كلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة في إفطار دار الأيتام الإسلامية

-A A +A
Print Friendly and PDF

السادة عمدة دار الأيتام الإسلامية،

الإخوة الأفاضل،

أيها الحفل الكريم،

 

تكادُ تمضي أربعةُ عقودٍ بل أكثر على هذه الممارسة النيِّرة لدار الأيتام الإسلامية، وذلك بجمع نخبة البلاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في إفطاراتٍ رمضانية، يتلاقى فيها اللبنانيون واللبنانيات فيتشاورون ويتحدثون ويفكرون في شأنهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وبسبب رِفعةِ هذه النقاشات والممارسات وجديتها فهي قد دخلت وتدخُلُ في مفهوم الخير العامّ الذي نذرت دارُ الأيتام نفسَها له منذ قيامِها قبل حوالَي القرن من الزمان، وهو قرنٌ في عُمُر بيروتَ المديد، وفي عُمُرِ لبنانَ شعباً ومجتمعاً ومؤسساتٍ ودولة. وأكادُ أقولُ إنّ هذه الصفةَ التي تحرِصُ هذه المؤسساتُ العريقةُ عليها، أعني صفةَ "الإسلامية" هي الوصفُ الصادقُ للخير العامّ الذي قامت الرسالةُ الإسلامية عليه. إنه المشروعُ الدائمُ التحقُّق دوامَ الأمةِ ورحابتَها، ودوامَ مجتمعاتِنا وديمومتَها، إنها مثابةُ الضُعفاء وملجؤهم، ومجالُ العملِ البنّاء للأقوياء، والشاهدُ الذي لا يُخطئُ على التكافل والتضامُن والتجاوُر والتحاور والتآخي ورعايةَ النفس والآخَر الديني والوطني والإنساني، والمشاركةَ في السراء والضرَّاء دونما ضيقٍ ولا تردُّدٍ ولا تقوقُع. قال لي الرئيس الشهيد رفيق الحريري طيب الله ذكره وثراه مرةً عندما اجتمعنا لوضْع حجر الأساس لإحدى المؤسَّسات الجديدة لهذه الدار العامرة دائماً إن شاء الله: أشعُرُ عندما آتي إلى دار الأيتام لأي سببٍ أنني أُشاركُ في عملٍ دينيٍ مأجور، وفي عملٍ وطنيٍ مشكور، وفي عملٍ تنمويٍ للحاضر والمستقبل.

 

أيها السادة، أيها الإخوة،

 

... وللدولة اللبنانية، هذه الدولة التي يتبارى البعضُ اليومَ في نقدِها وذمِّها والتسابُقِ على الحطِّ من شأنِها، نعم، لهذه الدولةِ الصابرةِ والصامدة والمتمسكة بدورها وواجباتها وحقوقها، يدٌ كبرى في هذا الخير العامّ المتمثل في مؤسساتٍ خيريةٍ كثيرة في لبنان تُعتبر دارُ الأيتام إحدى جهاتِها البارزة. وذلك لأمرين: الأمر الاجتماعي، والأمر التنموي. ولستُ أزعُمُ هنا أنَّ الدولةَ قامت في المجال الاجتماعي وفي المجال التنموي بكلّ ما يجبُ القيامُ به تُجاه المواطنين، وتُجاهَ الوطن. لكنْ ما لا يُدْرَكُ كلُّه لا يُتْرَكُ جُلُّه. ولذلك ينبغي السعْيُ دائماً وبكلِّ السُبُل الممكنة لتوفير الإنفاقِ المطلوب على الشأنين الاجتماعي والتنموي، وكذلك على تحسين المردودِ الاجتماعي والإنساني لذاك الإنفاق، بما يُساعدُ في التوازُن، وبما يفتحُ الأُفُقَ للمستقبل الذي يريدُهُ كلُّ اللبنانيين، بل كلُّ البَشر في هذا العالَم.

