وجِدّيّة. وبناءً على هذا التشخيص لمُشكِلة النظام اللبناني في ذاك الظرف الاستثنائي، حاول الرئيس الشهيد التصرُّفَ والتدبيرَ بطرائقَ تحفظُ لدى المواطنين اللبنانيين بالداخل والخارج إيمانَهم بوطنِهِمْ ودولتِهِمْ، واقتناعَهُم بالقُدرة على تطوير النظام السياسيّ وتغييرِهِ عندما تسنحُ الظروف.

لقد حدَّد الرئيس الحريري العوائقَ والعراقيلَ الحائلةَ دون قيامِ الدولة والنظام بمهامِّهما في ثلاثة أمور: الآثار الموروثة من عَقدي النزاع الداخلي، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاءَ من أرضِ لبنان، والعبْءُ الذي يشكِّلُهُ الوجودُ السوريّ على النظام وعلى المواطنين.

في المجال الأول، مجالِ تصفيةِ آثار النزاع الداخلي، أطلق الرئيس الحريري ورشةَ الإعمار والنهوض، ومضى في ذلك إلى آفاقٍ شاسعةٍ نعرفُها جميعاً، غيَّرتْ من صورة البلاد العمرانية والإنسانية والاقتصادية. أمّا الجانبُ السياسيُّ المتصلُ بإعادةِ بناءِ النُخْبة السياسية، فقد اعتقد أنّ الانتخاباتِ البَلَدية والنيابية المنتظمة، يمكن أن تتكفَّلَ بذلك. بيد أنّ حساباتِهِ للناحية السياسية ما تحقَّقَتْ، كما أنّ آمالَهُ في المجال الإعماري/ الاقتصادي ما اكتملتْ لأسبابٍ مُتّصِلةٍ بالملفّ السياسيّ الداخلي أيضاً. وما أمكن تطويرُ قانونٍ ملائمٍ للانتخابات بحسب الطائف، وازدادت سيطرةُ نُخَب الحرب على مفاصل إدارة الدولة. وتفاقَمَ تدخُّلُ الأجهزة الأَمنية في العمليتين: السياسية والاقتصادية، والتي ما كانت للرئيس الحريري، ولا للوزراء المعنيين أيُّ سيطرةٍ عليها. ومع وصول العماد لحود للرئاسة فعلاً عام 1998، صار ما كان تدخُّلاتٍ في الإدارة والسياسة هنا وهناك، سياسةً مقرَّرةً وصلتْ في النهاية إلى حدود انصبابِ الاهتمامٍ كلِّه على عرقلة كلِّ ما أَمكنَ بناؤه وفي شتَّى المجالات، لا لشيءٍ إلاّ لأنّ الرئيسَ الحريريَّ أنجزهُ أو سعى إليه، وما حصل لمؤتمر باريس-2 خيرُ مثالٍ على ذلك.

لقد أَسهم الإخوةُ السوريون في إنهاء الحرب ومنع التقسيم، وتمَّ الطائفُ ودستورُهُ بموافقتِهِمْ، لكنهم رأَوا، وليس تُجاهنا فقط، بل وتُجاهَ المجتمعين العربي والدولي، أنّ وصايَتهم ضروريةٌ من أجل إقدار المؤسسات الأمنية والسياسية اللبنانية، ومن أجل التوازُن الاستراتيجي في الصراع العربي/ الإسرائيلي، وأخيراً لأنهم أوصلوا لبنان إلى السِلْم ومن حقِّهم المشاركةُ في الثِمار المترتّبة على ذلك. وقد كان الرئيسُ الحريري في التسعينات مسلِّماً، بل ومُقْتنِعاً بالأسباب القومية للوجود السوريِّ بلبنان، وفائدة الجهة السورية في بناء الأسلاك العسكرية والأمنية، وفي دعم المقاومة للاحتلال وإنجاز عملية التحرير.

