بيان القمة الروحية المنعقدة بمقر البطريركية المارونية- بكركي

في الوقت الذي لا يزال لبنان يعمل على تضميد جراحاته من سلسلة حروب الفتنة التي عصفت به طوال أكثر من خمسة عشر عاماً.
وفي الوقت الذي كان فيه لبنان منهمكاً في إعادة ترميم وبناء بنيته الاقتصادية والاجتماعية التي دمرتها تلك الحروب العبثية التي موّلتها وغذتها قوى خارجية مختلفة.
وفي الوقت الذي عانى فيه لبنان كثيراً من استغلاله مسرحاً لحروب الآخرين على أرضه.
وفي الوقت الذي نجح لبنان في التأكيد على تمسكه بوحدته الوطنية وعلى التزامه المطلق بالثوابت الوطنية التي يقوم عليها وفي مقدمتها الحرية والسيادة والاستقلال والعيش الواحد بين عائلاته الروحية المتعددة.
في هذا الوقت يتعرض لبنان إلى عدوان إسرائيلي جديد أقل ما يوصف به أنه عدوان وحشي مدمر يعكس من الكراهية والحقد والانتقام من لبنان أكثر مما يعكسه من ردّ فعل على عملية أسر اثنين من الجنود الإسرائيليين. وقد جاءت الجريمة النكراء التي ارتكبها الإسرائيليون في بلدة قانا والتي فاقت في هولها وفظاعتها كل تصوّر، لتجسّد هذا الحقد على لبنان واللبنانيين.
إن رؤساء الطوائف اللبنانية، المسيحيين والمسلمين، الذين اجتمعوا في قمة روحية في بكركي- مقرّ البطريركية المارونية- لبحث تداعيات هذا العدوان الإسرائيلي الآثم، إذ يحيّون الجيش اللبناني وشهدائه في عيده، وإذ يحيّون المقاومة وشهدائها والمدنيين الأبرياء الذين قدّموا أرواحهم دفاعاً عن لبنان، يبتهلون إلى الله أن يتغمدّهم جميعاً برحمته ورضوانه وأن يلطف بالوطن اللبناني ويرد عنه كيد العدو الإسرائيلي، يؤكدون على المواقف المشتركة الآتية:
أولاً: إدانة العدوان الإسرائيلي على لبنان وشجبه واعتباره جريمة حرب بحق اللبنانيين جميعاً دولةً وشعباً ومؤسسات، ومناشدة المجتمع الدولي العمل على وقف هذا العدوان فوراً وعلى وضع حدّ نهائي له، ورفع الحصار الظالم الذي تفرضه عليه القوات الإسرائيلية من البرّ والبحر والجوّ، بما يكفل عودة المهجرين اللبنانيين إلى مدنهم وقراهم والعيش بأمان وسلام واطمئنان في ظل السيادة الوطنية الواحدة والموحدة.
ثانياً: تحميل إسرائيل المسؤولية المعنوية والمادية عن الضحايا المدنيين من عائلات ورجال ونساء وأطفال، وعن الخراب والدمار اللذين حلاّ بالمنازل والمؤسسات وبالبنية التحتية للاقتصاد الوطني، ومقاضاتها أمام المراجع الدولية المختصة.
ثالثاً: التأكيد على التزام المجتمع اللبناني بجميع طوائفه ومذاهبه ومناطقه بحق أهلنا المنكوبين بالاحتضان والمساعدة وبمواصلة تقديم يد العون لهم والتخفيف من معاناتهم. وكذلك التأكيد على اعتبار العدوان عدواناً على اللبنانيين الذين يجمعون على الولاء لوطنهم والذين يحرصون على أن تعكس كل القرارات هذا الولاء، وأن تراعي المصالح العليا للدولة.
رابعاً: التمسك بأهداب الوحدة الوطنية باعتبارها الحصن الحصين للبنان دولة ومجتمعاً وكياناً. والتنبيه من أبعاد العدوان الإسرائيلي الذي يستهدف الإساءة إلى هذه الوحدة وإلى استدراج لبنان والمنطقة العربية كلها إلى فتنة لا تبقي ولا تذر. فالوحدة الوطنية كانت وستبقى القاعدة الأساس لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي له، والتي يشكل حزب الله، الذي يمثل شريحة أساسية من المجتمع اللبناني، أحد مقوماتها.