 

 

إنّ بعض الذين يتجاذبون أطرافَ السِجالِ والجدال في لبنانَ اليومَ بعد حرب تمُّوز، يقعون في خطأين اثنين: الخطأُ الأولُ تضييقُ مفهوم السياسة، التي تعني إدارةَ الشأن العامّ، بحيث لا تتناولُ في الأغلب الأعم إلا هويةَ وشخصيات العاملين في المؤسسات الدستورية دون التطرق بشكلٍ موضوعيٍ للتوجهات والسياسات المعتمدة. أما الخطأُ الثاني والأهمُّ فيتناول الأولويات التي ينبغي الانصرافُ إليها، والعملُ لتحقيقِها بعد الكارثة التي نزلت بالوطن والمواطنين والدولة نتيجةَ العدوان الإسرائيليّ الغاشم.

 

إنّ المفهومَ الحديثَ والأَوسع للشأن العامّ يعني العملَ بدون هوادةٍ ومن جانب المؤسسات الدستورية وجهات المجتمع المدني لاستكشاف خياراتِ تحقيق التنمية الشاملة والنمو المستدام، خياراتِ تحقيق الخير العامّ. إنّ الموضوع الحقيقيَّ للنقاش السياسي في المجتمعات المعاصرة هو كيفية التوصُّل إلى رسْم السياسات الكفيلة بتحقيق الأهداف التنموية المتوخاة، وبعدها تأتي المراقبةُ والمحاسبةُ في الأنظمة الدستورية والديمقراطية. والذي أراهُ أنه بهذا المنظور فإنّ الملفّات السياسية تُصبحُ مداخلَ للتنمية التي هي غَرَضُ وغايةُ التمثيل السياسي الصحيح. ونحن في الحكومة وفي السياسات التي نعتمدها والعمل الذي نقوم به جاهزون أيضاً ودائماً للمحاسبة على ما فعلْناه أو قصَّرنا فيه أو خالفْنا فيه الخيارات التي اختارتها أو توصلت إليها المؤسساتُ الدستورية. ولستُ أقصِدُ هنا إلى الحَجْر على العمل السياسي أو التحكُّم في تحديد مساراته. لكنّ كثيراً مما قيل ويُقالُ في الأسابيع والشهور القليلة الماضية لا يأبهُ لا للوقائع ولا للسياسات، بل لتسعير الحساسيات تارةً، ولصرْف الأنظار طَوراً عن الأحداث ومُجرياتِها وتداعياتِها. وهذه الأُمورُ لا شأنَ لها بالعمل السياسي المشروع أو غير المشروع، بل هي محاولاتٌ تؤدي إلى تعطيل الفعالية الباقية للمؤسسات، ولا تأتي بشيءٍ فيه منفعةٌ حقيقيةٌ للمواطنين ولا تفيدُ في تحسين مستوى نوعية عيشهم أو خلْق فرص عمل جديدة أو تنمية الاقتصاد أو تحسين فرص استفادة البلاد من الأجواء العربية والدولية الملائمة والراغبة في دعم لبنان وتمكينه من تخطّي محنته المستمرة منذ ثلاثين عاماً والتي تعمّقت بسبب الاجتياح الإسرائيلي الأخير. بل على العكس من ذلك فإن هذه التصرفات قد تضع البلادَ والمواطنين في مهب الأخطار وهذا ما لا يريده مواطنونا ولا شبابُنا والذين نسمعُهُم ونقرأُ في عيونهم أنهم ما عادوا يطيقون الاستمرار في هذه الحال العبثية وأنهم يرغبون في أن تسودَ الدولة ويسودَ القانون ويحرصون على أن يلتزم الجميع به ودون استثناء، كما ويتطلعون إلى ما يؤمن لهم الحياة الآمنة والمطمئنة والمستقبل الواعد. ما عاد اللبنانيون يستطيعون النومَ على حالةٍ والإفاقةَ على أُخرى لأسبابٍ يعرِفونها وأخرى لا يعرفونها. وليس هذا من العمل السياسي أو الوطني في شيء. ولهذا كلِّه لا يريد اللبنانيون أن يجدوا أنفسهم مدفوعين إلى متاهات تأخذهم بعيداً عن تحقيق آمالهم وطموحاتهم في أن يكون لهم لبنانهم السيد العربي الحر والمستقل كما لا يريد اللبنانيون أن يخضعوا للتخويف أو للابتزاز أو للترهيب.

