كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة بمؤتمر وزراء الخارجية العرب الاستثنائي

أصحاب المعالي،
أيها الإخوةُ الأعزاء،
تجتمعون اليومَ في قلب بيروت وعلى بُعد مئات الأمتار من هنا تتصاعدُ أصواتُ الغارات العدوانية المدمّرة، واستغاثاتُ الجرحى، وَلَوعْةُ المقتلَعين من أرضهم، وروائح الحرائق وغُبارُ الرُكام الذي خَلَّفتْهُ الهمجيةُ الإسرائيلية. هذا اليومُ السادسُ والعشرون على هذه الكارثة الإنسانية الكبرى التي تَهُدُّ البلدانَ الكبرى، فكيف بلبنانَ الصغير. نعم، الصغير بمساحتِه، والكبير الكبير بأبنائه وأشقائه. لقد قطّع العدوانُ أَوصالَهُ أيضاً، بحيث صارت أعمالُ الإسعاف والإغاثة أكثر عُسْراً واستعصاءً وبخاصةٍ في جنوب لبنان المنكوب. إنْ لم يكن العملُ الإسرائيليُّ الفظيعُ إرهابَ دولة، فما هو إرهابُ الدولة إذن؟ خلال الأسبوع الأول من الحرب على لبنان، أعلنتُ البلادَ بلاداً منكوبةً وهي كذلك فعلاً، وبخاصةٍ أنّ التخريب الإسرائيلي، والقتل الإسرائيلي مستمرٌّ لستةٍ وعشرين يوماً حتى الآن، وقد بلغ حدوداً غيّرت وجهَ لبنان.
تعرفون جميعاً الخَطَرَ الداهمَ النازلَ بلبنانَ شعباً وأرضاً ودولة. وقد أتيتُمُ اليومَ، أيها الإخوةُ، للتضامُن والمُساعدة. وقد تسمعون التذمُّر ممزوجاً بالأنين، وهذا مفهومٌ وسطَ الظروف التي نمر بها منذ 12 تموز الماضي. لكنّ الإخوةَ العربَ- والحقُّ يُقالُ- ما تركونا، بل بذلوا الجهد والمسعى لمساعدتنا بشتى الوسائل والسبل. وهذا الاجتماعُ بالذات، في هذا الظرف بالذات، دليلٌ آخَرُ على الهمِّ والاهتمام، وعلى الرعاية والالتزام. ونحن نأمُلُ من الإخوة العرب الذين هبّوا لنجدتِنا أن يتابعوا هذه الجهودَ ويطوّروها لتبلُغَ الآفاق الضروريةَ لإنقاذ لبنانَ.
أولُ التحديات التي تُواجهُنا كما تعلمون هو تحدي وقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط، والذي أعلنْتُ عن المطالبة به منذ بداية الاعتداء وحتى الآن، وكذلك في موقف مشتركٍ مع رئيس مجلس النواب اللبناني، على أثر مذبحة بلدة قانا قبل أُسبوع. بيد أنّ ذلك لم يتحققْ حتّى اليوم، رغم الاجتماعات المتواصلة لمجلس الأمن، والتشاور المستمرِّ مع سائر الأطراف في المجتمع الدولي، ورغم استمرار المذابح الإسرائيلية بشكلٍ يومي، وطوالَ الأسابيع الثلاثة الماضية والحاضرة. الحاضرة بجرائمها، والحاضرة بأهوالها، والحاضرة بانتهاكات أعراف الحرب والسلم والقانون الدولي والإنساني. هناك تدميرُ البنية الأساسية للبلاد، ومقتلُ ما يُقاربُ الألف مُواطن، ثُلُثُهم من الأطفال تحت الثانية عشرة، وقد ناهَزَ عددُ المهجَّرين والنازحين المليون وهم إلى زيادةٍ مطَّردة. فقبل يومين وَجَّهَ العدوُّ إنذاراً إلى سكّان النبطية