وقد انصرفَ الرئيس الحريري في التسْعينات أيضاً إلى مكافحة الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة لبنان إلى الخارطة العربية والدولية. وكما برزت مواهبُهُ القيادية في إدارة ورشة الإعمار والنهوض الاقتصادي، برزت إمكانياتُ رجل الدولة فيه في مواجهة إسرائيل، وفي وضع لبنانَ الحضاري والسياسي على جدول اهتمامات العرب والعالَم. كانت المقاومة تُناضِلُ الاحتلال بأسلوبها، وكان الحريري يناضل بأسلوبٍ آخرَ يدعمُ الأسلوب الأول بكونه أيضاً يكسبُ للبنانَ وسوريا غطاءً عربياً ودولياً، بالإضافة إلى الإمكانيات النامية للدولة اللبنانية الجديدة. وما تفاهُمُ نيسان عام 1996 غير نموذجٍ من نماذجَ كثيرةٍ لما قام به وقدَّمه اقتناعاً وحماساً، ولتجاوُزِ حالةِ الاستثناء، وحالةِ الاحتلال، ووضْع العلاقات اللبنانية السورية على النهج السليم والباقي. فلبنانُ الذي يقاتلُ لتحرير أرضه، ما كان يقاتلُ عن العرب هكذا بشكلٍ عامّ، كما كنا نقولُ في الإعلام، بل كان يقاتلُ نيابةً عن سوريا أيضاً، والتي لديها أرضٌ محتلّةٌ منذ العام 1967.

وكان العام 2000 حاسماً لعدة جهات: تولَّى الرئيس بشار الأسد السلطةَ في سوريا، وانسحب الإسرائيليون تحت ضغط المقاومة، وجرت الانتخاباتُ النيابيةُ التي حقّق فيها الرئيس الحريري انتصاراً كبيراً. بيد أنَّ وعْيَهُ بحالة الاستثناء، وانسداد الأُفُق لم يضعُفْ. وكما سبق القول، فقد عاد لرئاسة الحكومة بهدف تخفيف العبء عن الناس، وتمتين صبرهم. والنقطةُ الوحيدةُ الباقيةُ في حسبانه للتغيير والتي رأى أنها تبعثُ على الأمل هم الناسُ، المواطنون اللبنانيون فعلاً. ولذلك فقد كان على مشارف العام 2004، وبعد قضْم منجزات مؤتمر باريس-2، يعوِّل على احترام الدستور بالتخلي عن فكرة التمديد أو التجديد فيصار إلى انتخاب رئيس جديد بينما كان من جهة أخرى يُعدُّ للانتخابات والتحالُفات فيها، وهي تحالفاتٌ كانت محظورةً من قبل.

أيها السادة،

أيها الإخوة والزملاء،

الحريري رجلُ الدولة، صاحبُ رؤية، وصاحبُ مشروع، فيه الكثيرُ من الواقعية في التنفيذ، لكنْ فيه الكثيرُ من الحُلُم في الإمكاناتِ والآفاق. وقد حوصرت رؤيتُهُ، ثم حوصر مشروعُه، ولذلك فإنّ تساؤلَهُ عن معنى الدولة والنظام، هو تساؤلٌ بمعنى: ما العمل؟ فبعد محاولات لم تنجح لتجاوز حالة الاستثناء أو اختراقها وبعد محاولة مؤتمر باريس-2 التي عُطِّلت، فهو قد أقبل على العمل على خطَّين: خطّ عدم التمديد للرئيس باعتباره تمديداً لحالة الاستثناء، وخطّ إقامة تحالف سياسي للانتخابات وما بعدها، لكي ينطلقَ المشروع الوطني من جديد، ولكي تتصحح العلاقاتُ بين لبنان وسوريا.