 

 

 

 

أيها الإخوة،

 

أمّا في المجال الآخَرِ للعمل السياسي والمؤسَّسي، أعني مجالَ الأَولويات. فقد فرضت حربُ تموز تحدياتٍ على الوطن والنظام والحكومة، ولذلك فقد وضعْنا برنامجاً واضحَ المعالم لمواجهتها، وسِرْنا فيه خطواتٍ واسعة.

 

أُولى تلك الأَولويات: صَونُ الوطن والسيادة بالعمل على وقف النار الإسرائيلية المتوحِّشة، ونشر سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. وقد حقَّقْنا إنجازاتٍ مهمةً في هذا المجال بدايةً في الحفاظ على وحدة اللبنانيين، كما أثّرنا في القرار الدولي رقم 1701 بما أدَّى إلى تبنّي أكثر موادّ برنامج النقاط السبع المُجْمَع عليه لبنانياً وعربياً ودولياً. كما أوقفْنا الأعمال الحربية وتمكّنا من فكّ الحصار الجوي والبحري، وأرسلْنا الجيشَ اللبناني إلى الجنوب حتى الحدود الدولية، وحشدنا الرأي العام العربي والدولي لصالح لبنان بحيث دفع ذلك الإسرائيليين للانسحاب. ونحن جادُّونَ في العمل على حل إشكالية مسألة قرية الغجر وعلى استكمال الانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا، وفي تقوية الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأُخرى بحيث تستطيعُ القيامَ بمهامِّها على الوجه الأكمل في الدفاع عن لبنان، وحماية المواطنين والوطن، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها منفردةً ودون إبطاء بما يسهم في العودة إلى حكم القانون والنظام.

 

وثانيةُ تلك الأَولويات:الإغاثةُ وإعادةُ الإعمار. فقد قامت هيئة الإغاثة وإدارات ومؤسسات الدولة المعنية الأخرى وجهات المجتمع المدني بأعمالٍ جليلةٍ في مجالات تأمين المواطنين النازحين واحتضانهم، والاستجابة لحاجاتهم. ونحن نعملُ منذ ما قبل نهاية الحصار على صياغة الخِطط لإعادة الإعمار بدعمٍ كبيرٍ من الأشقاء العرب، ومن الجهات الصديقة والمتضامنة مع محنة الشعب اللبناني. ونحن لا نرى أنّ هذه المهامَّ العاجلةَ والضرورية للمواطنين وللوطن كافيةٌ لحلّ المشكلات الناجم عن العدوان وكذلك لحل المشاكل التي تراكمت على مدى العقود الماضية بسبب الاجتياحات والاحتلالات الإسرائيلية والصراعات الداخلية المتكررة. إنه بنتيجة هذا العدوان الأخير، أُعيدَ لبنانُ بل قذف اقتصاداً وعُمراناً وثقةً أكثر من عقدٍ إلى الوراء. ولذلك فإننا نسعى وبسرعةٍ لعقد المؤتمر العربي والدولي لمساعدة لبنان الذي يكون انعقاده استناداً إلى إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية والمنطلق من النجاح في إيجاد مُناخات داخلية ملائمة، وبما يؤدي إلى نهوضٍ تنموي ونمو مستدام، وتخفيفٍ لأعباءِ العجز والدَين، وخَلْقٍ لفُرَص العمل، وبعث الثقة لدى اللبنانيين والأشقّاء والأصدقاء بمستقبل البلاد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتنموي.

