كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة إلى اللبنانيين عشية الخميس

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها اللبنانيون،

 

أردْتُ التحدُّثَ إليكم مع استمرار الخُطُوات المؤدّية إلى عودةِ البلاد لحالتِها الطبيعية. لقد أعلَمَني الأمينُ العامُّ للأُمم المتحدة برفع الحصار الإسرائيلي عن مطار رفيق الحريري الدَولي. وإذا كانت حكومتُكم ومجلسُ نوابكم قد أسهما إلى جانب المجتمع الدولي، في تحقيق ذلك، فإنّ الخلاصَ من هذا الحصار الغاشم، ما كان ليحصُلَ لولا صمودُكُم ووحدتُكُم وصبرُكم وحرصُكُم على عيشكم المشترك، واستقلالِ وطنِكم وسيادتِه.

 

تتساءلُ جهاتٌ إعلاميةٌ وسياسيةٌ عن عدد اللبنانيين الذين سيُغادرون بعد فتح المطار، وأنا واثقٌ أنّ عشرات الأُلوف من المواطنين اللبنانيين سيُسارعون بالمجيء إلى وطنِهِمْ، ومعهم عشراتُ الأُلوف من الأشقاء والأصدقاء وتشهدُ لذلك وعليه أحداثُ العقود الماضية، والتي ما زادت اللبنانيين- على فظاعتِها- إلاّ تشبُّثاً بوطنهم، وحرصاً على صَونه وسلامتِه، إنسَاناً وعمراناً وكياناً ودولة.

 

 

 

أيها الإخوة،

 

المطارُ الحُرُّ والمفتوحُ على العالَم، مظهرٌ مُهمٌّ من مظاهر السيادة. لكنّ السيادةَ ما تزالُ منتَقَصة. أمامَنا الآن العملُ على استكمال الانسِحاب الإسرائيلي إلى ما وراءَ الخطّ الأزرق، واستكمال نشر الجيش اللبناني على أرضِه، واستكمال عديد القوات الدولية التي وصلتْ وتصِلُ لدعم الجيش، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق الأسرى اللبنانيين في سجون العدوّ، وإجلاء جيش الاحتلال الإسرائيلي من مزارع شبعا. وكما نجحْنا في الصمود، ونجحْنا في البقاء موحَّدين ومتضامنين في وجه العدوّ، وفي وجه المأساة الإنسانية، فأنا واثقٌ لأنني أعرفُ الجَوهَرَ الصلبَ المتلأْلئَ لهذا الشعب الأَبي، أننا سننجحُ في امتحان السيادةِ والحرية. لا تنازُلَ في أمنِ الجنوب والجنوبيين، ولا تنازُلَ في بسط سلطة الدولة اللبنانية وحدَها وجيشِها الوطني بمفرده، حتى الحدود الدولية مع فلسطين المحتلّة. نحن مصمِّمون وبديمقراطيةِ الحرية والمشاركة على بناء الدولةِ التي تحمي ولا تُهدِّد، وتصون ولا تُبدِّد. هذا هو الدرْسُ الذي علَّمتْنا إياهُ الأحداث المأساويةُ للأسابيع الماضية، وللسنوات الماضية: دولةٌ كاملةُ السيادة، وكاملةُ السيطرة على كلّ أراضيها، وبواسطةِ قواتِها النظامية والشرعية، ومؤسَّساتِها الدستورية والقانونية، بدون شراكةٍ ولا ثُنائية.

 

 

 

 

 

أيها الإخوةُ المواطنون،

 

أمامَنا إلى جانب استكمال سيادةِ الدولة وسيطرتِها بمفردِها على أراضيها، تحدٍ كبيرٌ هو تحدي استعادة الثقة، واستعادة الأمَل. الثقةُ الأُولى والأهمُّ هي ثقتُكُم أنتم أيها الإخوةُ المواطنون. ثقة المواطن في الجنوب، وثقة العامل والمدرِّس والمُنتج والمستثمر في كلّ أنحاء البلاد. ولذلك فسنستمرُّ في تَقويةِ الجيش، والقوى الأمنية الأُخرى، لكي يطمئنَّ اللبنانيون إلى صَون حياتِهِم وحرياتِهم وممتلكاتِهم، ولكي يطمئنّوا إلى مستقبلِ أولادِهِم وأعمالِهِمْ.

