كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في حفل إفطار جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية

-A A +A
Print Friendly and PDF

كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة

في حفل إفطار جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية

مركز بيال- يوم السبت في 07/10/2006

 

الصديق رئيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية،

أصحاب المعالي والسعادة والفضيلة،

أيها الإخوة والأصدقاء،

 

لقد اعتدْنا على اللقاء في رحاب جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في شهر رمضان منذ سنوات طويلة. واللقاءُ بالمقاصد ومع المقاصد دائماً هو لقاءُ النهوض التربوي والتعليمي والحضاري، ولقاءُ التضامُن الوطني، والأُفق الوطني والعربي. لقد أسهمت المقاصدُ في جهود التنوير بلبنان، وربّت أجيالاً على جدية الالتزام بالوطن والدولة والانتماء العربي والإسلامي. وقد كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحتى يوم استشهاده مهتماً بالإسهام في ما يعتبرُهُ النهوضَ الرابعَ للمقاصد بعد جيل التأسيس، وجيل الرئيس عمر الداعوق، وجيل الرئيس صائب سلام. إنّ مجتمعَ بيروتَ ولبنان يظلُّ على العهد مع المقاصد التي طالما كانت وما تزال رمزاً للاعتدال والانفتاح. كما أن مجتمع بيروت ولبنان يظل على العهد مع المؤسسات التربوية والنهضوية الأخرى التي كانت لها مع المقاصد أدوارٌ أساسيةٌ في تاريخ هذا البلد، والتي تتجدد أدوارُها وتتطورُ في هذه الظروف بالذات بما يسهم مع نهوض لبنان وتلاؤمه المستمر مع حركة العصر.

 

على أنّ لقاءنا هذا العامَ له ظروفُهُ الخاصةُ والاستثنائية، بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، وما خلّفتْهُ من دَمارٍ فظيع، ثم ما طرحتْهُ من تحدياتٍ على اللبنانيين، وعلى الدولة والنظام.

 

إنّ أولَ ما ينبغي الانتباهُ إليه لفهم الموقف الحاضر أنّ الوطن والدولةَ خرجا والحمد لله سالمَين من هذه الحرب، بفضل صمود اللبنانيين ومقاومتهم وتضحياتهم وتوحدهم التي منعت الجيش الإسرائيليَّ من تحقيق الانتصار، وبفضل الإدارة والحركة السياسية الداخلية والخارجية للحكومة، التي أمكن من خلالِها تحقيقُ عدةِ إنجازاتٍ أهمُّها صَونُ وحدة الصف الوطني، وتعزيزُ فكرة الدولة من خلال الإجماع على برنامج النقاط السبع، وتغيير مضمون القرار 1701 توافقاً مع مصلحة لبنان، ووقف الأعمال العدوانية، وإرسال الجيش إلى الجنوب، وحشد الرأي العام العربي والدولي لصالح لبنان، ودفع الإسرائيليين للانسحاب، والحصول على الدعم العربي والدولي للإغاثة وإعادة الإعمار، وإطلاق الخطة السريعة والشاملة لتحقيق ذلك.

 

بيد أنّ الحربَ العدوانيةَ فرضتْ، كما سبق القول، تحدياتٍ عاجلة، وأُخرى بعيدة المدى. التحدياتُ العاجلةُ تتمثَّلُ في إغاثة المواطنين، وإعادة الإعمار، وإصلاح البُنى الأساسية. وقد عرضْتُ أولَ من أمس معالمَ جديدةً من الخطّة المتكاملة للتصدي لهذه المهامّ العاجلة والكبيرة، والتي هي حقٌّ وواجبٌ على الحكومة والنظام للمواطنين وللوطن.