 

وثالثةُ تلك الأَولويات:صَونُ الاستقرار السياسي والتماسك الوطني، وتثبيت استقلال لبنان وحرياته وتطوير نظامه الديمقراطي. لقد أردْنا وعملْنا وحرِصْنا دائماً ومنذ تشكيل هذه الحكومة على أثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإجراء الانتخابات، على رفض الوصايات والمحاور، ورفض تحويل البلاد إلى ساحةٍ للتجاذُبات المحلية أو الإقليمية أو الدولية. إنّ هؤلاء اللبنانيين، و"ها لكَمْ أرزه العاجقين الكَون"، يستحقون دولةً مدنية آمنة وكاملةً وسيادة غير منقوصة، ونظاماً ديمقراطياً قوياً، يستطيعون فيه ممارسةَ انتمائهم العربي والوطني، واختيارَهم القويَّ والمتجدد، وحرياتِهم العامّة، ويتمكنون بالإبداع وبالحرية من صُنْع المستقبل الواعد والزاهر وتطوير ثقافة الحياة. وإذا كان هناك شيءٌ أبرزته الحربُ الأخيرة ولا يجوزُ الجدالُ فيه أو حولَهُ فهو العيشُ المشتركُ، والدولةُ الواحدةُ سلطةً وأمناً وقراراً وحرية. وقد مارسْنا ذلك في أقسى الظروف ونجحنا فيه. فقد ظلَّ مجلسُ الوزراء خلال الحرب دائمَ الاجتماع، ونجحنا أن تكون كلُّ قراراته بالإجماع. وقد تعاونتُ مع الرئيس نبيه بري، رئيس مجلس النواب تعاوناً وثيقاً وكان لذلك التعاون نتائج إيجابية باهرة على صعيد حماية التوحد الوطني والاتصالات المكثفة بما أسهم في الخروج من المآزق التي دفعنا إليها. وقد أقنعَتْ مبادراتُ الحكومة وسياساتُها خلال الحرب الإخوةَ العربَ والأصدقاء الأوروبيين والمجتمعَ الدوليَّ، بأنّ لبنانَ الشعبَ والدولةَ والنظامَ، لبنان الرسالة أهلٌ للبقاء، وأهلٌ للدعم والتأييد. والمساعداتُ المختلفة التي تدفقت على لبنان شاهدٌ على ذلك. والشاهدُ الآخَرُ القواتُ الدوليةُ التي أتت لمساعدة الجيش اللبناني في وضع سيادةِ لبنانَ على أرضه موضعَ التنفيذ.

 

 

 

 

على أنّ هذا كلَّه يحتاجُ إلى متابعةٍ واستكمال. فالإصلاحُ الإداريُّ والسياسيُّ والاقتصادي والاجتماعي ضروري. والتصدّي للملفّات العالقة لأسبابٍ مختلفةٍ ضروريٌّ ومِلحاح، ولن نتردد في السير فيها مهما كلَّف الأمر، لأنها مسائلُ تتعلقُ بوجود لبنان، وبتطوُّر لبنان، وبمستقبل لبنان.

 

لقد سَلِمت الدولةُ، وسَلِمَ الوطن. لكنّ الخسائرَ كبيرةٌ ليس في الإنسان، وفي العمران وفي الاقتصاد فقط، بل وفي السَويّة السياسية، وفي ثقة المواطنين وأملِهِمْ وعملِهِمْ. ففي الداخل اللبناني جهاتٌ وأطرافٌ لا تريد الاعترافَ بقواعد العمل السياسي في الدولة الديمقراطية. وفي الداخل اللبناني جهاتٌ وأطرافٌ تأبى التسليمَ بقواعد المشاركةِ الوطنية والدستوريةِ وشروطِها. وأخيراً وليس آخراً فإنّ هناك مُشكلاتٍ أساسيةً بالمنطقة ناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي الطويل المدى للأرض في فلسطين وسورية ولبنان. وهذا الأمر يؤثّر سلباً على لبنان منذ زمنٍ طويل في أمنه وحرياته واستقراره. ونحن محتاجون إلى مناعةٍ سياسيةٍ ووطنيةٍ لنشاركَ الأشقّاءَ العربَ مشاركة فعلية وفاعلة في مساعيهم الحالية من أجل السلام العادل والشامل في المنطقة العربية. إنّ لبنانَ العربي والسيد والحر والمستقل الآمنَ والمستقرَّ والقويَّ والمزدهِر هو الأكثرُ إفادةً لنفسه ولأشقّائه. ولا بد أن يكونَ هذا هو هدفُ العمل السياسي الوطني، أي الأمن والاستقرار والنمو والازدهار. هذا هو فهمُنا للسياسات الوطنية والقومية.