وبلْداتٍ أخرى بترك مساكِنِهمْ، أو يحصُلَ لهم ما حصل لأهل مارون الرأس وبنت جبيل وقانا وصور وبعلبك والقاع وعَيتا الشعب ومروحين وصريفا، وعشرات المُدُن والبلدات والقُرى الأُخرى وآخِرُها قبل ساعة المذبحةُ المروِّعةُ في بلدة حُولا التي سقط ضحيةَ القصف الإسرائيلي المتعمَّد فيها أكثرُ من أربعين شهيداً. إنّ هذه البلدات وغيرَها شهدت مذابحَ متنقّلةً وآخرها المجزرة في بلدة حولا، ما وفَّرت أحداً، ومن جنوب لبنانَ وإلى جَبَلِهِ وسهلِه وشمالِه وشرقه، وبيروتَ وضاحيتِها العظيمةِ والصامدة. ما وفَّر الجيشُ الإسرائيليُّ جسراً ولا مؤسسةً ولا طريقاً، ولا مركزاً للخدمة المدنية، ولا تجمُّعاً بشرياً إلاّ وَقَصَفَهُ بما في ذلك المستشفياتُ ومقرّاتُ القوات الدولية، ومساكنُ الناس، ووسائلُ حركتهم. لقد ضربوا حتى قوافلَ الإغاثة والمساعدات التي أرسلها إلينا الأشقاءُ العربُ، لا لسببٍ إلاّ للحقد والانتقام، ولا شيءَ غيرَ الحقد والانتقام.
من أجل ذلك كلِّه، من أجل التصدي للكارثة الإنسانية الحاضرة والقادمة، ومن أجل التمكُّن من استيعاب هذا الهَول بالقُدُرات المتواضِعة التي نملكُها، وبالقُدُرات المضافة التي أمدّنا بها الأشقاءُ العرب، والجهاتُ الدوليةُ والإنسانية، ومن أجل تعزيز الصمود، والبقاء في نطاقِ التماسُكِ الاجتماعي والأمني، نحن محتاجون- كما سبق القول- إلى وقفٍ سريعٍ وحاسمٍ لإطلاق النار. وقد ساعد الملوكُ والرؤساءُ العربُ، في الضغط على الدول الكبرى، وسائر أطراف المجتمع الدولي، ولا بُدَّ من زيادةِ الجهود والمساعي والضغوط لبلوغ هذا الهدف، لكنْ أيضاً من أجل إلزام المعتدي الإسرائيلي بإيقاف الأعمال العدائية والانسحاب الى ما وراء الخطّ الأزرق، والخروج من مزارع شبعا وتسْليمها إلى القوات الدولية، وتَبَادُل الأسرى، والكشف عن خرائط الألغام.
أمّا الأمرُ الآخَرُ والذي يُوازي الأولَ في الأهمية فيكمُنُ في الحِرْصِ على اعتماد المعالجات الجذرية بحيث لا يتكررُ العُدْوان، وبحيث يُصبحُ وقْفُ النار دائماً وشاملاً، فيكونُ ذلك المدخَلَ للعودة إلى اتفاقية الهدنة المعقودة في العام 1949.
لقد عرضْتُ في مؤتمر روما لمساعدة لبنان بتاريخ 26/7 تصوراً شاملاً ومتكاملاً للحلّ الجذري، أجمع عليه مجلسُ الوزراء اللبناني، والقمةُ الروحيةُ المنعقدةُ بمقرِّ البطريركية المارونية ببكركي، وقبل أربعة أيامٍ مؤتمرِ قمة منظمة المؤتمر الإسلامي. وهذه هي نقاطُهُ السبعُ السالفةُ الذكر، والتي صارت الآنَ تحت سَمْعِ المجتمع الدوليِّ وبَصَرِه:
برنامج النقاط السبع:
- الوقف الفوريُّ والدائمُ للنار، وبالتزامن مع ذلك:
- التعهدُ بإطلاق الأسرى والمحتجزين اللبنانيين والإسرائيليين عن طريق لجنة الصليب الأحمر الدولي.
