خطاب دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة بمؤتمر روما لمساعدة لبنان

أود أولاً أن أتوجه بالشكر لصديقي رئيس مجلس الوزراء الاستاذ رومانو برودي وللحكومة الايطالية لاستضافتها هذا الاجتماع المهم والحاسم في روما اليوم. ما كنا نعلم عند لقائنا الاخير هنا في أواخر شهر حزيران الفائت أننا سنعود ونلتقي بهذه السرعة وفي ظل هذه الظروف المروعة.
تحدثنا، منذ عشرة أشهر خلت وخلال اجتماعنا في نيويورك، عن اجراءات الاصلاح الاقتصادي والمؤسساتي التي ستساعد الاقتصاد اللبناني على تحقيق النمو وتعزيز الإنماء الاجتماعي والاقتصادي المستدام وتحسين مستوى الوظائف الإنتاجية. كما تطرقنا لرؤية اقتصادية شاملة تعيد إحياء الاقتصاد وتجد حلاً لمشكلة ديننا المتراكم. وأعلنا ان دعم المجتمع الدولي أساسي لإعادة إحياء بلدنا وأن دعمكم المستمر حاسم بالتأكيد لانجاح التجربة الديموقراطية اللبنانية في منطقتنا كما كنا نبهنا لخطورة الفشل بالنسبة لنا جميعاً. وكان هناك أيضاً حديثٌ مستفيضٌ عن التحديات والفرص.
ثم ومنذ ثلاثة أشهر، تكلمت أمام مجلس الامن في نيويورك حيث تطرقت الى الخطوات التاريخية التي تم اتخاذها نحو بناء لبنان يحكم نفسه بنفسه، لبنان المستقر والديموقراطي والمزدهر، والى مسألة تحرير مزارع شبعا التي لا تزال محتلة والتي تشكل أولوية وطنية، والى تسليم الاسرى اللبنانيين المحتجزين في السجون الاسرائيلية، والى ضرورة وضع حد لتاريخ طويل من الاعتداءات والخروقات الاسرائيلية للاراضي اللبنانية. كما أكدت واجب الدولة الطبيعي والحصري بضمانة الأمن لجميع مواطنيها والقاطنين على أرضها اضافةً الى حقها الحصري في حمل السلاح وفي ممارسة سلطتها التامة على كامل أراضيها بما يتوافق مع ما نص عليه اتفاق المصالحة الوطنية في الطائف في العام 1989. وقد ناشدت المجتمع الدولي إبداء المزيد من الاهتمام بتمكين الحكومة اللبنانية بشكل يتيح أمامها فرصة التقدم سريعاً في تطبيق برنامجها الاصلاحي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً والتخفيف من مشاعر اليأس والاحباط والشعور بالإذلال المنتشر في المنطقة، كما طالبت بتعاون جدي، وهو مطلب ما يزال يحتل مرتبة متقدمة في أولوياتنا، لإحلال سلام عادل ودائم بين اسرائيل والفلسطينيين والدول العربية الاخرى وفقاً لما جاء في مبادرة السلام التي أطلقتها قمة بيروت العربية في العام 2002، مما يساهم في تعزيز الديموقراطية في العالمين العربي والاسلامي.
كم تبدو هذه الامور بعيدة الآن...
نحن نتكلم الآن فقط عن الموت والحرب، الدمار والتشريد، الاصابات والمعاناة، النزوح والخراب.