 

 

 

أيها الإخوةُ الأفاضل، أيها السادة،

 

يستحقُّ الشعبُ اللبنانيُّ، بعد الآلام الطويلة، والحروب المستَعِرة إلى فرصة. فرصةٌ للاستقرار، وفُرصةٌ للنموّ، وفُرصةٌ لبناء المستقبل. بل إنّ سائر عرب هذا المشرق المعذَّبِ يحتاجون إلى فُرصةٍ للحرية والاستقرار والنموّ. هناك هذا الاستعمارُ الطويلُ المدى في فلسطين. وهناك الوضعُ المأساويُّ في العراق. وهناك الأرض المحتلة في الجولان. وهناك الاجتياحُ الخامسُ أو السادسُ أو السابعُ للبنان. وليس صحيحاً أنّ هذا كلَّهُ ناجمٌ عن عدم إرادة العرب في التسوية السلمية، بل هو ناجمٌ عن تفشيل التسْوية، وناجم أيضاً عن حشْر الأمة العربية في الأعوام الماضية بين حربين: الحرب على الإرهاب، والحرب على ما يعتبرونه الدول الفاشلة في إدارة شأنها العام وتحسين ظروف وشروط حياة مواطنيها. وهاتان الحربان أنتجتا المزيدَ من التشدُّد، وأنتجتا المزيدَ من الاضطراب، وجعلتا من أُطروحة التسْوية السلمية في منطقتنا العربية أمراً مرفوضاً من جانبِ قسم من الجمهور العربي، وتحديداً من جانب الشبان المتحمّسين واليائسين الذين علينا أن نستعيدهم بفتح أبواب الأمل من أمامهم. هاتان الحربان فتحتا المنطقة على أَوهام مَلء الفراغ، وعلى القتال البديل، كما أضعفتا الأنظمةَ العربية المدنيةَ والأخرى المتجهةَ إلى توسيع التمثيل الشعبي وإلى الديمقراطية. وقبل ذلك وبعده، فإنّ هذه الظروفَ والشروطَ المأزقية أسهمت في تحويل الإسلام، وما يُسمَّى بالعنف الإسلامي إلى مشكلةٍ عالمية بنظر جهاتٍ دوليةٍ مؤثّرة.

 

لستُ أذهبُ هنا إلى أنّ كلَّ المُشكلات العربية ستجدُ حلاًّ شافياً إن تحررتْ فلسطين، وقامت الدولةُ المستقلةُ للشعب الفلسطيني. لكنني أجِدُ في المبادرة العربية للسلام العادل والشامل المدخَلَ الأصلَح حالياً للتصدي لكثيرٍ من المُشكلات الأُخرى التي تحتاج حقاً إلى معالجاتٍ شافيةٍ لها تستعيد لأجيالنا الصاعدة الأمل والثقة بالمستقبل. ما استطاعت إسرائيلُ تحقيقَ الأمن لنفسِها لا بالحرب ولا بأعتى الأسلحة وأشدها فتكا ولا بالاحتلال، ولا بالسُور الواقي. لكنها ما غيَّرتْ حتى الآن من قناعاتِها في اعتماد أسلوب المواجهة العسكرية يساعدُها في ذلك الدعمُ الذي لقيته وما تزال تلقاهُ من جهاتٍ كبرى في المجتمع الدولي وان كنا نلحظ بوادر تغير إيجابي في نظرة المجتمع الدولي والغربي نحو قضايا المنطقة المحقة والعادلة. إنّ هذا التحول يتطلب منا أيضاً مقاربةً جديدة واعيةً ومقدامةً لهذه المسألة نستطيع من خلالها التعامل مع المجتمع الدولي بكفاءة وندية تمكِّنُنا من التأثير فيه وتغيير توجهاته انطلاقاً من دفعه بالإقناع وبالضغط للتبصر في ماهية مصالحه الحقيقية في المديين المتوسط والطويل وبما يخدم أيضاً مصلحة العرب والمسلمين بشكل عام. لقد وضع العربُ المجتمع الدوليَّ أخيراً أمام مسؤولياتِه وذلك في ضوء جميع الدروس المستفادة من التجارب السابقة. وهم قد أكدوا على ضرورة الإسراع بتطبيق القرارات الدولية ذات الصِلة بشأن قضية فلسطين واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية، أو تستمرَّ الحربُ ويستمرَّ الاضطرابُ ويتصاعدَ التوترُ والتشددُ والإحباط واليأس وتداعيات كل ذلك في هذه المنطِقة الحسّاسة والمهمّة لأمن العالَم وتقدُّمِه.

