كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في افتتاح معرض الكتاب العربي

أيها الناشرون،
أيها المثقفون،
إدارةَ النادي الثقافي العربي،
أيها الحفلُ الكريم،
نقفُ هنا اليومَ وسط هذا الصَرح الكبير من صروح إعمار بيروتَ ولبنانَ فنتذكَّرَ الرئيسَ الشهيدَ رفيق الحريري، الذي صنع الحُلُم والرؤية، وَجدَّد العُمران، وسعى لبناءِ الإنسان، وبعثَ العزيمةَ والأَمَلَ في اللبنانيين، وشموخَ لبنان.
ونقِفُ اليومَ أمام الأُلوف المؤلَّفةِ من الآثار الثقافية والعلمية، فنعتزُّ بهذا الثراء الفكري والثقافي في هذا البلدِ الصغير بمساحتِه، والكبير بطموحهِ ونِتاجِه، ورأسِ مالِه الإنساني الراقي. وهنا نتذكَّرُ أيضاً رفيق الحريري الذي كان يطوفُ بينكم في كلِّ عامٍ، يَشُدُّ على الأيدي، ويُثيرُ العزائم، ويجمعُ ما تفرَّق، ويُنيرُ ببسْمتِهِ دروبَ الثقافة،
كما أنار بمؤسسةِ الحريري منازلَ عشرات الألوف من اللبنانيين الشباب والشابّات، وفتح لهم آفاقاً وأتاحَ لهم فُرَصاً، وصنع لهم مستقبلاتٍ كثيرة. أذكُرُ أنّ أحداً قال له مرة: إنّ لبنانَ يفتقرُ إلى مؤسسةٍ بحثيةٍ كبرى فأجابه على الفور: نحن نُنَشّئُ هؤلاء الشباب، وهم الذين يبنون المؤسَّسات البحثية وغير البحثية.
منذ مطالع الستيناتِ من القرن الماضي تردَّدَ رفيق الحريري الشابّ العروبي التوجُّه على النادي الثقافي العربي، هذا المَعْلم الكبير من معالم الثقافة والوطنيةِ في بيروت. وهو منذ العام 1979 يُساعدُ الجامعات والمدارس، ومنتديات الفنون والعلوم، ويعتبرُ ذلك واجباً عليه لوطنِه وبني قومِه وأُمّتِه.
وها أنتم تُبادلونه الوفاءَ بالوفاء فتُطلقون على معرِضِكم التاسع والأربعين اسمَ الرئيس الشهيد رفيق الحريري، رمزاً للوفاء، لكنْ أيضاً رمزاً للأملِ والعملِ والازدهار، ورمزاً للعزيمة المتجدّدة، ورمزاً للرسالة التي يحملُها لبنان تُجاه أمتِه، وتُجاه العالَم، رسالة الثقافة، ورسالة الحرية، ورسالة التقدم، ورسالة الإبداع الكبير.
إنّ تاريخَ النادي الثقافي العربي الذي كان لي شرف رئاسته في مرحلة سابقة هو في وجهٍ من وجوهِهِ تاريخٌ للثقافة العربية الحديثة، وليس في لبنانَ فقط، بل وفي سائر أنحاءِ المَشْرقِ العربي. ما عَرَف النادي فترةً ما كان فيها مَعْنياً بالثقافة العربية الشاملة، وبالفكر القومي العربي، وبالهمِّ العربيِّ العام: من قضيةِ فِلَسْطين، وإلى وحدةِ مصر وسورية، وإلى حرب تحرير الجزائر، وقيام العمل الفدائي الفلسطيني، ومسائل النظام العربي، والمصير العربي، والعمل العربي المشترك، وعلاقات لبنانَ الداخلية والعربية والدولية، وثقافة الطفل العربي والموسيقى العربية، وتشابُكات الدين والدولة في الوطن العربي. وما أزالُ أرى أنّ مَعْرِضَ الكتاب الذي ابتدع النادي فكرتَهُ عملٌ جليلٌ من أعمال العروبة الحديثة، والثقافة العصرية، والوعي المستقبلي المستنير.
