كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في مأدبة عشاء جمعية أصدقاء إبراهيم عبد العال

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

يسعدني في هذه المناسبة الكريمة المشاركة في الاحتفال بذكرى الراحل الكبير المهندس إبراهيم عبد العال الذي كان له الفضل فيما بذله من الجهد والإنتاج في مجال وضع استراتيجية المياه في لبنان.

وفي حضور هذه الطاقات النخبوية أودُّ التنبيه إلى الأمر الذي تنبَّهَ إليه المرحوم الأستاذ إبراهيم عبد العال قبل نصف قرن، بشأن مواجهة التحديات المائية التي تنتظر منطقتَنا ووطنَنا والتي تستوجب أن تكون لدينا رؤىً للحاضر والمستقبل، وذلك بهدف تأمين استمرار التنمية الإنسانية، والمحافظة على كرامة الإنسان وذلك من خلال تأمين كمية عادلة ومنصفة من المياه النظيفة لجميع المواطنين في لبنان.

نحن نعلم أن تزايد الطلب على هذا الموردِ الأساسِ وذلك بسبب تغير أنماط العيش ومستوياته والزيادة المطردة في عدد السكان هو التحدي بالنسبة لنا من أجل السعي الدائم لتأمين تلك الحاجات المتزايدة لتكريس السلم الاجتماعي بهدف الحفاظ على التنمية من جهة، وكشف ومتابعة الوظائف الاستراتيجية لهذا الملف.

فمسائل المياه تشغل حيزاً كبيراً من اهتمامات غالبية دول العالم بما فيها تلك التي تنعم بمصادر هائلة من المياه. بينما وفي المقابل يبدو أننا نحن في الدول العربية قد تأخرنا كثيراً في إيلاء هذه القضية الحيوية القدْرَ الذي تستحقهُ من الاهتمام.

إنّ هذه التحديات لا تقتصر فقط على لبنان بل هي كذلك في كل الأقطار العربية. فموضوع المياه موضوعٌ شديد الحساسية بالنسبة لنا جميعاً في التنمية، كما في الأمن، كما في تشكيل وصناعة المستقبل. ولذا فكلنا معنيون بوضع الحلول لهذه التحديات لأنّ تأمين المياه الصحية السليمة هو مبدأ يرتكز على أبسط القواعد الإنسانية.

وعلى ذلك فإنه لا يمكنُ مقاربةَ مسألةَ المياه إلا من خلال منظورٍ استراتيجي. فالاستخدامات الاقتصادية والاجتماعية للمياه هي استخداماتٌ استراتيجيةٌ، تتطلبُ الكثيرَ من الوعيِ والعناية والحكمة، سيما وأنه تكاد لا توجد إلا حالاتِ تشاركٍ ومشاركةٍ للمياه فيما بين الدول، وحتى بين المناطق ضمن نفس الدولة.

ولكنه ومع الأسف فإن الطبيعة البشرية لا تقيم في العادة وزناً ولا قيمة لما يتوفر بيسر وسهولة. من هنا، وحيث أننا لا نتعامل في بلداننا العربية مع المياه، والتي أشار إليها الله في كتابه العزيز "وجعلنا من الماء كل شيء حياً"، على أنها مادة أساسية للحياة وسلعة لها قيمة إستراتيجية وحيوية تكاد تفوق بأهميتها سائر الموارد الطبيعية الأخرى كالنفط وسواه، فقد كان من نتيجة ذلك أننا نشهد الهدر المستمر من خلال الإفراط في استعمال المياه عن الكميات المطلوبة والمبررة بسبب توفرها بأسعار رمزية لا توازي قيمتها الإستراتيجية وبالتالي فإنه ليس هناك من حافز حقيقي للترشيد في استخدامها.

إن ما يقال عن مفهوم الأمن المائي العربي يتلخص في إدارة رشيدة للموارد المائية المتاحة، والعمل على تدبير مصادر متجددة ومتواصلة لضمان حق الأجيال الحالية والقادمة، من مياهِ شربٍ نظيفةٍ ومياهٍ كافية لمجالاتِ التنمية المتعددة، وذلك ضمن وضع بيئي سليم، ومن خلال العمل على ضمان حماية مستدامة لتلك المصادر المائية.

