الترجمة الكاملة للكلمة التي ألقاها دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة

-A A +A
Print Friendly and PDF

أسمحوا لي أن أتوجه أولا بالشكر إلى لحكومة السويدية، وبشكل خاص، لدولة رئيس الوزراء الأستاذ غوران برسون، ومعالي وزير الخارجية الأستاذ يان الياسون، ومعالي وزيرة التعاون الإنمائي الدولي السيدة كارين يامتين لاستضافتهم هذا المؤتمر في ستوكهولم اليوم، وبعد فترة زمنية وجيزة غداة الأحداث المأساوية التي استمرت ثلاثة وثلاثين يوما من دون هوادة وأوقعت خسائر في الأرواح وأضرار هائلة ببيوتنا وبنيتنا التحتية وبيئتنا ونظامنا الاقتصادي الاجتماعي.

 

نحن هنا اليوم لنشهد على شجاعة الشعب اللبناني وتصميمه على النهوض مجددا، ولنستمد القوة من تضامنكم ولاطلاع شعبنا والمجتمع الدولي على أهمية الجهود المتفق عليها والمسؤولية الجماعية في معالجة جراح لبنان العميقة. لا حاجة لي أن أذكركم أننا، قبل اندلاع هذه الحرب غير المبررة على البلد وفي الوقت الذي كنا نستعد فيه لتقديم سلة إصلاحاتنا الاقتصادية والاجتماعية خلال مؤتمر بيروت لدعم لبنان، كان اقتصادنا يظهر بوادر نهوض صحية، وكنا نتطلع لعام يسجل أعلى نسبة من السواح والازدهار الاعماري. كنا نعمل على بلورة رؤية اقتصادية شاملة لإعادة إنعاش الاقتصاد وإيجاد حل لمشكلة الدين المتراكم، علما أن الاعتداءات الإسرائيلية المتتالية التي ألحقت أضرارا فادحة في البلاد وأدت إلى استشهاد عشرات الآلاف خلال الأربعة عقود الماضية قد تسببت بالقسم الأكبر منه. كما كنا قد شرعنا بأخذ تدابير إصلاحية اقتصادية ومؤسساتية لتصحيح العجز المالي ومساعدة الاقتصاد اللبناني على بلوغ أقصى مستويات النمو وتعزيز الإنماء الاجتماعي والاقتصادي المستدام، وخلق فرص عمل.

 

اليوم، يبلغ الضرر المباشر الذي ألحقه العدوان الأخير بالبنية التحتية وممتلكاتنا الخاصة والعامة مليارات الدولارات، بينها خسارة الناتج المحلي العام وخسارة الوظائف، إضافة إلى الاكلاف المباشرة وغبر المباشرة التي سيحملها الاقتصاد على المدى الطويل بما في ذلك الإرباح التي لم يتم تحقيقها في قطاعات السياحة والزراعة والصناعة والتي تقدر بالمليارات. فقد قضت آلة الحرب الإسرائيلية المفرطة خلال أيام فقط على الانجازات التي حققها لبنان خلال خمسة عشر سنة من الإنماء بعد الحرب. ففي الوقت الذي بلغ فيه النمو نسبة تقارب 6 في المئة هذا العام، نعاني اليوم من ركود كبير ومن تداعياته، وفي الوقت الذي كنا نتطلع فيه لمستقبل واعد، علينا اليوم لملمة أشلاء بلدنا الممزق.

 

في 12 تموز، نفذت إسرائيل تهديدها إعادة لبنان عشرون عاما إلى الوراء عندما بدأت غزوها السابع للبنان الذي أدى إلى وقوع أكثر من 1100 قتيل، ثلثهم من الأطفال، وإصابة ما يفوق 4000 شخص، ونزوح مليون شخص أي ما يعادل ربع المواطنين الذين فقد العديد منهم منزله، وتدمير المنازل والمستشفيات والمدارس والمصانع والطرقات ومعظم الجسور، وتضرر المطارات ومحطات إنتاج الطاقة وخزانات المحروقات والمخازن، وفرض حصار قاسي على البلد بكامله مولدا نقصا في المأكولات والمحروقات والمواد الطبية، ومعيقا أعمال الإغاثة الإنسانية الأساسية، ومسببا كارثة بيئية شرق البحر المتوسط، ومثقلة كاهل الأجيال الجديدة بمزيد من الألم والمعاناة والدين.