وما كان يمكن للنادي الثقافي العربي أن يحقّق هذا الإنجازَ لولا المثقفون اللبنانيون والعرب، ولولا الناشرون اللبنانيون الذين يحضُرون في سائر النشاطات، ويقيمون شراكةً مع النادي. والناشرون اللبنانيون، الذين استعصوا على الحرب والدمار، ما يزالون قطاعاً مُتنامياً في الاقتصاد اللبناني، وقطاعاً رئيساً في مجال النشر في الوطن العربي. وهم يستحقُّون الاهتمامَ والدعم للخدمة التي يؤدونها للبنان والعرب الآخرين، وللمستقبل الزاهر الذي ينتظر صناعة النشر في لبنان إن روعيَ البُعدُ الاستثماريُّ في القطاع وتحقق التلاؤم المطلوب مع وسائل الاتصال واقتصادات المعرفة وتطور الأسواق.
أيها السادة، أيها الإخوة،
لقد صمّم اللبنانيون على الحرية، وصمَّموا على بناءِ الدولةِ القوية والقادرة والديمقراطية. لقد سئم الشعب اللبناني المُراوحةَ والانقسامَ والتردُّدَ والخوف. نعم، لقد سئمنا الخوفَ، وقررنا أن تكونَ الشجاعةُ رائدَنا، الشجاعةُ أمام أنفُسِنا، وأمامَ مصيرِنا، وأمامَ مستقبلِنا. ما عُدْنا نستطيع العيشَ إلاّ في دولة. وما عُدنا نستطيعُ العيشَ بدون حرية، وما عُدنا نستطيع العيشَ بدون إرادةٍ كبرى واحدة، وهدفٍ وطنيٍ مشتركٍ، وعملٍ ثقافيٍ وسياسيٍ من أجل الدولةِ المستقلة والمنطلِقة في دروبِ العِزَّة والإباءِ والكرامة. اليومَ نُنْجِزُ حرية القرار والعمل، واليومَ وبالحرية نستمرُّ في إنجاز الانتماءِ العربيِّ المتجدّد، والدولة العربيةَ العصرية.
لقد بنيتُمْ، أيها اللبنانيون، هذه الصروحَ الكبيرة، وهذه الآثارَ الثقافيةَ الرائعة، وهذه الحاضرةَ الخالدةَ إن شاء الله، بدمائكم وجهادِكُمْ وأنين أطفالِكُم، ومعاناةِ فتياتكم وفتيانِكم وشيوخِكُمْ، ودفعتُمُ الضريبةَ الغاليةَ بالدم والدمْع، وقد آنَ الأوانُ لتنالوا جزاءَ نضالِكُم وجَهدِكم، جَزاءَ حريتِكم وثقافتِكم وتميُّزِكم. لسنا أفضلَ الناس، لكننا لن نرضَى بدون عيشِ الناسِ الأعزَّاء في هذه المنطقة، وفي هذا العالَم. لا عِلَّةَ في انتمائنا. ولا عِلَّةَ في وعينا. ولا عِلَّةَ في ثقافتِنا. ونُريدُ الانتصارَ بالإرادةِ والعمل الجاد الملتزم في مواجهةِ الصِعاب، وصُنْع المستقبل القويّ والزاهر.
أيها الإخوة،
إنّ معرِضَ الكتاب العربي، معرِض رفيق الحريري التاسع والأربعين، شاهدٌ حيٌّ على ما أنجزه لبنانُ واللبنانيون للثقافة العربية وللعلم العربي وللتقدم العربي. إنّ معرِضَكم هذا هو أقدمُ معارِض الكتاب العربيّ المستمرة. وقد أصررتُم على إقامتِه في أَقسى الظروفِ وأصعَبِها. لقد تغلَّبتْ إرادةُ الحياة، إرادةُ الانتماء، إرادةُ الإنجاز على كلِّ الصِعاب. وكما لم تُساوِموا على الثقافة، وعلى التعددية، وعلى الديمقراطية، لن تُساوموا على وطنِكم، ولا على وحدتِكم ولا على حريتكم وانفتاحكم واعتدالكم، ولا على دمِ رفيق الحريري وسائر شهداءِ لبنانَ ومظلوميه.
