كلمة رئيس مجلس الوزراء الاستاذ فؤاد السنيورة في اليوم الرابع للعدوان الإسرائيلي على لبنان

أيها اللبنانيون،
فيما كنا نستعد لانطلاقةٍ متجددةٍ في مسيرة الإصلاح وإعادة النهوض، ها نحن مجدداً في مرمى النيران والغارات الاسرائيلية التي اغتالت المواطنين، وقطَّعتْ أَوصالَ الوطن، وضربتْ مرافقَهُ الأساسية، وانتهكت سيادةَ الدولةِ اللبنانية، وكرامةَ الإنسانِ وحقوقَه. إنَّ تلك الآلةَ المجرمةَ ما تزالُ تُمْعِنُ قتلاً وتدميراً وتهجيراً بدون رادعٍ ولا وازع.
لقد شهدت ساعاتُ اليومِ الرابعِ من أيام الحرب العدوانية تخريباً ذريعاً متصاعداً لمرافق مدنية كثيرة، بقصد التجويع والإظلام الى جانب القتل والتدمير من الجنوب الى الشمال والبقاع، وها هي ألة العدوان الغاشم تمطر على مدار الساعة حمَمَها على مدننا وقرانا.
إخوتي وأحبائي،
يعتصرنا الألم والحزن، بقدر ما يتملكنا الغضب والتصميمُ والعزيمة. وبالصبر على المعاناة وباستنفار كل الجهود والمبادرات، نعملُ جميعاً على الخلاص الوطني.
في هذه الايامِ الحالكة أفكّرُ فيكم واحداً واحداً: في الأطفال الذين باتوا في الملاجىء أو الذين فقدوا أباً أو أماً أو أخاً. أفكّر في الامهات والشيوخ والجرحى. أفكّرُ في الذين تقطّعت بهم السُبُل، والذين يُلاحُقهم الدمار الاسرائيلي من مكانٍ الى مكان. أفكّر في أطفالِ ونساءِ وشيوخِ بلدة مَرْوحين وقبلها في الدوير والبياضة وغيرها الذين اغتالتْهم يُد الغدر الاسرائيلي عندما كانوا يحاولون عبثاً النجاةَ من القصف والضرب.
في كل قريةٍ من قرى الجنوب، وكلِّ بيتٍ من بيوت لبنان في بقاعِه وجبلهِ وشمالهِ، وفي بيروت وضاحيتها، نواجهُ معاً المآساةَ نفسَها والتحدّي ايّاه. إنها ساعاتٌ للوحدة وليس للانقسام، انها ساعاتٌ للتضامُن وليست للفرقة. لنفتحْ قلوبَنا جميعاً بعضَنا لبعض. إننا مدعوون الى فتح منازلنا ومدارسنا لإعانة من ترك مدرسته وبيته وعمله. اننا مدعوون لتضميد الجراح وللنظر بعيون الأمل والمستقبل، مستقبلِ هذا الوطن الذي دفعْنا ثمن بقائه من دمائنا وارواحنا اكثرَ مما دفع أيُّ وطنٍ في الدنيا. وأنا واثقٌ أننا سنقوى على المحنة، وسنكونُ أهلاً للتحدي، وسنبني ما هدَّمهُ العدوُّ كما فعلْنا في كلِّ مرة. هم لا يعرفون غيرَ الموت والدمار ونحن نُحْسِنُ الصمودَ والدفاعَ والبناءَ والإعمار.
لقد نزف جُرحُ لبنان منذ نكبةِ العرب الكبرى في فِلسطينَ الحبيبة، وها هو ينزفُ من جديد بفعل العدوان الاسرائيلي المتكرّر عليه. إنّ ما يحدُثُ اليوم يدفعُنا أكثرَ من أي وقتٍ مضى لكي نبقى متآزرين حفظاً لسلامةِ لبنان وسيادتِه واستقلالِه وكرامةِ بنيه.
أيها اللبنانيون، إخواني وأحبّائي،
إني من هنا، من قلبِ بيروتَ الذي أعاد إعمارَهُ معكم شهيدُنا الحبيب الرئيس رفيق الحريري الذي نذكُرُهُ ونفتقدُ أعمالَهُ وأحلامَهُ التي تُحاولُ الآلة الحربيةُ الاسرائيليةُ الغاشمة تدميرَها واغتيالَها.
إنّ ما نتعرضُ له اليومَ يتجاوز المسألة المُدَّعاة بشأن الأسرى والمعتقلين. إنها قضيةُ شعبٍ يُستباحُ أمْنُهُ وأرضه من قبل اسرائيل بذرائع واهية. فهي تُنْزِلُ به عقوبةً جماعيةً ليست لها شرعيةٌ أخلاقيةٌ أو قانونية. وطننا يتعرض اليوم لأعنفِ عدوانٍ تعرضتْ له دولةٌ وشعبٌ من قِبَلِ آلةٍ حربيةٍ غاشمةٍ تُقَطِّعُ شرايينَهُ وتقتل ابناءه وتُشَرِّدُ سكانِهُ وتُدَمِّرُ مؤسساتهِ.