 

لقد خالفت إسرائيل مرارا وبتعنت القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي بما في ذلك معاهدات جنيف، وفي اختصار، لقد تم تمزيق لبنان الذي كان منذ سبعة أسابيع فقط بلد الأمل والمستقبل الواعد، إلى أشلاء من جراء التدمير والنزوح والخراب والموت. ولقد اقترحت، خلال المؤتمر الدولي حول لبنان الذي عقد في روما في 26 تموز، خطة شاملة من سبع نقاط كان مجلس الوزراء الذي كان يضم في صفوفه أعضاء في حزب الله قد تبناها بالإجماع وحصلت على إجماع داخلي واسع، إضافة إلى دعم المجتمع الدولي. وقد دعت الخطة إلى إطلاق الأسرى اللبنانيين والإسرائيليين، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق، والتزام الأمم المتحدة وضع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت وصايتها إلى حين إثبات السيادة اللبنانية عليها، وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية من خلال انتشار قواها المسلحة الشرعية على ألا يكون هناك سلاح أو سلطة خارج سلطة الدولة اللبنانية، وتعزيز قوات اليونيفل في جنوب لبنان عبر منحها صلاحيات اكبر وتوسيع نطاق عملها مما يسمح لها بالعمل الإنساني وضمان الأمن، وسعي الأمم المتحدة إلى تطبيق اتفاقية الهدنة للعام 1949 بين لبنان وإسرائيل (فكون جنوب لبنان أصبح اقل أمنا وأكثر عرضة للمخاطر بعد العدوان الأخير، فان إعادة العمل باتفاق الهدنة المطور هو الضمان الوحيد الذي يلزم إسرائيل)، والتزام المجتمع الدولي دعم حاجات لبنان الإغاثية والإعمارية والإنمائية ومساعدتنا على تخطي الركود الذي تسبب به الاعتداء الأخير.

 

أما رد إسرائيل فجاء عبر تكثيف اعتداءاتها على المدنيين الأبرياء. أخيرا في 11 آب، وبعد شهر من العدوان المستمر، اتخذ مجلس الأمن القرار 1701 الذي دعا إلى وقف الأعمال العدائية فورا على أن يتبعه العديد من الخطوات، بما في ذلك انتشار 15000 عنصر من اليونيفل إلى جانب القوات اللبنانية المسلحة جنوب نهر الليطاني. وكان مجلس الوزراء رحب بالإجماع بالقرار وانتقل مباشرة إلى البدء بنشر قواته في الجنوب لأول مرة بعد ما يقارب الأربعين عاما يليه انتشار 8600 عنصر على طول الحدود مع سوريا. إلا أن رد إسرائيل الأول قضى بتأجيل وقف الأعمال العدائية مدة ثلاثة أيام واصلت خلالها تعذيب لبنان فصبت عليه نار قنابلها القاتلة وتسببت بالمزيد من الموت والدمار. ثم وحتى بعد دخول اتفاق وقف الأعمال العدائية حيز التنفيذ، وفي الوقت الذي بدا فيه المجتمع الدولي عاجزا، لم تلتزم إسرائيل بالقرار 1701 ولم تستكمل انسحابها من كافة الأراضي اللبنانية في الوقت الذي استمرت فيه في استفزازاتها عبر خرق الأجواء اللبنانية يوميا وقيامها بعمليات في عمق الأراضي اللبنانية. كما استمرت في فرض حصارها غير الشرعي أرضا وجوا وبحرا على لبنان حتى الآن في تجاهل واضح لرغبة المجتمع الدولي. وخلفت إسرائيل وراءها آلاف القنابل غير المنفجرة من جراء قصفها المدن والقرى والتلال بقنابل عنقودية في كل أنحاء البلد خارقة بشكل فاضح القانون الإنساني الدولي كونها بطبيعتها لا تميز بين هدف مدني وهدف عسكري وتستمر في القتل والتشويه بعد انتهاء وقف الأعمال العدائية.