- انسحابُ الجيش الاسرائيلي الى ما وراءَ الخط الأزرق وعودةُ النازحين الى قُراهم ومُدُنهم.
- التزامُ مجلس الأمن وضع منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت سلطة الأمم المتحدة حتى يَنْجُزَ ترسيمُ الحدود وبسطُ سلطة الدولة اللبنانية على هذه الأراضي، علماً أنها ستكون، خلال تَوَلّي الأمم المتحدة السلطة، مفتوحةً أمام أصحاب الأملاك اللبنانيين. كما أنه يتعين على إسرائيل تسليمُ كافة خرائط الألغام المتبقية في جنوب لبنان الى الأمم المتحدة.
- بسطُ الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها عبر انتشار قواها المسلحة الشرعية مما سيؤدي الى حصر السلاح والسلطة بالدولة اللبنانية كما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.
- تعزيزُ القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان وزيادة عديدها وعتادها وتوسيع مهامها ونطاق عملها وفقاً للضرورة بهدف اطلاق العمل الانساني العاجل وأعمال الإغاثة وتأمين الاستقرار والأمن في الجنوب ليتمكن النازحون من العودة الى منازلهم.
- اتّخاذُ الأمم المتحدة بالتعاون مع الفرقاء المعنيين الاجراءات الضرورية لاعادة العمل باتفاق الهدنة الذي وقعه لبنان واسرائيل في العام 1949 وتأمين الالتزام ببنود هذا الاتفاق إضافةً الى البحث في التعديلات المحتملة عليه أو تطويرِ بنودِه عند الضرورة.
- التزامُ المجتمع الدولي دَعْمَ لبنان على كافة الأصعدة ومساعدتَهُ على مواجهة العبء الكبير الناتج عن المأساة الانسانية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدُها البلادُ خاصةً في ميادين الإغاثة وإعادة الإعمار وإعادة بناء الاقتصاد الوطني.
إننا نرى أنّ هذه الخُطُوات ينبغي أن تتمَّ بشكلٍ متزامنٍ، فَتُمكِّنَ من تحرير الأرض بما في ذلك مزارع شبعا، وتبادُل الأسرى، ونزع الألغام، والعودة إلى اتفاقية الهدنة للعام 1949 معدّلَةً حيث الضرورة، وتطبيق وثيقة الوفاق الوطني بالطائف بما يؤدي إلى ذهاب الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بالانفراد، حقاً وواجباً ومسؤولية بحيث لا يكونُ هناك من سلاحٍ غيرَ سلاح السلطةِ الشرعيةِ اللبنانية.
أيها الإخوةُ،
إنّ هذا البرنامجَ لا يبدو عَسيرَ التحقيق. فهو لا يطلُبُ أكثرَ من حقّ لبنانَ في تحرير أرضه، وحقِ الدولة اللبنانية في بسط سلطتِها على كامل أراضيها كما هو شأنُ كلِّ دُوَلِ العالمِ المعاصِر والقديم. وقد شهدْتُ ترحيباً به في مؤتمر روما وفي سائر المنتديات الأخرى، لكنه صعبٌ رغم ذلك. وتأتي صعوبتُهُ من ضرورة إقناع المجتمع الدوليّ به، بحيث ينعكسُ ذلك في القرار الدوليّ الذي يأمُلُ كُلُّ اللبنانيين ليس أن يكونَ قريباً فقط؛ بل وأن يكونَ ملائماً لتحقيق الأهداف المقصودة وأهمُّها الوقف الكامل والشاملُ والدائمُ للنار وانسحابُ إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي احتلتها ومن مزارع شبعا، ووقْفُها للاعتداء على السيادة اللبنانية، وبَسْطُ سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها منفردةً دون إبطاء. ولذلك نحن نحتاجُ لدعمكم بهذا الاتجاه أيضاً، كما دعمتم وتدعمون في جهودِ الإغاثة، وإعادةِ الإعمار. ثمّ إنّ ضمانَ التنفيذ سواءٌ لوقف إطلاق النار، أو لتحقيق عددٍ من النقاط الأخرى، متعلّقٌ أيضاً بإسرائيل، التي لا تعجبُها طبعاً كلُّ نقاط البرنامج. وهذا أمرٌ إضافيٌّ يحتاجُ المجتمع الدوليُّ إلى اقتناعٍ به وعملٍ ملحاحٍ للسير فيه. فالمعروفُ أنّ أكثر القرارات الدولية ذات الصِلة بالصراع العربي/ الإسرائيلي، ما نَفّذَتْها إسرائيلُ حتى الآن، بل إنها سارتْ في اتجاهاتٍ معاكِسةٍ لها، ولقيتْ في انتهاكاتها للقرارات الدولية استحسانَ بعض الأطراف الكبرى في العالَم.