 

أما التحدياتُ الأُخرى البعيدة المدى فتتمثَّلُ في الخسائر البشرية والمعاناة الإنسانية الكبيرة لعددٍ كبير من مواطنينا والتي لا يمكن تعويضُها، كما تتمثّل في الضربة القاسية التي نالت من عمران لبنانَ اقتصاداً وثقةً وأملاً بالحاضر والمستقبل. لقد ذكرْتُ من قبل أنّ لبنانَ قُذف أكثر من عقدٍ إلى الوراء في هذه الأُمور كُلِّها. ونحن محتاجون لعملٍ كبيرٍ وواسعٍ ورحْب الأُفُق لاستعادة ثقة مواطنينا، وكسْب اطمئنان الأشقّاء والأصدقاء إلى البلد وإنسانِه ونظامِه ومستقبلِه لكي نعوض عما خسرناه وما فاتنا من فرص.

 

أيها الإخوة والأصدقاء،

 

إنني أودُّ التنويهَ هنا بالوعي الكبير الذي أظهرهُ المواطنون في مواجهة العدوان، كما أظهروه وأثبتوه في تعامُلِهِمْ فيما بينهم ومع إخوانِهِمْ الذين لاحقتْهم النارُ الإسرائيلية، دون أن تنالَ من عزيمتهم وإيمانِهم بربِّهم وبوطنِهِم ومُواطنيهم. لقد جرى احتضانُ المصابين والمتضررين والنازحين من جانب كل اللبنانيين. وإلى هذا التوحُّد والصمود أستندُ في ثقتي بالقدرة على النهوض، والقدرةِ على حفظ التوحُّد الوطني في الإرادة الجامعة ونبذ الفرقة والعنف وأسباب الانقسام الطائفي والمذهبي الداخلي ولاسيما في مرحلة عمليات التقدم والبناء. ولستُ مع الذين يُهوِّلون بالهجرة، فاللبنانيون والعرب يعودون هذه الأيام إلى لبنان وليس العكس. لكنّ اللبنانيين والأشقّاء العرب الذين وقفوا جميعاً معنا، شأنَهم في ذلك شأنَ أطرافٍ أساسيةٍ في المجتمع الدولي، ينتظرون من النُخبة والطاقات السياسية والاقتصادية والثقافية في لبنان مبادراتٍ وأعمالاً بالاتجاه المرغوب والمنشود نحو المزيد من التآلف والتعاون لما فيه مصلحة البلاد والعباد لكي تتفتَّح الآفاقُ المستقبليةُ للجَهد الوطني الكبير المبذول على مدى الخمسةَ عشر عاماً الماضية. وهذا الهدفُ الضروريُّ للثقة وللمستقبل ينبغي المُضيُّ باتّجاهه اليومَ قبل الغد. لا ينبغي أن نتثَاقَلَ ونتباطأَ تحت وطأة الأعباء القديمة، والأُخرى التي جاءت بها الحرب. ولستُ أجدُ مبرّراً أخلاقياً أو سياسياً للتحركات والتجاذُبات الشخصية والسياسية المندلعة بدون رابطٍ ولا وازع- فهي عبءٌ آخَرُ يُسيءُ لمعنويات المواطنين ولثقتهم في المستقبل، ويؤثّر على صحة المسار ومدى تحقيق الأهداف التي يتوخاها المواطنون في يومهم وغدهم، أكثرَ بكثيرٍ مما يُزعجُ الحكومة.

 

لقد كانت الحربُ على لبنان حَدَثاً هائلاً له أبعادٌ إقليميةٌ ودوليةٌ، ولذلك لا أستغربُ النقاشَ في أسبابِها وتداعياتِها، كما في كلِّ نظامٍ ديمقراطي. بيدَ أنّ غيرَ المقبول والمعقول تلك الأصوات العالية النبرة، وذاك الصُراخُ الذي يستدرجُ الفتنةَ والخصومات كأنما ليصرِفَ الانتباه عمّا كان، وعن تقييمه وإبداءِ الرأْي فيه، ودراسة المسؤوليات والأعباء المترتبة، وكأنما ليحولَ دون المُضيِّ بالوطن والمواطنين إلى برِّ الأمان.