أيها الإخوة،

اعتادَ الرئيس الشهيد منذ ما قبل العام 1996 على اعتبار نفسِه متفرغاً للعمل العام. فقد كانت السياسة بالنسبة له إدارةً صالحةً ومستنيرةً للشأن العام. وكان يرى أنّ التفرغ للعمل السياسي مختلفٌ بعضَ الشيء عن الاحتراف، بسبب الانطباعات السلبية المنتشرة خلال النزاع الداخلي وبعده عن الطبقة السياسية، والسياسيين المحترفين في لبنان. لكنْ في السنوات الأخيرة، تقرر عنده أنّ كلَّ عملٍ في المجال العامّ هو عملٌّ سياسيٌّ معنيٌّ بالوجود الوطني والقومي، وبالمصالح الوطنية والقومية، ولذلك فهو أسمى الأعمال، وأعلاها شرفاً، ولن يُتقِنَ ذلك أحدٌ إلا بالاحتراف. وإذا كان هناك فسادٌ في بعض الفئات المحترفة، فإنّ العملَ العامَّ كلَّه يتجددُ ويتحسَّنُ ويتضاءلُ الفساد فيه بالانتخابات المنتظمة وبتعزيز الحريات والممارسة الديمقراطية، وببناء مؤسسات الرقابة، وبأن يكونَ النظامُ السياسيُّ نظاماً برلمانياً حقاً يؤهل النوابَ للاشتراع والمحاسبة الحقة وبالتالي لتحقيق التداول في السلطة. والفكرة الأساسيةُ وراء ذلك كلّه ذات شقين: إنهاء العُزلة بين النظام والجمهور من خلال المشاركة الكثيفة المنتظمة، وإيجاد الإدارة المستنيرة والشجاعة والمنتجة، والخاضعة في الوقت ذاته للرقابة والمحاسبة من جانب الجمهور والمؤسسات الدستورية. وكان ذلك من وجهة نظره الجوهرَ الحقيقيَّ للنظام الديمقراطي: المواطنة والحرية والممارسة الديمقراطية وتطوير آلياتها.

وعلى مشارف العام 1999 عاد الرئيس الحريري لوضع تجربته وأفكاره وأولوياته موضعَ المساءلة والمراجعة. كان يقول باسماً: "لقد استطعنا بناءَ البلد بالتسلل وبالرجاء، وبتبويس اللحى، وبالتسويات، كأنما كنا نقومُ بعملٍ شائن!" وكان يتساءل حول الدور المتزايد للأجهزة الأمنية في شتى الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولشدة ما كان يقلقه: "كيف صارت تلك الأجهزةُ الأمنية تظهر وكأنها هي الحلّ وكيف ظهرت مقولةُ أننا نُقَدِّمُ الحجر على البشر، ولماذا لم تتحقق المشاركة الشعبية الكثيفة في معالجة المسائل الأساسية التي يعاني منها اللبنانيون؟" على الرغم من ذلك كان يبادر إلى القول: "وضْعُنا اليومَ، أي عام 1998، أفضل بعشرات المرات من العام 1990"، ويعود إلى القول: "لكنْ لماذا لم يتحقق إلاّ نصف ما أمَّلناهُ في المجال الاقتصادي، ورُبع ما رجوناهُ في المجال السياسي وكيف نخرجُ من حالة الاستثناء؟" وعقب استنكافه عن تولي رئاسة الحكومة في نهاية العام 1998 وسط الملاحقات القضائية والحملات السياسية نشر كتابَهُ المعروف: الحكم والمسؤولية- دفاعاً عن التجربة، وفتحاً للبدائل والآفاق المستقبلية الأُخرى، واهتماماً بإيضاح منطلقات رؤيته لبناء الدولة الحديثة. كان الذي صار واضحاً بالنسبة له أنّ النهوضَ الاقتصاديَّ ليس كافياً للخروج من مأزق النظام المعزول والعاجز، النظام الاستثنائي والحالة الاستثنائية، وأنه لا بد من إرادةٍ سياسية تتمتع بالحرية والاستنارة والنزاهة. فالسياسةُ أخلاق. والحرية أخلاق. والدولة أخلاقٌ وانضباطٌ وكذلك النظام.