إخواني وأحبّائي،
نحن ماضون بكل عزيمة سواءً لجهة اعمال الاغاثة العاجلة لدعم صمود المواطنين والربط بين المناطق، واعادة الاتصالات، والترميم، وتنظيم مسائل الغذاء والدواء ولطلب المؤازرة من الاخوة والاصدقاء- ولجهة المعالجة السياسية للأزمة بالانعقاد الدائم لمجلس الوزراء، وبالاتصال بالجهات العربية الدولية، وكلِّ المؤثرين في العالم. ونحن مؤمنون ومطمئنون الى عدالة قضيتنا وحقنا والى تماسك الشعب والحكومة وتعاون القوى والجهات المعنية.
بيد ان العبرة الحاضرة والباقية من هذه المحنة التي عرفها تاريخنا الحديث عدة مرات ان الرد الصحيح على هذا العدوان وكل عدوان يتمثل في ان نسلك معا حكومة وشعبا الطريق الصحيحةَ الوحيدةَ للتصدي وللاستقرار الدائم، طريق قيام الدولةِ الواحدةِ والقادرةِ التي تحمي الجميع، وتحفظ حقوقهم، وتصون سلامتهم.
لقد اعلنت الحكومة بصراحة ومنذ اللحظة الاولى لانفجار الاحداث انها لم تكن على علم بما وقع ولم تتبن العملية التي نفذها حزب الله لاسر الجنديين الاسرائيليين. وما حال ذلك دون تفاقم الاعتداء. وفي مطلق الاحوال ليس لاسرائيل الحقَّ في تدمير لبنان، وتشريدِ بنيه، وهدم مرافقه. وهذه التجربةُ بالذات تدفعُنا اكثرَ من أي وقت مضى الى التمسك بحق الدولة اللبنانية وواجبها في حماية لبنان واللبنانيين تجاه أي تهديد أو اعتداء. ان لبنان لا يستطيع القيام والنهوض اذا كانت الدولة فيه اخر من يعلم واولَ من يُطالَب. ان الدولةَ وحدها هي التي تملك القرار الشرعي بالسلم والحرب لانها تمثل إرادة اللبنانيين الذين ارتضوا العيش معا. نحن نواجه العدوان الآن موحدين، وسنظل كذلك من وراء الدولة ومؤسساتها الدستورية.
ايها اللبنانيون،
هناك عدوان كبير يواجه دولتنا وشعبنا. ولن نتراجع امامه أو نتردد. وفي الوقت الذي نتخذ فيه كلَّ التدابير للعناية الاغاثية والادارة السياسية، اريد ان أُذكِّر هنا بما اعلنه مجلس الـورزاء في قراراته الاخيرة:
"تؤكد الحكومةُ اللبنانية على مسؤوليتها في حماية الوطن والمواطنين والمحافظة على امنه وسلامه، وعلى حقها وواجبها في بسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية، وفي ممارسة سيادتها واتخاذ قرارها الوطني في الداخل والخارج".
بناء على كل ذلك ندعو:
أولاً: الى وقف شامل وفوري لاطلاق النار، ترعاه الامم المتحدة، ويفسح المجال امامها وامام الدول العربية الشقيقة الجهات الدولية الصديقة، وبالتعاون مع الحكومة اللبنانية لمعالجة مسؤولة لكل المشكلات الناجمة عن الاحداث الاخيرة وتلك التي تسببت بها.
ثانياً: العمل على بسط سلطة الدولة على كل اراضيها، بالتعاون مع الامم المتحدة في الجنوب اللبناني، وكذلك العمل على استعادة كامل الاراضي اللبنانية، وممارسة سيادة الدولة غير المنقوصة عليها، والتمسك باتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949 والتي اكد عليها اللبنانيون في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.
ثالثاً: يناشد لبنان اشقاءه واصدقاءه في العالم المسارعة الى نجدته واغاثته سواء لجهة الضغط من اجل ايقاف العدوان، أو لجهة المساعدة الانسانية. ان الحكومة اللبنانية تحمل المعتدين الاسرائيليين مسؤولية الكارثةِ الانسانيةِ والاقتصادية والاعماريةِ التي حلت وتحل بلبنان. نحن كنا وما نزال نعمل حتى الآن على إزالة اثار الاجتياحات الاسرائيلية من الاعوام 1982 و 1993 و1996، وها هو الخراب الاسرائيلي يحل من جديد. إنني اعلن من هنا لبنان بلداً منكوباً وهو يحتاج الى خطة نهوض عربية ودولية سريعة وشاملة للاغاثة ولاعادة الاعمار واصلاح كل ما تهدم نتيجة العدوان الآثم.
نحن راسخون في ارضنا متشبثون بحقنا وبوطننا سننتصر على هذه المحنة وسيبقى لبنان، وسيبقى لبنان، وسيبقى لبنان.
السراي الكبير
السبت في 15/07/2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
