كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في الدورة الاستثنائية الثالثة لمؤتمر القمة الإسلامي

جلالةَ خادم الحرمين الشريفين،
الملك عبد الله بن عبد العزيز الموقَّر،
السادةَ الملوك والأمراء والرؤساء،
دولة الأستاذ عبد الله بدوي رئيس وزراء ماليزيا ورئيس الدورة العاشرة للقمة
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي،
أيها الإخوةُ والزملاء،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أود أن أشكر في البدء لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الدعوة والرؤية. لقد كان ضرورياً فعلاً المسارعة للاجتماع من أجل التشاور والتوصل إلى قرارات بشأن الظروف الاستثنائية التي تحيط بالعالم الإسلامي وتؤثر في استقراره وتطوره.
إنّ اجتماعنا بمكّةَ اليومَ تفاؤل بالخير إنْ شاء الله، شأن ما ذكره القرآنُ الكريم عن فتح مكة، وما قال عنه رسولُ الله صلواتُ الله وسلامُهُ عليه إنه "يومٌ له ما بعده". نجتمعُ في قُدْسِ أقداس الإسلام، لنجدّد ونتجدَّدَ بتوفيق الله عزَّ وجلَّ وعونِه، فنستعيدَ معنى الأمةِ فينا، ونتضامنَ، ونتشاورَ في التحديات التي تتوالى علينا، كما نتشاورُ في كيفيات الاستيعاب والمواجهة، وتحقيق الإصلاح والنهوض والمشاركة والتلاؤم مع المستجدات في هذا العالم الذي نحن جزء منه نتفاعل معه ونؤثر فيه.
لقد أردْتُ أن أعرِضَ عليكم هنا، بجوار البيتِ الحرام، جوارِ الأمنِ والأمان، ما مرَّ بلبنانَ خلال العام 2005، وأين نحن اليوم. فقد اغتالت الأيدي الآثمةُ الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وخرج الشعبُ اللبنانيُّ عن بكرة أبيه مُطالباً بالعدالةِ من طريق كشف حقيقةِ مَنْ اغتال الرئيس، ومُنادياً بالحرية، وبالدولة القوية والآمنة والسيدة والمستقلة. وتوالتْ بعد ذلك الأحداثُ الكُبرى. انسحبت القواتُ السوريةُ من لبنان، وجرت انتخاباتٌ حُرَّةٌ حصل فيها تيارُ الرئيس الحريري وحلفاؤه على الأكثرية، وتشكّلت الحكومةُ التي أرأسُها والتي حدَّدتْ لنفسها ثلاثةَ أهداف: استمرار العمل على كشف حقيقة مَنْ اغتال الرئيسَ الحريري، والحفاظ على الوحدة الوطنية والنظام الديمقراطي في البلاد من طريق تطبيق دستور الطائف، والقيام بالعمليات الإصلاحية الضرورية من أجل التصحيح السياسي وتحرير الاقتصاد، وتحقيق مشروع الشهيد الحريري في إعمار لبنانَ ونهوضِه، وانضمامِهِ إلى إخوانِه العرب والمسلمين في السير بالتطور والتطوير والإصلاح والنهوض والإعداد للمستقبل الواعد والزاهر.
لقد لقينا في مساعينا في الشهور الماضية من أجل تعزيز الاستقرار وإجراء التصحيح وتحقيق الإصلاح والعدالة، دَعْمَ الأشقّاء والأصدقاء في العالمين العربي والإسلامي، وفي المجتمع الدَولي، وما يزال هذا الدعم ضرورياً لتمكين لبنان من تأكيد استقلاله وسيادته وحريته وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على جميع الأراضي اللبنانية. إن مطالبنا اليوم، والتي تستدعي تضامنَكُم ودعْمَكُم أيضاً تتركز في الضغط على إسرائيل من أجل استكمال جلائها عن منطقة مزارع شبعا اللبنانية، وإطلاق سَراح الأسرى، ونزع الألغام من المناطق الحدودية، والكفّ عن اختراق سيادتنا في البر والبحر والجوّ. ويبقى التزامنا بالمبادرة العربية للسلام الشامل والعادل والقائم على تحرير سائر الأراضي العربية المحتلة من الاحتلال الإسرائيلي.