ولقد شهدتُ ما بين العامين 1997 و1999 نقاشاتٍ بينه وبين عددٍ من رجال الدولة العرب والعالميين- وبقيت في ذهني منها بين ما بقي نقاشاتُهُ مع مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق. كان مهاتير يُكنُّ تقديراً عميقاً للرئيس الحريري، ويقول إنه لا يتمتع فقط بنشاط الشباب وإقدامهم، بل وبحكمة الشيوخ والتزامهم أيضاً. قال الحريري لمهاتير: "إنّ مجتمعنا في لبنان تعدديٌّ مثل مجتمعكم، وتسود فيه روح المبادرة الفردية، وفيه نظامٌ سياسيٌّ ذو نواة ديمقراطية. ثم إننا بمساعدة الأشقاء والأصدقاء خضنا محاولةً للنهوض الاقتصادي تكادُ تبلُغُ ذروتَها الآن، ولذلك فإنني أتوقَّعُ أن نصل إلى نهوضٍ مثل نهوضكم!" وأجاب مهاتير إجابةً لطيفة لكنه لاحظ أمرين: أنّ الحريري تحدث كثيراً عن المساعدات العربية والدولية، بينما المطلوب: السوق العربية المشتركة، مثل السوق الشرق أسيوية التي شكلت إطاراً نهض في سياقه الأسيويون، ويفتقر إليه العرب واللبنانيون. والأمر الثاني: الإرادة السياسية والانضباط السياسي. ففي ماليزيا هناك إجماعٌ على أهدافٍ كبرى، وانضباطٌ من ضمن السعي لتحقيقها. أمّا في لبنان فليس هناك شيءٌ من هذا القبيل. ذلك أنّ رئيس الجمهورية يعمل ضد رئيس الوزارة. وأعضاء الحكومة يمثلّون الذين عينوهم، وليس الجهات السياسية المنتخَبة. كما أن الأجهزة الأمنية والتي يُفترض أن توجه اهتمامها حصراً حسب ما ينص عليه اتفاق الطائف وبما يخدِمُ الاستقرارَ بدلاً من التدخل في الأمور السياسية والاقتصادية والتي لا تعنيهم مباشرةً بما يؤدي عملياً إلى عرقلة أعمال الدولة. ومن الأدلة على ذلك الاختلافُ حول أدوار القطاعين العام والخاص في الاقتصاد الوطني وحجم الدولة، وحول أمور سياسية واقتصادية واجتماعية وعمالية كثيرة، وهذه كلُّها مظاهرُ لغياب الإرادة السياسية أو ضعفها أو تهاونها أمام جموح الأجهزة الأمنية. وكانت خُلاصةُ ما رآه مهاتير محمد أنّ تجربة الحريري السياسية والاقتصادية مُثيرةٌ للإعجاب من جهتين: من جهة الأهداف المتوخَّاة، ومن جهة ما أمكن إنجازُهُ رغم غياب الإطارين: العربي والمحلي!

أيها الإخوة،

قام عملُ الرئيس الحريري السياسي منذ الثمانينات على مقولةٍ تبدو بسيطةً في ظاهرها: إذا كان اللبنانيون قد اختلفوا على الماضي، فإنهم يستطيعون الإجماع على المستقبل. وفي ظلّ هذه المقولة سعى سعياً حثيثاً لإنهاء النزاع الداخلي، بإقامة علاقاتٍ مع كلّ الأطراف السياسية، المشارِكة في الحرب، وغيرِ المشاركة- وبالانطلاق من الرياض ودمشق لتسهيل عمليات التواصُل بين اللبنانيين، ومكافحة العامل الإسرائيلي الذي كان قوياً وقتَها باحتلال الأرض، وبالقدرة على إثارة النزاعات. وكانت حصيلةُ تلك الجهود التي تكللت بالنجاح: الخروجُ بوثيقة الوفاق الوطني في الطائف من الحرب. والبدء بعمليات الإعمار وبناء مؤسسات الدولة من جديد.