أيها السيدات والسادة،

لقد وعت الدولة اللبنانيةُ أنه لا سبيلَ لمواجهة أزمة المياه إلا بخطة طوارئ تَحِدُّ من أضرار الغياب المتمادي عن إيجاد معالجة جادة لها، فكانت الخطة العشرية لوزارة الطاقة والمياه التي عمدت إلى البدء بتنفيذها بإنشاء سدود وبحيرات جبلية تشمل كافة المناطق اللبنانية. وقد بوشر بتنفيذ قسم منها. وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الوزراء قد اعتمد ضمن الخطة العشرية نظام D-BOTللمشاريع المائية الكبرى لاستقطاب القطاع الخاص وتعزيز مشاركته واستعمال طرقه وتقنياته لإدارة تكون فعالة لخدمات المياه ولصالح المستخدمين وكذلك الاعتماد عليه لتمويل ودراسة واستثمار السدود والمحطات الكهرومائية وملحقاتها. إن هذا الأمر يتطلب من جهة أولى متابعة جادة للجهود لتعزيز الخبرات المتعلقة بإدارة هذا القطاع. وهو من جهة ثانية يستدعي مبادرة لبنان إلى تعزيز معرفته ومعلوماته حول وضع المياه وبالأخص الموارد الجوفية، ومنها ما يذهب هدراً إلى البحر، والاستمرار في المحافظة على الثروات المائية الوطنية من خلال اعتماد سياسة فعلية للتجدد المستدام للموارد المائية والمبادرة إلى القيام بكل جهد ممكن إلى إبراز أهمية توعية الأجيال وتربيتها على ثقافة المياه والبيئة.

لا بدّ لنا أن نشير إلى أهمية الاستمرار في السعي والعمل على تنفيذ مشاريع مستقبلية لمياه الريّ التي تؤمِّنُ الأَمْنَ الاجتماعيَّ والأمنَ الغذائيَّ في لبنان، وتحفظُ حقوقَ المواطنين في أرضهم. وكذلك فإن هناك ضرورة للمبادرة إلى رص الجهود للقيام بمعالجة مياه الصرف الصحي بإنشاء محطات التكرير والتي هي من الأهمية بمكانٍ، ومن الأمور الملحة وذلك حفاظاً على نظافة المياه الجوفية وعدم تلويث البيئة.

كذلك فإن العودة إلى التمسك بإنشاء الإدارة المتكاملة للمياه النظيفة والمياه المبتذلة ضمن سياسية حفظ الجوار مع الاتحاد الأوروبي يعتبر من الأمور الضرورية لتشجيع كافة مؤسسات التمويل المحلية والعالمية التي تسعى إلى دعم المشاريع المائية والإنمائية بُغْيةَ الاستفادة من هذه الموارد الأساسية التي يمتلكها لبنان.

أيها السادة،

يا رفاقَ إبراهيم عبد العال ومحبّيه!

ليس هذا اجتماعَكم الأول احتفاءً بالراحل إبراهيم عبد العال، أو احتفاءً بقضية المياه واهتماماً بها. فقد نظمتُم مؤتمرين من قبل، وكانا مفيدين جداً في فتح العيون على حيوية الموضوع وخطورته وضرورة التعاون والتضامن من حوله لمعالجته قبل فوات الأوان. ومن هنا كانت أهميةُ رؤية إبراهيم عبد العال لهذا الملفّ الاستراتيجي، ومن هنا كان عملُهُ وعملُنا من أجل التصحيح والتغيير والتضامن والتبصر والإعداد للمستقبل.

رحم الله رجالاتنا الكبار وفي مقدمهم إبراهيم عبد العال، فقد بقي العملُ الذي قامَ به. ولنبقَ على الاهتمامِ بالرؤيةِ التي سار عليها، فهي ضمانةٌ من ضمانات المستقبل.

أتمنى لكم كل الخير.

عاشت ذكرى إبراهيم عبد العال.

عشتم وعاش لبنان.

 

فندق البريستول- بيروت

الاثنين في 5 كانون الأول 2005

 

                                  رئيـس مجلـس الـوزراء

     فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
05/12/2005