إنّ على القوى الفاعلة في المجتمع الدولي أن تُدركَ أخيراً، كما حاولْنا الإلحاحَ والإفهامَ طوال الأسابيع الماضية أنّ أيَّ قرارٍ دوليٍ يتعلق بالأزمة الناشبة الآن ينبغي أن يتوافرَ له شرطان أساسيان : تلبية مطالب لبنان في الاستقلال والسيادة على كامل تُرابه الوطني، والقابلية للتنفيذ لجهة إلزام إسرائيل بوقف النار والانسحاب الى ما وراء الخط الأزرق - ولجهة تمكين السلطة اللبنانية الشرعية من بسط سيطرتها بواسطة قُواها النظامية على كل أراضيها بما في ذلك مزارعُ شبعا.
إننا محتاجون اليومَ قبل الغد في الواقع إلى موقفٍ عربيٍ موحَّدٍ وحاسم لتصويب قرار مجلس الأمن بما يحقّقُ خطوةً حقيقيةً نحو معالجةٍ دائمةٍ وبما يحفظُ صيغتَنا السياسية واستقرارَنا. إنّ لبنانَ لا يتحملُ تكوينُهُ الاجتماعيُّ والسياسيُّ تكرارَ اجتياحاتٍ واعتداءاتٍ وصراعاتٍ ووصاياتٍ محليةٍ أو إقليميةٍ أو دوليةٍ. لستُ راضياً عن المسوّدات التي وصلت إلينا في اليومين الماضيين من مشروع القرار الذي يتناقشُ مجلسُ الأمن فيه. فهو لا يظلُّ دون الشرطين اللذين ذكرتُهما فقط، بل لا يكاد يُنجز وقفاً حقيقياً لإطلاق النار أيضاً. ولذلك يكونُ على الإخوة العرب، والذين أتَوا مشكورين لدعمنا اليومَ أن يقفوا معنا أمام المجتمع الدولي، والمحاور الإقليمية، موقفاً تضامنياً ثابتاً وحاسماً يُسهمُ في وضع لبنان على طريق السلامة والسيادة بكل جَهدٍ ممكن.
ولكي أكونَ صادقاً وشفّافاً معكم أنتم الإخوةُ والأشقاءُ والأصدقاء، أقولُ لكم وأنتم تُقْبلون الآن على دعمنا في الإغاثة وفي إعادة الإعمار، إننا نحن اللبنانيين محتاجون في هذا الظرف الدقيق وفي سائر الظروف إلى عملٍ سياسيٍ وإغاثيٍ وإعماريٍ جادٍّ استعادةً لثقة مُواطنينا وأشقّائنا بنا، وبدولتِنا، وسعياً لاكتساب صدقيةٍ أكبرَ لدى الأصدقاء، والاحترام والهيبة لدى الخصوم. نحن نُقْبِلُ الآن وبعد تجاوُزِ هذه المحنة بتضامُنِكُم ومُساعدةِ كلِّ محبِّي السلام في العالم، على إعادة الإعمار للمرة السابعة. وما كانت أحداثُ الخراب السابقة دائماً من صُنع الأعداء، ولذلك علينا أن نبذُلَ كلَّ جَهدٍ مُستطاع لكي نضع الحصانَ أمامَ العَرَبة، فلا تتحولَ الانتكاسات إلى قاعدة، ولا تظلَّ الدولةُ اللبنانيةُ والشعب اللبناني، مكسَرَ عصاً لإسرائيل وغيرِ إسرائيل.