 

أمّا الثقةُ الأُخرى فهي ثقةُ الأشقّاء والأصدقاء. لقد أحاطتْنا جهاتٌ كبيرةٌ ودوليةٌ خلال الأزمةَ والحربِ وبعدهما برعايةٍ قلَّ نظيرُها. وكما تريدُ الدولةُ اللبنانيةُ أن تكونَ في مستوى حقّ المواطنين وأملِهِمْ، تُريدُ أيضاً الاستجابةَ لثقة العرب والعالَم بالتوحُّد والأمن ودولة القانون والحريات، بالدولة الجاذبة، والعاملة على صُنْع التقدُّم والرَفاه، والدولة القادرة على الاستجابة للآفاقِ الواسعةِ التي يعرفُها الشعبُ اللبنانيُّ، والتي تلاقى من خلالِها مع أشقّائه، نشارك في صُنْع حضارة هذا المشرق واستنارتِه طوالَ قرنٍ ونصف القرن. إننا نُريدُ بالكفاءةِ وبالتقدير الصحيح للإمكانيات والفُرَص، الإسهامَ في صُنع العُمران، ودخولَ عالَم المنافسة وعالَم العصر، واللبنانيون قادرون على ذلك كلِّه كما أثبتوا في شتّى الظروفِ والأحوال. لقد حظينا بعطف العرب والعالَم، ونريدُ أن ننتزعَ بالعمل المُثمر والجادّ ثقةَ وإعجابَ الأشقاء والأصدقاء ليس في خارج لبنان وحسْب، بل وفي لبنانَ أيضاً وأيضاً.

 

أيها اللبنانيون،

 

أمامَنا ثلاثُ مهامّ تشكّل برنامج الحكومة للشهور القادمة. المهمة الأولى العاجلة تتمثَّلُ في تلبية المطالب والحقوق الأساسية للمواطنين الذي أصابهم الكثير أثناء العدوان. لا بد من الإسراع في إعمار البنية التحتية، وإعادة المرافق الأساسية للعمل. ولا بد من تأمين المدارس لأطفالِ لبنانَ وفتياتِهم وفتيانِهم. ولا بُدَّ من إعادة أكثرية المواطنين النازحين إلى مناطقهم ومساكنهم المؤقتة أو المُرمَّمة. ولا بُدَّ من تأمين الإعانات والتسهيلات للقطاعات التي تأثّرت، ولأهالي الشهداء، والجرحى. إنّ هذه الأمورَ ذاتَ الطبيعة الإنمائية، ليست واجباتٍ فقط على الحكومة والمسؤولين، بل هي حقوقٌ لسائر اللبنانيين، وبخاصةً أولئك الذين عانَوا ويُعانون من فقدَها أو الحرمان منها. هذه هي مهمةُ الدولة الحامية والقادرة التي اشتاقَ إليها اللبنانيون، وتريدُ الدولةُ أن تكونَ أهلاً للثقة التي يضعونَها فيها.

 

أما المهمةُ الثانيةُ فهي مهمةُ إعادة الإعمار والإحياء الاقتصادي والنهوض الاقتصادي. لقد كان لدينا برنامجٌ طَموحٌ للإصلاح الاقتصادي، وللخروج من العجزِ والدَين. ولا نريدُ الآن البكاءَ على الأطلال. نحن نعملُ منذ أسابيع على خطة طوارئ اقتصادية، تشملُ إلى إعادة الإعمار، دعمَ القطاعات المنتجة، والإنفاقَ في المجالات التي تخلُقُ فُرَصَ عملٍ للشباب، وتشجّع المستثمرين على الانطلاق من جديد في شتّى الآفاق التي أتاحتْها رؤى ومشروعات ونشاطات اللبنانيين في السنوات الخمس عشرةَ الماضية. لقد كان القطاعُ الخاصُّ اللبنانيُّ رائداً دائماً، ومطلوبٌ منه الآن أن تعْرِضَ إمكانياتِهِ وقُدُراتِه وشجاعتَه في الاستثمار، وعلاقاتِه بالعرب والعالَم. لن نوفِّر جَهداً ولا صِلَةً ولا جهةً من أجل الخروج من هذه الانتكاسةِ إلى آفاق النموّ من جديد. كلُّ الأشقاء والأصدقاء دعموا ويدعَمون، وعرضوا ويَعْرِضون. بيد أنّ اللبنانيين المبدعين والشجعانَ هُمُ الذين يقعُ على كواهلهم هذا العبءُ وهذا التحدّي. وعندي من الدلائل في مبادرات اللبنانيين المقتدرين ما يشجّعُني على القول إننا سننجحُ في تحدي إعادة الإعمار، والإحياء الاقتصادي، كما نجحنا في تحدي صَون الوطن شعباً ودولةَ خلالَ العدوانِ الإسرائيليّ وبعدَه.