إنني أعرفُ نَفَادَ الصبر الذي يُخالجُ الكثيرين منكم. لقد كان ينبغي أن نخرُجَ من النَفَق منذ العام 1990- وهذا ما كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يقولُهُ ويكرِّرُه، فقد كان يقول ويكرّر ومنذ العام 1997: لقد انطلقْنا انطلاقةً هائلة، ووضْعُنا اليومَ أفضلُ بعشرات المرات منه قبلَ عشر سنوات. لكنْ لماذا لم يتحققْ في الاقتصاد غيرَ نصف ما سعينا إليه، وفي بناءِ الدولة إلاّ رُبع ما أمَّلْنا؟! وكنّا نَنْسِبُ ذلك تارةً وبحقٍ للنزاع الداخلي، وطوراً وبحقٍ للاجتياحات الإسرائيلية، أمّا اليومَ فلا عُذْرَ لنا، لا في التردد ولا في تفويت الفُرصة التي لا تتكرر: فرصة بناء الدولة على توافُقِ اللبنانيين وإيمانِهِم بوطنِهِمْ ومستقبلِهِمْ.
إنّ ما نحن مُقْبِلُونَ عليه وما نُحاولُ القيامَ به يتطلبُ طبعاً الأناةَ ويتطلبُ الخُطُواتِ الثابتة، ويكونُ علينا أن نجمعَ بين الجرأةِ والصبر والحكمة والحزم، ودونما إفراطٍ ولا تفريط. ذلك أننا ما عُدْنا نملكُ رفاهيةَ ارتكاب الأخطاء ونسْبتَها إلى الآخرين، وما عُدْنا نملكُ حقَّ المجاملة في المسائل الوطنية والقومية، وما عُدْنا نستطيعُ أخيراً الاعتمادَ على مساعدة الأشقاء والأصدقاء إنْ لم نساعدْ نحن أنفُسَنا أولاً فنكسب بذلك ثقتنا بأنفسنا وثقة الآخرين بنا.
أيها الإخوة والأخوات،
لقد أتيتُ بالأمس من القمة الإسلامية بمكةَ المكَّرمة. وقد قلتُ هناك لسائر الإخوة والزملاء إنّ لبنانَ مصمِّمٌ على البناء وعلى الإصلاح، وعلى مُتابعة ما أنجزهُ رفيق الحريري، من ضمن السلم الأهلي والحرية والديمقراطية. وقد وجدتُ أنّ اهتمامَ العرب والمسلمين والعالَم كبيرٌ بلبنان. صدِّقوني أنّ أكثر المسؤولين الذين لقيتُهُم بمكةَ يكادون يعرفون عن لبنانَ، وفي السنة الأخيرة بالذات، كما نعرفُ وأحياناً أكثر. وهم يطمحون لنا ونحن نطمح أن نكونَ النموذجَ للتغيير البنّاء، والتطوير المتقدم، والعيش المشترك، والحرص على الديمقراطية، وعلى إنجاح التجربة التنموية والإصلاحية.
أيها الإخوة،
قبل أسابيع، شهدْنا معرِض الكتاب الفرنسيّ، وآثارَ اللبنانيين بالثقافة الفرنسية. واليومَ نشهدُ في معرِض رفيق الحريري آثارَ اللبنانيين والعرب بالعربية وبغيرِها من اللغات. وهذه نعمةٌ وإنجازٌ لا تعرفُهُما بلدانٌ كثيرةٌ في هذه المنطقة، وفي مناطق العالَم الأخرى. نريدُ أن نكونَ مع وطنِنا ومدينتِنا ليبقى وطنُنا وتبقى مدينتُنا لنا. بيروتُ حاضرةُ العرب، ولبنانُ حاضرةُ المشرق بعونِ الله، وعملِ اللبنانيين.