ساعَدَنا البنك الإسلامي للتنمية وساعدتْنا مؤسساتُ المؤتمر الإسلامي الأُخرى في التسعينات للخروج من النزاع والاحتلال، وإعادة الإعمار، وما بقي بلدٌ من البلدان العربية والإسلامية إلاّ وزارهُ الرئيسُ الشهيدُ مبشِّراً بلبنانَ الواعد، وشارحاً لإخوانه وأصدقائه المشكلات التي نُعانيها، وخطة الحكومة اللبنانية للإصلاح والنهوض، والتي تستدعي مساعدةً وتضامُناً.
إننا نريدُ، من أجل الانتماء والمصالح المشتركة، أن يتقوَّى هذا الدعمُ، تعاوُناً مع المجتمع الدولي من أجل كشف الحقيقة في الاغتيال من خلال محاكمةٍ دولية، والتضامُن من جانب منظمة المؤتمر الإسلامي مع الشعب اللبناني في إنفاذ المشروعات الإصلاحيةِ السياسية والاقتصادية.
أيها الإخوة،
لقد سمعتُم وستسمعون كلاماً كثيراً عن فلسطين والعراق، ونحن جُزءٌ من هذه المنطقة التي تُعاني من الاضطراب، وتسعى للتغيير بالحرية وبإقامة أنظمة المُشاركة. ولا شكَّ أنّ الوضع في فلسطين، يشهدُ كثيراً من الاعتداءات الإسرائيلية التي يبدو معها السلام صعب التصور. هناك المبادرةُ العربية للسلام التي اقترحها الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمةِ بيروتَ العربية، وهناك الآن مبادرةُ الجامعة العربية للحفاظ على وحدة العراق، واستنقاذ سلامِهِ واستقرارِه. وأنا على يقين أنكم تؤيدون مساعي الحرية والسلام والعدالة في المنطقة، كما وقفتم وتقفون مع حرية لبنانَ واستقلاله وسيادته على أرضه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. إننا نرغب في أن يصار إلى دعم جهود الحكومة اللبنانية وبالتعاون البناء مع الشقيقة سوريا من اجل المسارعة إلى ترسيم الحدود مع سوريا بما فيها منطقة مزارع شبعا المحتلة، لكي لا يظل الغموض السائد حجة بيد إسرائيل لاستمرار احتلالها. كما نرغب في دعمكم للتحقيق الدولي والمحاكمة الدولية في قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان الشهيد الرئيس رفيق الحريري- والتطرق أيضاً للمبادرات العربية في فلسطين والعراق. فالسلامُ والاستقرارُ والتقدم، كلُّها أمورٌ ووقائعُ لا تتجزأُ ولا تُبتسَر.
إننا نريد بالآفاق المستنيرة، وإسلام الجماعة تأكيد نبذنا للتطرف وللعنف، وبذلك نعلي من شأن سماحة الإسلام، ونتقدم في سبل الإصلاح والنهوض. لا نقبل أن نخاف، لكننا لا نريد أن نخيف العالم، بل نريد ونعمل من أجل الثقة، ومن اجل البناء والشراكة. فالمنبت كما قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. إن العنف والإرهاب داء فظيع يكون علينا التخلص منه من أجل حاضرنا ومستقبلنا وعلاقاتنا المصيرية بباقي البشرية ونحن ندعم الجهود الرامية لتقوية منظمة المؤتمر الإسلامي للجهتين : المزيد من التعاون والفعل في المجالات الاقتصادية والسياسية والعلمية والإستراتيجية، والعمل في المجال الثقافي من أجل رؤية جديدة للإسلام وللإصلاح الإسلامي. ولا أنسى في هذا المجال المجمع الفقهي التابع للمنظمة، والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، والتي كانت لها في السنوات الأخيرة جهود مشكورة.
إننا نطمح بسلامَنا القوي والديمقراطي أن نكون جزءًا من السلام العربي الإسلامي، الذي يُريدُ بانتمائه الكبير، وحضارتِه التاريخية، المشاركة بمسؤولية في تقدم العالَم وأمنِهِ واستقرارِه.
إن للبنان تجربة تعددية ناجحة، لجهة التنوع الديني، ولجهة التنوع السياسي. وتحدونا الإرادة والخبرة للإسهام في الإصلاح والنهوض الذي يتوخاه اليوم العرب والمسلمون.
فليبقَ المؤتمرُ الإسلاميُّ، وليبق السلامُ الإسلامي، ولتكن مكةُ دارُ الجوارِ الآمِن كما أرادها الله سبحانه وتعالى، المنطَلَقَ العريق والعتيق والمتجدد لأملِ أمتنا وعملِها.
مكـة المكرمـة
7/12/2005
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
