كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في "إفطار لبنان"

-A A +A
Print Friendly and PDF

اللهم لكَ صُمْنا، وعلى رزقِكَ أفطرْنا، وبك آمنّا، وإليكَ أنبْنا، وعليك توكلنا، ذهبَ الظَمأُ، وابتلّت العُرُوق، وثَبَت الأَجْرُ إن شاء الله. يا واسعَ المغفرةِ اغفِرْ لنا، يا كريم.

 

دولةَ الرئيس، فخامة الرئيس،

أصحابَ الدولة والسماحة والغبطة والسعادة والفضيلة،

أيها السادة الأفاضل،

أيها الإخوة الأعزاء،

 

نلتقي في هذه الدارِ اليومَ، في السراي الكبير، دارِ جميعِ اللبنانيين، شأنَها في ذلك شأنَ سائر المؤسَّسات الدستورية والوطنية الكبرى. لقد أردْتُ أن تكونَ هذه الدعوة تعبيراً عن الأُخُوّة، وعن التضامُن وعن الوحدة، وعن الاتّساع والرَحابة، الرحابة التي ميَّزت لبنانَ في أزمنةِ الرخاء، وفي أَوقات الشِدَّة. كما أردتُ من وراء هذه الدعوة التعبيرَ عن ثَبات اللبنانيين، وصبرِهِمْ ووقوفِهِمْ مع أنفسِهِمْ ومع وطنِهِمْ.

 

 

ودعوتُكم أيها السادةُ والإخوةُ عشيةَ هذا اليومِ المباركِ من أيام رمضان إلى إفطارِ الوُدِّ والتلاقي والتوحُّد والمسؤولية. وعندنا من القضايا والمشكلات والهموم ما يستدعي فعلاً القَلَقَ وضرورةَ تبادُلِ الرأْي لفتح نوافذ من الأمل تتعزز بإرادة الحياة لدى اللبنانيين. فقليلةٌ هي الأوطانُ والبلدانُ التي قاستْ ما قاساهُ ويقاسيهِ لبنان.

 

وقليلةٌ هي الأوطانُ والبلدانُ التي صمدتْ على المُعاناة وعلى التجاربِ والمِحَنِ كما صَبَرَ لبنانُ، وكما صَبَر شعبُهُ، وكما تماسكتْ فئاتُه. إنّ هذه الصلابةَ التي جرّبناها وشهدْناها خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، تَفْرِضُ من المسؤوليات تُجاهَ وطننا وشعبنا، بقدْرِ ما عزَّزتْ فيه الثقة والكرامة والإباء.

 

أمامَنا هذا المشهدُ الواسعُ العربي والأوروبي والدَولي من التضامُن وإرادة المساعدة. لكنْ أمامَنا أيضاً تحمُّلُ أعباءَ كبرى تُجاه وطنِنا ومُواطنينا، وأولُ تلك المسؤوليات إقفالُ ملفّ النزاعات الداخلية والعمل على أن لا يكون لبنان ساحةً للصراعات الخارجية أو لتصفية الحسابات- في الوقت ذاته الذي نبني فيه الدولةَ الديمقراطيةَ القويةَ والقادرة: القوية باستنادِها إلى ثقة المواطنين ودعمِهِمْ، والقادرة على حماية جميع اللبنانيين بمفردها وانطلاقاً أيضاً من مسؤولياتها الدستورية، وصونِ حقوق السيادة والمواطنة والكرامة.

 

 

 

أيها السادة،

أيها الإخوة الأفاضل،

 