 

اسمحوا لي أن أعلمكم انه، في حال لم ترفع إسرائيل حصارها المهين مباشرة عن لبنان، تماما كما وصفه الأمين العام كوفي عنان، وان لم تنسحب مباشرة من الأراضي التي لا زالت تحتلها في لبنان منتهكة بذلك قرار مجلس الأمن رقم 1701، فان كل مسار النهوض هذا بما فيه هذا المؤتمر الذي دعوتم إليه جديا ستقوض دعائمه. لذا ادعوكم إلى الانضمام إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وبذل كل الجهود الآيلة إلى رفع أية عقبات تمنع الشعب اللبناني من استعادة حريته وسيادته.

 

أن هدفنا الأول يكمن في تأمين المساعدة الضرورية لمئات الآلاف من النازحين قبل حلول فصل الشتاء، ومساعدتهم على إعادة بناء حياتهم وعشرات الآلاف من المنازل، والاهتمام باليتامى والمصابين، وإعادة فتح المطار والمرافئ وإعادة بناء البنية التحتية الأساسية التي قامت إسرائيل بتدميرها بشكل منتظم، وتأمين الخدمات الأساسية للمناطق الأكثر فقرا وتضررا. وسيكمن التحدي الأساسي في الخروج من الركود عبر إعادة تحريك عجلة اقتصادنا المدمر، فأن الدمار لم يشمل فقط البنية التحتية التي يمكن إعادة بنائها مع الوقت، بل أدى أيضا إلى إعاقة وتعطيل حياتنا الاقتصادية والاجتماعية. أما بالنسبة للمستقبل، فسنعمل على تحقيق النمو المستدام والاستقرار المالي والنمو الاقتصادي الصحي، بالتزامن مع تعزيز وحدتنا السياسية الوطنية وتعزيز مؤسساتنا الديمقراطية. وبالفعل، ما أن توقف القصف، قامت الحكومة بسرعة بإصلاح البنى التحتية الأساسية ومهدت الطريق لعملية إعادة بناء طويلة الأمد.

 

أن الشعب اللبناني مصمم على بناء دولة قوية، دولة يمكنها استعادة موقعها كموطن للاعتدال حيث يتغلب التسامح والتنوير على التطرف والجهل والظلم، وحيث يفتح المجال أمام المبادرات والقدرات الفردية، دولة تحمل مشعل الحرية والديمقراطية في لبنان فتسود العدالة وحكم القانون، وأنا على ثقة أن هذا المؤتمر المخصص لتنظيم الدعم للبنان والذي يركز على الإغاثة والنهوض بلبنان، على أمل أن يشكل الخطوة الأساسية الأولى على الطريق الطويل لإعادة إعمار لبنان. كما لدي ملء الثقة انه، إضافة لتأسيسه للجهود المستقبلية، سيشكل هذا المؤتمر إثباتا للتعاون والشراكة المرتكزة على قيمنا المشتركة. كما سيساعدنا هذا المؤتمر على تخطي الأشهر الصعبة المستقبلية، ويحضر لمؤتمر أوسع لدعم لبنان. أنا أؤمن أن دعم المجتمع الدولي سيكون أساسيا لإعادة إحياء البلد، وأن دعمكم المستمر سيكون حاسما لنجاح التجربة الديمقراطية اللبنانية في جزء من العالم هو بأمس الحاجة للديمقراطية. على المساهمات المالية أن تركز على إعادة تأهيل البنية التحتية وتمكين الأكثر تضررا في مجتمعنا من إعادة بناء حياتهم ومنازلهم، وإعطاء الدفع للاقتصاد عبر إنهاض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في المناطق الأكثر تضرراً.

 

 

إن مشاريع الإغاثة وإعادة الاعمار على المدى القصير، التي وضعت بالاتفاق مع وكالات الأمم المتحدة، مدرجة في الملف الموجود أمامكم الذي يتضمن عناصر التقييم السريع للأضرار الناتجة عن الاعتداء على لبنان، علما انه سيتم تعزيز نتائج هذا التقييم ودعمها عبر دراسة معمقة يتم التحضير لها حاليا. كما يتضمن الملف نموذجا عن مشاريع إنعاش القطاعات التي سيكون لتنفيذها اثر كبير في إعادة حياة العديد من أفراد الشعب إلى طبيعتها. إلا أنني أود أن أذكركم أن المطلوب مستوى عال من التمويل لأننا نعاني من أحد أهم مستويات الدين في العالم، أحدثتها بشكل أساسي الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، حيث يستخدم أكثر من نصف عائداتنا لخدمة هذا الدين.