كما تعلمون جميعاً، ان العدوان الاسرائيلي على لبنان خلال أسبوعين قد ادى الى تدمير بلدنا، فالخسائر في الارواح بلغت نسباً مأساوية وما تزال هذه النسب تتزايد: أكثر من 400 شهيد و2000 جريح حتى الآن، ثلثهم من الاطفال ما دون الـ12 عاماً، حوالي مليون نازح أو ما يعادل ربع سكان لبنان (حاولوا تخيل ما قد يحصل في حال اضطر ربع سكان بلدانكم الى ترك منازلهم من دون أي حاجيات سوى الملابس التي يرتدونها)، وفي بعض المناطق شل عمل المستشفيات فلم تعد تستطيع معالجة المصابين، كما سجل نقص في المؤن الغذائية والادوية، وتم تدمير المنازل والمعامل والمخازن تدميراً كلياً، وقطعت الطرق ودمرت الجسور، وتعرضت منشآت الامم المتحدة وثكنات الجيش ومراكز القوة الأمنية المشتركة للقصف، وتم تدمير وحدة دفاع مدني كلياً وقصفت مراكز انتاج الطاقة الكهربائية وخزانات الوقود مما ألحق ضرراً بيئياً كبيراً بالشاطىء الشرقي للبحر المتوسط، وأُحرقت الشاحنات، ودمرت هوائيات البث التلفزيوني والخلوي واضطر الرعايا الاجانب الى مغادرة البلاد، كما تم فرض حصار بري وجوي وبحري على لبنان.
باختصار، ايها السيدات والسادة، هذه قصة بلد ممزق من جراء الدمار والنزوح والتشريد واليأس والموت، قصة معاناة انسانية لا تحتمل. وفيما اتكلم الآن، تستمر المعاناة واليأس والحزن والمجازر اليومية والاعمال الوحشية، المزيد من الاطراف المبتورة والمزيد من الارامل والمزيد من الاولاد الذين فقدوا أمهاتهم والمزيد من اليتامى والمزيد من القتلى المدنيين الأبرياء.
قبل أن أصعد الى الطوافة في بيروت المحاصرة والتي تتعرض للقصف العنيف، قمت بزيارة أحد المستشفيات المكتظة بالمدنيين المصابين وسمعت صراخهم وأنينهم واستمعت لمخاوفهم وارتباكهم. لا حاجة لاطلاعكم على وقع هذه التجربة المؤثرة الا أنني أستمددتُ القوة من شجاعة شعبي وأتيت اليكم مصمماً على السعي لوضع حد لمعاناتهم.
أصحاب المعالي والسعادة، أيها السيدات والسادة،
لا تستطيع أي حكومة العيش على أنقاض وطن.
كم من الوقت سيتطلب التئام الجراح البشرية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية وبأية كلفة؟ كم من الوقت سيستلزم بناء الطرقات والجسور والمنازل وبأية كلفة؟ كم من الوقت سيمر قبل أن ننسى من قضوا تحت القصف الاسرائيلي؟ أي مستقبل سيظهر من تحت الدمار غير مستقبل الخوف والكبت والانهيار الاقتصادي والتطرف؟
هل ان قيمة الحياة البشرية في لبنان أقل من قيمة المواطنين في دول أخرى؟
هل نحن أبناء اله آخر (أقل قدرة)؟ أم أن قيمة دمعة اسرائيلية تفوق قيمة قطرة دم لبنانية؟
هل يستطيع المجتمع الدولي أن يقف متفرجاً بينما تنزل اسرائيل بنا مثل هذه العقوبة القاسية؟
هل يستمر المدنيون الأبرياء والكنائس والمساجد والمياتم وقوافل المساعدات التي يواكبها الصليب الاحمر والناس الذين يبحثون عن ملجأ أو ينزحون عن قراهم وبيوتهم عرضةً لهذه الحرب الوحشية العبثية؟
أهذا ما يسمى الدفاع المشروع عن النفس؟ أهذا هو الثمن الذي سندفعه لقاء توقنا لبناء مؤسساتنا الديموقراطية؟ أهذه رسالة الدعم المرسلة لبلد التعدد والحرية والتسامح؟
لقد وصف أيان انخلند، أمين الامم المتحدة المساعد للشؤون الانسانية ومنسق عمليات الاغاثة الطارئة، بعد زيارته المنطقة المدمرة في ضاحية بيروت، القصف العشوائي بخرق واضح للقانون الانساني في ما يتعلق بواجب حماية المدنيين خلال النزاعات. كما ان هذا البند وارد في اتفاق روما الذي أسست بموجبه المحكمة الجنائية الدولية والذي يعدد الاعمال المعتبرة وفقاً للقانون الدولي جرائم حرب. نعم ان القصف العشوائي للمدن يشكل بالفعل استهدافاً واضحاً وغير مقبول للمدنيين. كما ان استهداف مواقع استراتيجية ذات اهمية عسكرية مزعومة يؤدي الى قتل مدنيين أبرياء يعتبر وفقاً للقانون الدولي غير مبرر واجرامي.