ولقاؤنا اليومَ هو لقاءُ الوحدة الوطنية، ولقاءُ القلوب المفتوحة والعقول النيِّرة. هو لقاءُ الأحبّة من المراجع الدينية والسياسية والاجتماعية في لبنان، من أجل لبنان. ذلك أنّ الصمودَ الأسطوريَّ للشعب اللبناني مع وطنِه ووحدتِه وحريتِه وسيادتِه، فرضَ ويفرضُ على الجميع تكاليفَ ومسؤولياتٍ بقدْر ذاك الصمود، وبقدْر المخاطر التي تعرضَ هذا الوطنُ الصغير، ويتعرَّضُ لها على مدى عدةِ عقود. أنا لا أقلل من أهمية وحق الاختلاف السياسيّ في بلد ديمقراطي نحرص فيه على الحريات العامة ولاسيما الحريات السياسية. لكنني لا أرى ما يدعو إلى الحدة في التعبير الذي تعلو فيه الأصوات بما يوتر المواطنين ولا يزودهم بمنفعة إضافية، وهذا ما يذكرنا بقول الفقيهَ المعروفَ الحسنَ البصري الذي حذَّرَنا من الصوتِ العالي الذي يستدعي الفتنةَ، ويقطعُ الأُلْفة. إنني أرى أنّ ما يجمعُ اللبنانيين أكبرُ وأكثرُ بكثيرٍ مما يفرّقُهُم. نحن مُجمعون على نهائية الوطن، ونهائية العيش المشترك، وعلى الانتماء العربي، وعلى الدولة الجامعة، التي تحمي ولا تُهدّد، وتصونُ ولا تُبدّد، وعلى النظام السياسي الديمقراطي الذي يمثّل إرادة اللبنانيين من خلال الانتخابات الحُرّة والمنتظِمة، وفصل السُلُطات وتعاوُنها، وقواعد إدارة الشأن العام ولاسيما المراقبة والمحاسبة. وقد تمثَّلَ ذلك كلُّهُ في دستور الطائف، الذي يكونُ علينا جميعاً السيرُ في استكمالِ تطبيقِه. لا شروطَ على الوطن، ولا شروطَ على الدولة، ولا شروطَ على النظام الديمقراطي. وإنما يأتي الاختلافُ بين الجهاتِ السياسية والثقافيةِ على طرائق المشاركةِ وآلياتِها. وأنا على ثقةٍ أنّ المشاركةَ الكاملةَ والمتطوّرة يمكنُ الوصولُ إليها باستكمالِ تطبيقِ الطائف، وبالعمل من خلالِ المؤسَّسات الدستورية، وباعتمادِ النهجِ المُسالم والمستنير في حالات التوافُق والاختلاف.

 

أيها الإخوةُ الأفاضل،

 

لن ننسى الحربَ الإسرائيلية التخريبيةَ ودروسَها ومآلاتِها. ولذلك اعتبرتُ أنّ أولَ واجباتِنا، بل أولُ حقوق وطنِنا علينا الثقةُ والمسؤولية. الثقةُ التي بها حُفِظَ الوطن وحُفِظت وحدةُ اللبنانيين، والمسؤولية من طريق بناء الدولة القادرة والحامية بالمشاركةِ القويةِ والإيجابيةِ في النظام الديمقراطي، وتحمُّل المسؤولية بعدم تعريض الوطن أو الوحدة الوطنية للتجارب أياً تكن الأسبابُ والظروفُ والسياقات. أما ثاني الواجبات والضرورات فيتمثل في إعادة الإعمار، وإعادة بناء الاقتصاد الوطني، والتفكير كلَّ الوقت والعمل كلَّ الوقت من أجل مستقبل اللبنانيين، ومستقبل لبنان وتحقيق ازدهارهم ومشاركتهم الفاعلة في منطقتهم وفي العالم المعاصر.

 

إنّ المخاطرَ على الوطن لا تأتي من الخارج فقط، بل تأتي أيضاً من الانقسام الداخلي، لكنها تأتي بالدرجة الأولى من تجاهُل الواقع، ومن عدم التفكير بالمستقبل. والواقعُ أنّ بلدَنا يحتاج إلى إعادة إعمارٍ لمساكن المواطنين وحياتِهم وأعمالِهِمْ ومصادر رزقهم، وإلى إعادة إعمارٍ للبنية التحتية، وإلى إعادة إعمارٍ للاقتصاد وبناءٍ للقُدُرات والإمكانيات المستقبلية. نحن محتاجون إلى مسيرةٍ طويلةٍ وصَبورةٍ ومُضْنيةٍ ومسؤولةٍ لكي نُصبح وطناً طبيعياً، لا يأمنُ أطفالُهُ فقط، بل يتعلَّمون، ويكبُرون، ويجِدونَ الأملَ والعمل، ويتفتَّحون على انتمائهم العربي، والتزامِهِم المدني والإنساني، إذ في النهاية ماذا يفيدُ إن ربحتَ العالَم وخسرْتَ نفسَك؟!

 

الثقةُ والمسؤوليةُ وبناءُ المستقبل ثلاثةُ عناوينَ لموضوعٍ واحدٍ هو لبنانُ الوطن، ولبنانُ الدولة، ولبنانُ النظام الديمقراطي.

 

رحِمَ الله شهداءَ لبنانَ، وآسى جراحَ مُصابيهِم، وأقْدَرَنا جميعاً على أن نجعلَ من لبنان وطناً للطفولة الوادعة والآمنة، وطناً للحياة، وطناً للمستقبل الحر والزاهر، ووطناً للانفتاح والاستنارة وريادة التقدم في محيطِهِ العربي وفي العالَم.

 

كلُّ رمضان وأنتم بخير، كلُّ رمضان ولبنانُ بخير

عشتم وعاش لبنان

 

السراي الكبير

الجمعة في 29/09/2006

 

                                      رئيـس مجلـس الـوزراء

                                      فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
29/09/2006