تُقامُ هذه الأيام ندواتٌ ومؤتمراتٌ علميةٌ عن الإمام محمد عبده والإصلاح العربي والإسلامي بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لوفاته. وقد جاء الإمام محمد عبده إلى بيروت عام 1883، كان عددُ سكّان المدينة لا يزيدُ على الثلاثين ألفاً. لكنه لاحظ أنّ عدد المدارس العامة والخاصة لا يقلُّ عن عدد مدارس القاهرة التي كان عددُ سكانها يومَها حوالي نصف المليون، بالإضافة إلى جامعتين اثنتين، في حين ما كان بالقاهرة غيرُ بعضِ المدارس العليا المتخصّصة. ويذكر رشيد رضا تلميذُهُ- وأصلُهُ كما نعرفُ من بلدة القلمون بلبنان- أنّ بيروتَ كانت دائماً على لسانه، وعندما تذمَّرَ بعضُ جُلسَائه من كثرة ذكرِهِ لها، قال لهم الأستاذ الإمام: ماذا تريدونني أن أقولَ عن بلدٍ طُبع فيه أولُ كتابٍ بالعربية قبل مائةٍ وخمسين عاماً، وعلى أيدي رُهبانٍ مسيحيين؟ وهل تعرفون أنني قابلتُ ببيروت أعلَمَ الناس بالعربية، يوسف الشرتوني، وهو مسيحيٌّ عربيٌّ أيضاً؟ وهل تعرفون أنّ أكثر القائمين على نشر الجرائد والمجلات المصرية وتحريرها في العقود الأخيرة أتَوا إلى مصر من ذاك البلدِ أيضاً؟
الأعمالُ الكاملةُ لمحمد عبده جرى نشرُها في بيروتَ في مطلعِ السبعيناتِ من القرن الماضي، وفيها مشروعُهُ لإصلاح التعليم، ومذكّراتُهُ عن بيروتَ وجبلِ لبنان. وعندما غادر عبده بيروتَ عام 1888 ليتولَّى الإفتاءَ بمصر، وليُشرفَ على إصدار مجلة المنار، وليعملَ على إصلاح الأزهر، وكتابةِ تفسيره للقرآن، كانت بيروتُ تتطورُ إلى ولاية. وفي عام 1906 كتب رحّالةٌ بريطانيٌّ مقالةً صارت شهيرةً في ما بعد عنوانُها: لماذا بيروت وليس عكّا؟ وفي العام 1918 أعلن عمر الداعوق عن قيامِ الدولةِ العربيةِ من بيروت. وفي ما بين الأربعينات والسبعينات من القرن الماضي صارت بيروتُ المركزَ الثقافيَّ العربيَّ الأول، والدوحةَ الباسقةَ للحرية والازدهار في هذا الشرقِ الشاسع، وصار لبنانُ ملتقى الثقافات والحداثةَ العربيةَ الواعدة... وطَلَع رفيق الحريري في أُفُق هذا الوطن، وهذه المنطِقة ليَصِلَ ما قَطَعَهُ النزاعُ الداخليُّ والاجتياحاتُ الإسرائيلية. وبكم أنتم يا أهلَ بيروتَ ولبنانَ يستمرُّ المشوار، تُكملون الحُلُمَ والرؤيةَ والمشروع، وتحقّقون الاختراقَ الذي ظلَّ لعقدٍ ونصفِ العَقْدِ بمتناوَلِ اليد.
لقد صنع رفيق الحريري المشروعَ والفُرصة. وبوَهج استشهاده، وبالحرية نملكُ الفرصةَ من جديد. فدعُونا نعملْ لكي لا تضيعَ الفرصةُ علينا وعلى وطنِنا ومواطنينا، فرصةِ النهوض والتقدم وبناء الدولة القوية والديمقراطية.
شكراً لكم أيها المثقَّفون والمُبدعون.
شكراً للنادي الثقافي العربي.
شكراً للناشرين اللبنانيين والعرب.
رحم الله رفيق الحريري مُجدِّدَ عُمرانِ بيروتَ ولبنان.
عاشت بيروت، عشتم وعاش لبنان.
قاعة بيال- الجمعة في 9 كانون الأول 2005
رئيـس مجلـس الـوزراء
فــؤاد الســنيورة