لا يمكن لاسرائيل الاستمرار في تجاهل القانون الدولي الى ما لا نهاية. فيجب أن تدفع الثمن وسنبدأ بانجاز الاجراءات القانونية ولن نترك أي وسيلة لجعل اسرائيل تعوض على الشعب اللبناني الدمار الوحشي الذي ألحقته وما تزال تلحقه بنا. لكن كيف يمكن تقييم الحياة الانسانية؟ وكيف يمكن تحديد قيمة الاطراف المبتورة؟
إنه في الوقت الذي بقيت فيه نداءاتي لوقف اطلاق النار الانساني الفوري غير مسموعة، اعلنت لبنان بلداً منكوباً بحاجة ماسة للمساعدات الانسانية. ان حكومتي التي لم تكن على علم مسبق بعبور حزب الله للخط الأزرق وأسر جنديين اسرائيليينوالتيلم تتبن هذه العملية، تدين أشد ادانة ردَّ إسرائيل العنيف وعدوانها الذي تخرق به كل القوانين الدولية والاتفاقات والمعايير. لقد رفضت حكومتي الزعم القائل أن هذا العدوان يندرج ضمن الحق المشروع في الدفاع عن النفس، وأكدت مجدداً التزام لبنان احترام القرارات الدولية وتصميمه على الحفاظ على استقلاله وسيادته ووحدة أراضيه. كما أن الحكومة ملتزمة باحترام الخط الازرق احتراماً كلياً. وكانت الحكومة قد حذرت الاسبوع الماضي من ان استمرار اسرائيل بالتدمير والقتل سيؤدي الى تفاقم المشكلة ليس الا، وسيهدد السلم والأمن الدوليين خاصةً في منطقة الشرق الأوسط. كما أعادت الحكومة تأكيد مسؤوليتها في حماية لبنان ومواطنيه وحقها وواجبها في بسط سلطتها على كامل أراضيها.
باسم الشعب الباسل في لبنان من بيروت وبعلبك وجبيل وصور وصيدا وقانا، وصولاً الى طرابلس وزحلة وبشري وللقرى الـ21 الواقعة على الحدود الجنوبية والتي أعلنتها اسرائيل منطقة محظورة، والى القاطنين في كل قرية وبلدة تعاني في هذه اللحظة التي نتكلم فيها، أدعوكم للاستجابة فوراً ومن دون أي تحفظ او تردد لندائي لوقف اطلاق نار فوري وتأمين اعانات انسانية ملحة لبلدنا الذي ضربته الحرب. لذلك يجب اطلاق خطة شاملةً جديدة لمساعدة لبنان على استعادة عافيته في اسرع وقت ممكن ومحو التبعات المعوقة لهذا الهجوم غير المبرر والتي تقدر بمليارات الدولارات علماً ان هذه الاهداف تُستهدف للمرة السابعة بشكل متعمد وتشل اقتصادنا وتهدم البنى التحتية المدنية.
يجب أن يتوقف القتل! الآن! علينا العمل معاً لاحلال السلام. لقد شهدنا العديد من الاعتداءات الاسرائيلية التي استهدفت لبنان في الاعوام 1969 و1978 و1982 و1993 و1996 و1999. لم تتمكن اياً من هذه الاعتداءات تحقيق أهدافها المعلنة. ويجب وضع حد لهذا الامر. فالعودة الى الوضع السابق سيكون مؤذياً. أدعوكم جميعاً، باسم الشعب اللبناني، الى المساعدة على وضع حد لهذه المأساة الانسانية. وأنا أؤمن تماماً أن ذلك ممكن على النحو التالي:
- وقف إطلاق نار فوري وشامل وإعلان اتفاق حول المسائل التالية:
- التعهد بإطلاق الأسرى والمحتجزين اللبنانيين والإسرائيليين عن طريق لجنة الصليب الأحمر الدولي.