إننا مُصِرُّون هذه المرةَ - بعون الله وتضامُن الإخوةِ العربِ من حولِنا- على أن لا نكونَ ساحةً للصراعات والتجاذُبات بعد اليوم، أياً تكن مبرِّراتُها ودوافعُها. وأنا واثقٌ أنّ اللبنانيين يستطيعونَ ذلك ويريدونَهُ الآن أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى. إنني أستندُ في هذه الثقة التي أتحدثُ بها إليكم على أحزان الأمهات الثكالى، والأطفال القتلى وأنّات الجرحى والمشرَّدين، وكلِّ دروسِ هذه الانتكاسة التي أعادتْ بَلَدَنا وبَلَدَكم لبنان عقوداً إلى الوراء.
أيها الإخوة،
ما نزالُ في قلب الصدمة والذهول، لهذه الفظائع التي أنزلها ببلادنا العدوُّ الصهيوني. لكننا نعلمُ أننا لسنا منفردين بالمُصيبة. فالأشقاء الآخرون في فلسطين والعراق يُعانون من الاحتلال، ويُعانون من صَدَمات الخارج والداخل، وشبابُنا يندفعون لإطفاء النيران أو مكافحتِها بالوسائل التي يُقَدِّرُونَ ملاءَمتَها، فلا يتراجعُ الأعداء، ولا تخمُدُ النيران. لا بُدَّ من الخروج من مأزق لَحْس المِبْرَد أو تبقى هذه المنطقةُ العريقةُ والضروريةُ لأمْنِ العالَمِ وتقدمِهِ رهينةَ التوتُّرِ وانعدامِ الاستقرار، وجبروتِ الغُزاة، وطموحاتِ مَلْء الفراغ. لا بُدَّ من النهوض مجتمعين من أجل السلام العادل والشامل- وهو نهوضٌ ضروريٌّ لإجلاء الاحتلال عن الأرض العربية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي عاصمتُها القدسُ الشريف. كما أنه نهوضٌ يُفيدُ لبنانَ وسوريا والعراق، ويضعُ الأمةَ العربيةَ في علاقةٍ صحيّةٍ بالجِوار الإسلامي، وعلاقةٍ نِدّيّةٍ بالعالَم المعاصر، ويَهَبُ الاستقرارَ والتقدم فرصةً نحن في أشدّ الحاجةِ إليها، بعد معوِّقاتِ العقودِ الماضيةِ وكوارثِها.
أيها الإخوة، أيها السادة،
لقد تناديتُم بمبادرةٍ من الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، والتي قامت أمسِ مشكورةً بمبادرةٍ كبيرةٍ أخرى حين دعت لعقد قمةٍ عربيةٍ طارئةٍ بمكّة المكرّمة من أجل لبنان. لقد أتيتُم، أيها الإخوة، لغَوثِنا ومساعدتِنا في بيروتَ ولبنان. ونحن محتاجون فعلاً للمؤازرة في المحنة الحاضرة، وفي المستقبل:
- محتاجون للدعم والمساعدة في أعمال الإغاثة والإعمار، وفي مساعدة الاقتصاد اللبناني، الذي كان يُعاني أصلاً من العجز والدَين نتيجةَ الاجتياحات السابقة، وقد عُقدت عدةُ اجتماعاتٍ عربية ودولية لمساعدة الاقتصاد اللبناني قبل الكارثة الأخيرة على أمل أن تأتي النتيجة المتوخاة.