أيها الإخوةُ الأفاضل،

لقد أردتُ في هذه الشهادة، أن أقدّمَ نموذجاً لطريقة تفكير الرئيس الشهد رفيق الحريري في لبنانَ الدولة، ولبنانَ النظام، والوسائل الديمقراطية للإصلاح. وقد مضت قُرابةُ العشرة أشهُر على استشهاده رحمه الله، وجرت الانتخابات، وتغيَّرت الأكثريات، وخرج السوريون من لبنان، فهل انتهت حالةُ الاستثناء؟ أَوْ لنعُدْ إلى سؤال الرئيس الحريري نفسِه: لماذا يُنشِىءُ الناسُ دولاً وأنظمة؟ يفعلون ذلك من أجل صَون مصالحهم الوطنية والقومية، وتحسين شروط حياتهم. فإذا كنا نمضي باتجاه تحقيق الهدفين، فإنّ ذلك يعني أننا نمضي باتجاه تجاوُز الاستثناء، وتجاوُز الحالات المؤقتة والانتقالية، أي نمضي باتجاه مشروع رفيق الحريري الأصلي: مشروع الطائف ودستوره ودولتهِ ونظامه.

نحن في موضع ومواقع الاختبار والاختيار التاريخي. لا يُحفظ الوجودُ الوطنيُّ إلاّ بالتوافُق الوطني والوحدة الوطنية. وليس من حقّ أحدٍ منا فرداً أو فريقاً أن يتفرد بالأمر مهما صَغُر. لا قتيلَ بعد رفيق الحريري، ولا غفلةَ بعدَ كارثةِ اغتيالِه. المواطنون يشْخَصون جميعاً ويتحفّزون لوضع الأُمور في نصابها. ما عادوا يقبلون الهَوانَ ولا الاستبدادَ ولا التفرُّد، ولا تضييع الفُرَص والإمكانيات الوطنية. فكما تعلمْنا من تجربة رفيق الحريري، تعلمْنا أيضاً من استشهاده. إمّا أن تقفَ الدولةُ اللبنانيةُ، دولةُ المواطنين جميعاً، على قدميها أو نضيعَ جميعاً: النارُ تأكُلُ بعضَها إن لم تجد ما تأكُلُهْ. ولا نتيجةَ لِلَحْسِ المِبْردِ إلاّ ذوبانُ اللسان والوعي. فلنقفْ وقفةَ وعيٍ يسلَمْ حاضرُنا ومستقبلُنا. كلُّ الأشقّاء والأصدقاء حريصون على مساعدتِنا، لكنّ أحداً لا يستطيعُ ولا يريدُ مساعدةَ أولئك الذين لا يريدون مساعدةَ أنفُسِهِم.

نجح رفيق الحريري في عالَم الأعمال. ونجح في المجالات الشاسعة للعمل الخيري والإنساني، ونجح في مجال العلاقات الدولية التي سخَّرها لصالح وطنِه وأمته. بيد أنّ أكبرَ نجاحاتهِ باعتبارِه رجلَ دولة، أنه أطلق رؤيةً ومشروعاً سيظلان لأجيالٍ وأجيال هدفاً وطنياً كبيراً.

عندما نتذكَّرُ الرئيسَ الشهيد ونحتفي به، إنما نحتفي بشخصٍ كبيرٍ، وشخصيةٍ نادرة، يشهدُ له خالقُهُ الذي أعطاهُ بسطةً في العِلْم والحِلْم والجسم والقُدرة، ويشهدُ له الناسُ الذين أحبَّهم وعَمِلَ لهم منذ زمن الفتوة وإلى همّةِ الشباب وحكمة الكهولة. فللحريري قصةُ وَلَهٍ مع لبنانَ واللبنانيين، ومع العرب والعروبيين، ومع هذا العالَم المتقدِّم، الذي أرادَ أن يكونَ اللبنانيون والعربُ الآخرون في قلبِهِ مشاركةً وتأثيراً وصنعاً للمستقبل الآخَرِ المتطوِّر والزاهر.

يبقى شخصُهُ فينا إلهاماً واقتداءً، وتبقى رؤيتُهُ، ويبقى عملُُهُ لنا ولشباب الوطنِ العربيّ، وكلّ الطموحين والمستنيرين في العالَم: "أمّا الزبدُ فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكُثُ في الأرض". صدق الله العظيم.

 

والسلام عليكم.

 

قصر اليونيسكو- بيروت

الجمعة في 25 تشرين الثاني 2005

 

                                      رئيــس مجلــس الــوزراء

                                      فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
25/11/2005