 

والمهمةُ الثالثةُ، وليست الأخيرة، هي مهمةُ الإصلاح السياسي، والتطوير السياسي. قضينا أكثرَ من عامٍ في مماحكاتٍ حول تعيين هذا الموظف أو ذاك، أو تطهير هذا المرفقِ أو ذاك. وبكونُ علينا من أجل مستقبلِ وطنِنا ونظامِنا أن نعملَ على بناء الدولةِ الحامية والقادرةِ والديمقراطية التي نتحدثُ عنها كثيراً، ولا نسيرُ باتّجاهِها، بحيث ضعُفت ثقةُ المواطن في النظام وممارساتِه. الطريق واضحةٌ وهي طريقُ دولةِ الطائف والدستور. دولة المشاركة. دولة القانون والحريات. ودولة الوظيفة العامّة الشريفة والنظيفة والمتّسِمة بالكفاءَة، والعالية الإحساس بالمسؤولية. لا يستطيعُ النظامُ السياسيُّ الديمقراطيُّ، نظامُ المشاركة والمسؤولية والمحاسبة أن يتخلَّى عن مهمّاتِه وصلاحياتِه لأي فريقٍ أو فئةٍ تحت وطأة الإرغام أو المجاملة أو الاستئثار، أو يتخلَّى بذلك عن نفسِه وبقائِه ومبرِّرات استمراره. نحن نستطيعُ اليومَ بعد الدرْس القاسي لضَعفِ الدولةِ تارةً، وغيابِها تارةً أُخرى، أن نخرجَ بالعزيمة وبالشفافية وبالإصلاحِ من آثار الكارثة الكبرى التي نزلت بالوطن والمُواطن والنظام.

 

ليس صحيحاً أنّ الأنظمةَ الديمقراطيةَ ضعيفةٌ أو عاجزةٌ، بل هي أقوى الأنظمة، ولو لم يكن الأَمْرُ كذلك لما صَمَدَ النظامُ اللبنانيُّ في خِضَمِّ الأزَمات المتلاحقة. إنّ علاجَ الأزمة اليومَ هو في المزيد من ديمقراطية المشاركة. والسير الحثيث باتجاه دولةِ الطائف والدستور، وهذا هو الإصلاحُ الحقيقيُّ الذي أتوجَّهُ إلى المواطنين اللبنانيين طالباً أن نعملَ جميعاً لاستكشافِ آفاقِه، وإزالةِ العقبات من طريقِه، صوناً لوطننا، وصَوناً لدولتِنا، وتحقيقاً للمصالح الأساسية للناس الباقين على هذه الأرض. باقون لأنها أرضُهُم. وباقون لأنه وطنُهُم. وباقون لأنها إرادتُهُم وحريتُهُم وعيشُهُمُ المشترك.

 

أيها المواطنون، أيها اللبنانيون،

 

لقد كانت أسابيعُ العدوان الإسرائيلي، والتخريب الإسرائيلي شديدةَ القسْوة على إنسانِنا وعُمرانِنا. والأزْمةُ ما انتهتْ بعد، ونحتاجُ إلى الكثير الكثير من الجَهدُ والعمل للخروج من المأزَق. لكنكم صمدتُم وقاومتُمُ الاختلالَ والخراب. وها هو جيشُكُم الوطني يعودُ إلى الجنوب بعد غيابٍ طال لأكثر من ثلاثةِ عقود. والأَمَلُ كبيرٌ بالصمود وبالصبر وبالعمل الجادّ، أن نتمكَّنَ من لملمةِ الجِراح، ومن الانطلاق من جديدٍ في بناء الدولةِ التي تبسُطُ سيطرتَها وبقُواها الشرعية على كلِّ أراضيها، والتي تحمي المُواطن، وتحفظُ حقَّه وحريتَه وكرامتَه. لقد دفع اللبنانيون أثماناً غاليةً من أجل وطنِهِمْ، ومن أجل انتمائِهِم، ومن أجل حريتِهِمْ، وتُريدُ هذه الحكومةُ السيرَ في طريق الإنقاذ، وفي طريق النهوض، وفي طريق الإصلاح. فلنبق معاً متضامنين لكي نتجاوزَ آثارَ الحرب والخراب.

 

ولْنبقَ معاً لكي نبنيَ دولةَ المواطَنةَ والمُشاركة. ولْنبقَ معاً لكي نبنيَ المستقبلَ الحُرَّ والزاهرَ والباعثَ على الأملِ والفخرِ بلبنان: "أمّا الزَبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكُثُ في الأرض".

 

عشتم وعاش لبنان

تاريخ الخطاب: 
07/09/2006