- ومحتاجون إلى الدعم السياسي والدبلوماسي القوي والمستمرّ لكي لا تتكررَ الاعتداءاتُ والتدخُّلاتُ والوصاياتُ والابتزازات.
- ومحتاجونَ اليومَ قبل الغد للضغط على المجتمع الدولي من أجل قرارٍ في مجلس الأمن يَفرِضُ وَقْفَ إطلاقِ نارٍ شاملٍ ودائم، ويقتضي بالتزامُن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً، وتحريراً لمزارع شبعا، وتبادُلاً للأسرى، وبسطاً لسلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
نريد الآن، كما سبق القول، دعمَ العرب، والعالَم الإسلامي، والعالَم المسيحي، وسائرَ أطراف المجتمع الدولي، لإيقاف هذا العدوان، وصَون استقلال لبنان وسيادته، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. ونُريدُ هذا التضامُنَ والدعمَ لإنقاذ هذه التجربة اللبنانية الفريدة في العالم ونريد إنقاذ العيش المشترك اللبناني، ورسالة الاستقرار والتعدد والانفتاح والاعتدال التي يمثّلُها لبنان.
إنها وقفةُ الإباء والتصميم. ووقفةُ الشهداء والمكلومين. ووقفةُ المناضلين والأحرار من أجل لبنان وفلسطين، وكلِّ المتألمين في هذا الوطن العربي الجريح.
إننا نُقدّرُ لأُمتِنا العربيةِ، وللأصدقاء، هذا الاهتمامَ، وهذا الالتزام. ونحن نضعُ آمالاً كبرى وباقيةً في أشِقّائنا العرب، بسبب إعزازِهم للبنان، والتزامِهم أَمْنَهُ واستقرارَهُ وازدهارَه. أنتم أيها الإخوةُ ونحن معكم طبعاً، أمام اختبارٍ كبير تُجاهَ الجوار، وتُجاه المجتمع الدولي. لقد تعددت التحديات امام أمتنا العربية، وما تمكنّا من الاستجابة للعديد منها بالسرعة والفعالية المطلوبتين. ولدى اللبنانيين والجمهورِ العربي، أملٌ كبيرٌ أن نتمكّنَ من الاستجابة الملائمة لتحدي إنقاذ لبنان.
أيها الإخوة،
إنّ عروبتَنا في لبنان غيرُ مشروطة وهي ليست بالإرغام. إنها عروبةُ الاختيار والانتماء والالتزام. ووقوفُكُم معنا حقٌّ وواجبٌ ومسؤوليةٌ علينا وعليكم. إن الإخوةَ العربَ يدركونَ من دروس السنواتِ العجافِ الماضية، أنّ الأمنَ العربيَّ أَمْنٌ واحد، وأنّ المستقبلَ العربيَّ مستقبلٌ واحد. وأنا واثقٌ بإذن الله أننا سنبقى، وسنبقى معاً ما بقي الوَعْيُ بالأمةِ ومصالِحها رائدَنا، والعملُ الجادُّ بمقتضى هذا الوعي أساساً في مساعينا للاستقرار وللتوحّدِ والنهوض.
شكراً مرةً ثانيةً للاستجابة. شكراً للتضامُن. تبقَون، وتبقى أمتُنا العربية، ويبقى لبنان:
"ولا تهِنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلَونَ إن كنتم مؤمنين. إنْ يمسسْكم قَرحٌ فقد مسَّ القومَ قَرْحٌ مثلُه، وتلك الأيامُ نُداولُها بين الناس، وليعلَمَ اللهُ الذين آمنوا منكم ويتّخذَ منكم شهداء، واللهُ لا يُحبُّ الظالمين". صدق الله العظيم
عاشت أمتنا العربية.
السراي الكبير
الاثنين في 07/08/2006
رئيـس مجلـس الـوزراء
فـؤاد السـنيورة