- انسحاب الجيش الاسرائيلي الى ما وراء الخط الأزرق وعودة النازحين الى قراهم.
- التزام مجلس الأمن وضع منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت سلطة الأمم المتحدة حتى ينجز ترسيم الحدود وبسط السلطة اللبنانية على هذه الأراضي، علماً أنها ستكون، خلال تولي الامم المتحدة السلطة، مفتوحة أمام اصحاب الاملاك اللبنانيين. كما أنه يتعين على اسرائيل تسليم كافة خرائط الألغام المتبقية في جنوب لبنان الى الأمم المتحدة.
- بسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها عبر انتشار قواها المسلحة الشرعية مما سيؤدي الى حصر السلاح والسلطة بالدولة اللبنانية كما نص عليه اتفاق المصالحة الوطنية في الطائف.
- تعزيز القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان وزيادة عديدها وعتادها وتوسيع مهامها ونطاق عملها وفقاً للضرورة بهدف اطلاق العمل الانساني العاجل وأعمال الاغاثة وتأمين الاستقرار والامن في الجنوب ليتمكن النازحون من العودة الى منازلهم.
- اتخاذ الأمم المتحدة بالتعاون مع الفرقاء المعنيين الاجراءات الضرورية لاعادة العمل باتفاق الهدنة الذي وقعه لبنان واسرائيل في العام 1949 وتأمين الالتزام ببنود هذا الاتفاق اضافةً الى البحث في التعديلات المحتملة عليه أو تطوير بنوده عند الضرورة.
- التزام المجتمع الدولي دعم لبنان على كافة الاصعدة ومساعدته على مواجهة العبء الكبير الناتج عن المأساة الانسانية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها البلد خاصةً في ميادين الاغاثة واعادة الاعمار واعادة بناء الاقتصاد الوطني.
عبر ارادة وتصميم كافة الأطراف، يمكن لما تقدم أن يؤمن لنا العناصر الضرورية لاعادة بناء بلدنا المشرذم واعادته بلداً عربياً موحداً ديموقراطياً ومنارةً للحرية والتعددية والتسامح في المنطقة. ٍكما يمكنه أن يشكل خطوة على طريق تحقيق السلام العادل والشامل بين شعوب الشرق الأوسط. لا يمكن الحفاظ على لبنان كمثال يحتذى ورعايته ان تحوله الى ساحة لحروب الآخرين.
أصحاب المعالي والسعادة، أيها السيدات والسادة،
اننا ندين لشعبنا بمخرج مشرف من هذه الحرب. ندين لشعبنا بحل نتوصل اليه بدعمكم، حل يحول دون مزيد من الدمار ويساعدنا على اعادة اعمار بلدنا وتعزيز ديموقراطيتنا.
اسمحوا لي في الختام أن أستذكر قولاً للمؤرخ الروماني تاسيتوس في مدينة روما العظيمة قبل ألفي سنة وهو قول يصف تماماً ما تقوم به اسرائيل في لبنان والمنطقة اليوم، أقتبس: "لقد صنعوا الخراب ويسمونه سلاماً".
خيارنا واضح.
لقد اخترنا الحياة.
لم نأت الى روما لطلب المساعدات والدعم فقط.
أتينا لنُسمع صوتنا ونعلن حق شعبنا في الحياة.
لن نساوم على قضيتنا المحقة أو على مصالحنا الوطنية.
إننا هنا لنشهد على وحدتنا كشعب.
لقد تخطينا الحروب والخراب عبر الأجيال.
وسننهض مجدداً.
فليكن هذا خياركم أيضاً.
لا تسمحوا للخراب أن ينتصر.
روما- ايطاليا
الثلاثاء في 25/07/2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