خامساً: دعم الجهود التي تبذلها الدولة اللبنانية ممثلة بمجلس الوزراء مع المراجع الدولية المختصة لاستعادة السيادة اللبنانية المستباحة وبسطها على كامل أرض لبنان وسمائه ومياهه، ولاسيما الانسحاب الإسرائيلي الفوري من مزارع شبعا. وتبنّي المقترحات العملية التي حدّدها دولة الرئيس فؤاد السنيورة أمام المؤتمر الدولي في روما والتي أيّدها مجلس الوزراء بالإجماع وهي المقترحات المحددة في البنود السبعة بعد الوقف الفوري لإطلاق النار، وهي التالية:
- التعهد بإطلاق الأسرى والمحتجزين اللبنانيين والإسرائيليين عن طريق الصليب الأحمر الدولي.
- انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق.
- عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم.
- التزام مجلس الأمن الدولي وضع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت سلطة الأمم المتحدة حتى ينجز ترسيم الحدود، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على هذه الأراضي وعودة أهلها إليها.
- تسليم إسرائيل إلى الأمم المتحدة خرائط الألغام المتبقية كافة التي زرعتها في جنوب لبنان.
- بسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها عبر انتشار قواها الشرعية المسلحة مما يؤدي إلى حصر السلاح والسلطة بالدولة اللبنانية وحدها كما نصّ اتفاق المصالحة الوطنية في الطائف، وتعزيز القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة العاملة في الجنوب وزيادة عديدها وعتادها وتوسيع نطاق عملها. واتخاذ الإجراءات الضرورية لإعادة العمل باتفاق الهدنة الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في العام 1949.
- التزام المجتمع الدولي دعم لبنان على الأصعدة كافة ومساعدته على مواجهة الأعباء المترتبة عن المأساة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية وخاصة في ميادين الإغاثة وإعادة الأعمار وإعادة بناء الاقتصاد اللبناني.
سادساً: التشديد على وجوب المساواة بين المواطنين اللبنايين في الحقوق والواجبات، وتطبيق القانون على الجميع دون محاباة أو انتقاص، وذلك من خلال مؤسسات الدولة السياسية والقضائية والإدارية والأمنية وحدها تحقيقاً للعدالة واحتراماً لقيم المواطنة.
إنّ استعادة الدولة اللبنانية لكامل سيادتها ومسؤولياتها على كامل الأرض اللبنانية يمثل الثابت الوطني الذي يُجمع عليه اللبنانيون، والذي يجدون فيه خلاصهم ومناعتهم من أمراض التمزق والفتن.
سابعاً: دعوة القيادات السياسية الوطنية في الدولة والمجتمع الأهلي إلى العمل على حلّ شامل للمأساة التي تكررت فصولاً على مدى العقود الثلاثة الماضية عبر سلسلة الاعتداءات التدميرية الوحشية والتي أودت بحياة الآلاف من اللبنانيين، وذلك ببسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية كافة سياسياً وأمنياً واجتماعياً تطبيقاً لما ورد في اتفاق الطائف نصاً وروحاً، ووجوب تنفيذ بنوده كاملة، والالتزام بالمشاركة في القرار الوطني وحصر القرار بالسلطة اللبنانية وحدها دون سواها، وإعادة الاعتبار إلى اتفاق الهدنة لعام 1949 بقرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي بما يجرد إسرائيل من أي حجة للاعتداء مجدداً على لبنان وأهله.
ثامناً: الإشادة بمواقف التعاطف مع لبنان وتأييد قضيته العادلة التي أبدتها وتبديها الدول الشقيقة والصديقة، وشكرها على مساعداتها، ومناشدة هذه الدول العمل مع المؤسسات الإنسانية المختصة على وضع خطة استثنائية لإعادة إعمار ما هدّمه العدو الإسرائيلي.
تاسعاً: دعوة اللبنانيين إلى التمسك بوحدتهم والاعتصام بحبل الصبر والأمل بغد مشرق. فلبنان الذي عرف عبر تاريخه محناً كبيرة وانتصر عليها، لا بدّ أن يعود إلى حياة مشرقة وإلى متابعة رسالته، وطناً للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
عاشراً: اعتبار جلسات القمة الروحية مفتوحة لمواجهة التطورات.
إن المرجعيات الروحية الإسلامية والمسيحية الحريصة على سيادة لبنان وعلى حريته ووحدته وأمنه واستقراره، تعتبر العائلات الروحية جميعها عائلة وطنية لبنانية واحدة إذا اشتكت أي منها أو إذا أصيبت بمكروه يتنادى لها الجميع في السراء والضراء. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً أو أنشودة نتغنى بها، ولكنها فعل إيمان والتزام صادقين، فيها رفعة لبنان وعزّه ومجده، وفيها خلاصه من المحن والملمات.
بكركي
الثلاثاء في 01/08/2006