 

يسعدني أن أعلن من هنا وأمام هذا الجمع المميز إطلاق مبادرتنا، "إعادة بناء أمة الأمل"، والتي يمكن تحقيقها عبر مجموعة من الآليات تؤمن التنفيذ السريع والشفافية التامة والفعالية. هذه الآليات ستشمل أموال المانحين والمساهمات المباشرة ورعاية مشاريع إعادة إعمار محددة كالقرى والمدارس.

 

انه وللحصول على سلام حقيقي واستقرار في الشرق الأوسط، علينا معالجة أساس أسباب هذه الحرب. كما أنه من الأهمية بمكان معالجة المسائل العالقة في المنطقة التي نشكل جزءا أساسيا منها معالجة نهائية. ألم يحن الوقت لنا ولإسرائيل أن نتساءل ما الذي ربحته إسرائيل من كل حروبها واحتلالاتها وقمعها وعمليات التهجير التي تحدثها والأسلحة المتطورة التي تملكها والحواجز الأمنية التي تقيمها؟ على إسرائيل أن تدرك أن الحرب لم تمنحها لا السلام ولا الأمن، وأنه لا يمكن لشعوب الشرق الأوسط أن تقاد للانصياع، وإرادتهم على المقاومة ستنمو مع كل قرية تدمر وكل مجزرة تقترف، وأنهم يتطلعون فقط للعيش في حرية وكرامة.

 

إن القمة العربية التي عقدت في بيروت في العام 2002 والتي دعت لسلام عادل وشامل ودائم وفقا لمبدأ الأرض مقابل السلام هي الطريق للمضي قدما، وأعدكم، أنتم المجتمعون هنا اليوم، أنني سأعمل معكم من دون كلل لإحقاق السلام في منطقتنا، مهد الديانات العظمى الثلاث وموطن نشوء الحضارات. أدعوكم جميعا للانضمام إلي في بذل كل جهد لتمكين لبنان من استعادة رسالته الإقليمية، كمنارة للتعددية والتسامح والحرية.

 

إن الحلول العسكرية غير مقبولة أخلاقيا وغير واقعية بالكامل، كما أن المسارات السياسية الجزئية والمبادرات الأحادية الجانب باءت كلها بالفشل. آن الأوان لمجلس الأمن الدولي أن يعاود الإمساك بالقيادة والسعي لإحلال سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط، ويمكن أن يطبق حل سياسي شامل عندما تعترف إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني بدولة قابلة للعيش ومستقلة، وبحق العودة للاجئين وفقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتنسحب من كافة الأراضي العربية المحتلة في لبنان وغزة والقدس والضفة الغربية ومرتفعات الجولان السوري، وفقا للقرار 242. عندها فقط يمكن لإسرائيل أن تدخل في سلام عادل ودائم مع جيرانها. فالقرارات التاريخية تتطلب قادة تاريخيين يكونون في حجم الظرف ويؤمنون مستقبلا أفضل لأولادنا

 

على ضوء الأمثولات التي تعلمناها من تجربة الأسابيع القليلة الماضية، دعونا نوحد الجهود وننتهز الفرصة للمضي قدما نحو سلام حقيقي عادل ودائم في الشرق الأوسط. أود أن أشكركم جميعا لاهتمامكم بلبنان وإعادة إنعاشه وللمشاركة في هذا المؤتمر. كما أود أن أشكر المساهمين المحتملين في القوة الدولية وفي إعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده.

 

واسمحوا لي أن أشكر أخيرا الحكومة والشعب في السويد على هذه المبادرة الطيبة والاستضافة الكريمة.

 

استوكهولم- 31/08/2006

 

                                       رئيـس مجلـس الـوزراء

      فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
31/08/2006