الكلمة التي ألقاها رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة من بيروت والموجهة مباشرةً إلى الجلسة الافتتاحية لقمة منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقدة في كوالالمبور- ماليزيا وقد وُجهت عبر تقنية "Video Conference"

أصحاب المعالي الوزراء،
أصحاب السعادة السفراء،
السيدات والسادة،
كنتُ أودُّ أن أستطيع الحضورَ بينكم في كوالالمبور، لكي أَصِفَ لكم شخصياً، نعم لكل واحدٍ منكم، الكارثة والكابوس اللذين يواجههما لبنان منذ أكثر من ثلاثة أسابيع. لكنْ للأسف، ما استطعتُ المجيئ إلى ماليزيا العزيزة بسبب الظروف التي تعرفونها.
إنّ الهجوم الإسرائيليَّ الحاليَّ هو السابعُ ضمن الحروب التي شنتها إسرائيل على لبنان، في خروجٍ على كل القوانين والأعراف الأخلاقية والإنسانية والدولية. وقد كلّفت هذه الحرب الظالمة لبنان الكثير في حياة أبنائه وفي بنيته الأساسية، وفي التهجير الذي طاول ثلث المواطنين. نعم لقد فقدنا ما يقارب تسعمائة قتيل ثلثهم من الأطفال تحت سنّ الثانية عشرة. وهناك ذلك التخريب الهائل للمنازل والمستشفيات والجسور والمخازن والمصانع ومقرات الأمم المتحدة والمراكز الأمنية والبريد والدفاع المدني، وهوائيات وسائل الاتصال والتلفون. نحن مُحاصرون في لبنان ليس بالجيش الإسرائيلي في البر والبحر والجوّ فقط، بل وبتلوُّث البيئة، وبالخراب الذي نشره العدوان على مساحة البلاد.
إنّ هذا الاحتقار للحياة الإنسانية، وللمعالم الحضارية لا تعليلَ له، ولا يمكن أن يقبله أحدٌ تحت شتّى الظروف. وليس بهذه الطريقة يُكافأُ لبنانُ الانفتاح والتسامح والحريات والتعدد والديمقراطية.
أيها السادة،
لا تستطيع حكومةٌ أن تبقى على أنقاض شعبها وخرائبه. في الأسبوع الماضي خاطبتُ مؤتر مساعدة لبنان الذي أقامه الاتحاد الأوروبي بروما، وتقدمتُ إلى الحاضرين بخطةٍ شاملةٍ لإنهاء الحرب. وقد لقيت الخطة صدىً إيجابياً واسعاً إذ أجمعت عليها الحكومة اللبنانية، والقمة الروحية المنعقدة بمقر البطريركية المارونية ببكركي في لبنان. ونحن نحتاج التأييد الكامل من جانب دول المؤتمر الإسلامي، وكل الدول المحبة للسلام للخطة الداعية إلى وقفٍ شاملٍ ودائمٍ للنار، من أجل إنهاء المذابح ومكافحة الدمار، والعودة بلبنان إلى وضعه الطبيعي بوصفه منارةً للحرية والديمقراطية وحكم القانون.
نحن محتاجون فعلاً إلى المساعدات الإغاثية العاجلة والإعمارية في المدى الطويل، لمواجهة التحديات العاصفة التي ضربت بلادَنا ومواطنينا، وبناء الحياة والعُمران للمرة الثامنة من جديد.
إنّ الآلة الحربية الإسرائيلية التي ضربت مُدُننا وقُرانا وبنيتنا الأساسية وإنسانَنا وأطفالنا ونساءَنا، ما كان لتنالَ من عزيمتنا ومن إصرارنا على الحرية والاستقلال والكرامة. بعد حوالي الستين عاماً، وبعد قتل مئات الألوف من الفلسطينيين واللبنانيين في مذابح موصوفة بدير ياسين وصبرا وشاتيلا وقانا وغزة وجنين وبنت جبيل، ثم قانا ثانيةً، ما تعلَّم الإسرائيليون أنهم لن يستطيعوا تدمير إرادة الحياة والحرية فينا. إنّ المُمانعة جزءٌ أساسيٌّ في ضمير الإنسان وطبيعته. وبمساعدتكم إن شاء الله سنتجاوزُ العملَ الوحشيَّ الأخير، وستأتون إلى لبنان فتجدونه باسماً مرحِّباً بكم.
من بيروت الصامدة والأبية، اودُّ أن أتمنى لمؤتمركم كل نجاح، ونحن نعلمُ أنكم لن تخيّبوا آمال اللبنانيين بكم، وستكونون مع لبنان، كما أنّ لبنان الحرّ والصامد، معكم!
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