 

إنّ لدينا أربعةَ أُمورٍ لا يصحُّ سياسياً ووطنياً وقومياً وإنسانياً الانصرافُ عنها أو تأجيلُها: تأمين الجنوب اللبناني الذي لم يأمنْ منذ العام 1969 بما في ذلك إخراج الاحتلال الإسرائيلي من مزارع شبعا، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بما في ذلك احترام القانون وصونُ السيادة وحريات المواطنين، وصَونُ الاستقرار الأمني والسياسي، وإعادة الإعمار وبلوغ النهوض من طريق العودة للسير في طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بما يُسهم في تحسين فُرَصِ عقد مؤتمر مساعدة لبنان ونجاحه في توفير الدعم المالي والاقتصادي الذي يحتاجه لبنانُ بإلحاح، من أجل فتح الآفاق للمستقبل الواعد والزاهر. إنّ هذه الأهدافَ ضروراتٌ وخياراتٌ في الوقت نفسِه، وهي تتطلب نقاشاً وتحاوُراً في الوسائل والأدوات والإمكانيات المُتاحة والأخرى التي ينبغي توفيرُها. أمّا ما لا يُفيدُ الخوضُ فيه فهو الشتائمُ والتخوينُ ومحاولاتُ الابتزاز واستدراج الوصايات والمحاور. نحن عربٌ أحرارٌ وسنبقى عرباً أحراراً. فالعروبةُ هويةٌ وانتماءٌ وخيار. وقد كانت لنا دائماً التزاماتُنا العربيةُ تُجاه فلسطين وتُجاه أمتنا العربية، وسنبقى على تلك الالتزامات بالاختيار وبالحرية. لكننا لن نقبلَ الوصايةَ ولا التبعيةَ ولا التحولَ إلى ساحةٍ للصراعات الإقليمية أو الدولية. عندنا خطوطٌ حُمرٌ لا نسمحُ بتجاوُزِها: عروبتُنا ودولتُنا وحريتُنا وسلامُنا الوطني. والنهجُ الذي نَتَّبِعُهُ هو نهج البناء والاستقامة والبحث عن القواسم المشتركة من أجل صَون المصالح الوطنية والقومية، في الداخل وفي المجال العربي والدَولي. نحن نريدُ علاقاتٍ شديدةَ الوثوق وبالغةَ الوُدّ مع الشقيقة سورية قائمة على الاحترام المتبادل. وليس لأي حكومةٍ أو نظامٍ في لبنان فضلٌ في إرادة العلاقة الحسنة والوثيقة بسورية، فالانتماءُ واحدٌ والتاريخ واحدٌ والمستقبل واحدٌ إن شاء الله. لكنّ الإخوةَ في سورية ينبغي أن يتعودوا على لبنانَ كدولةٍ حرةٍ ومستقلّةٍ وذات سيادة. ونرى أنّ هناك مصلحةً مشتركةً في التخلي عن الاتهامات، وكلّ ما يؤدي إلى توتير الأجواء بين البلدين الشقيقين.

 

أيها الإخوةُ الأفاضل،

 

يذهب المحتلُّون الإسرائيليون ويبقى لبنان. ولا عملَ ولا كلامَ إلاّ في تعزيز صمودِ الوطن ووحدتِه وتقدمِه وعودة سلطة الدولة والقانون إلى جميع أرجاء الوطن. لن ننغمس في سجالات التضييع والتمحْوُر، وتفويت الفُرَص السانحة لإعادة الإعمار، والنهوض وتحسين شروط حياة الناس، والإفادة من الاهتمام العربي والدولي في صنع مستقبلٍ آخَرَ للبنان. إننا من جانبنا لن نسيرَ إلاّ فيما يزيد مواطنينا أمناً واستقراراً وحرية.

 

وها هو رمضانُ يتقدمُ وئيداً ناشراً الودَّ والرحابةَ ومُراجعةَ النفس ومصافحةَ الإخوة ومصالحتَهم. باركَ اللهُ شهداءَ لبنان، وحفظ علينا سبحانه وطنَنا وأمتَنا، إنه سميعٌ مجيب.

 

كل رمضان وأنتم بخير. عاشت المقاصد. عاشت بيروت. عشتم وعاش لبنان.

 

مركز بيال للمعارض- BIEL

السبت في 07/10/2006

 

                                      رئيس مجلس الوزراء

                                      فؤاد السنيورة

تاريخ الخطاب: 
07/10/2006