 

أمّا النضالُ الآخَرُ والذي يكونُ علينا، نحن العربَ أن نخوضَه، فهو نضالُ المشاركة بالنمو وبالتقدم وبالأنظمة المدنية والديمقراطية في حضارة العصر وعصر العالَم المتقدم. ليس صحيحاً أنَّ الإسلامَ دينُ عنفٍ وتشدُّد، كما أنه ليس صحيحاً أنه محكومٌ علينا بفشَل التجربة السياسية في الأزمنة الحديثة، أو أننا دُوَلٌ فاشلةٌ بالضرورة. بيد أنّ هذا الانطباعَ السائدَ والظالمَ لا تُغيِّرُهُ الاحتجاجاتُ اللفظية بأشكالها كافة. بل تغيّرُهُ الرؤيةُ الأُخرى لواجباتِنا ومسؤولياتِنا تُجاه ديننا وأخلاقِنا واندماجِنا الاجتماعي، ومدنيةِ أنظمتِنا السياسية، وعلائقِنا بالآخَرِ المختلِفِ ديناً وعِرْقاً ونظاماً أخلاقياً وسياسياً.

 

إنني أذكُرُ هذا كلَّهُ في لبنانَ، وفي بيروت، لأننا أصحابُ تجربةٍ عربيةٍ رائدةٍ في العيش المشترك وفي الاعتدال وقبول الآخر، وفي الإسهام في النهوض العربي، وفي إقامة الأنظمة المدنية، وفي الانفتاحِ على العالَم من مواقع المشاركة والنديّةِ والمسؤولية. إنّ هذا كلَّّهُ هو ما أحبَّهُ العربُ عندنا وفينا، وما أمَّلَهُ العالَمُ، وليس منذ شهورٍ أو سنوات، بل منذ القرن التاسع عشر. ففي لبنانَ وبيروت قامت أولُ جامعتين حديثتين في العالَم العربي، واللبنانيون هم الذين أنشأوا الصحافةَ العربيةَ الحديثة، وأسهموا في اللغة العربية العصرية، وفي صناعة الكتاب. وقد شهدْتُ بنفسي هذا الاهتمامَ المنقطعَ النظير بلبنانَ ومصائرهِ من جانب العرب والعالَم خلال الضربات الإسرائيلية في حرب تموز. إنّ هذا الوطنَ الصغيرَ فرصةٌ نادرةٌ للعروبة الجديدة لإثباتِ نجاحِها، وفرصة للإسلام السمْح لإثبات القُدرةِ على استيعاب المشاركة الرحْبة وممارستِها، والحداثةِ وصُنْعِها، وهي الأُمورُ التي عرفتْها ومارستْها تجربتُنا التاريخيةُ نحن عربُ المشرق ولبنان من المسيحيين والمسلمين. ولهذا أقولُ وللمرةِ الثالثةِ في هذه الكلمة إنه محرَّمٌ ديناً وخُلُقاً ووطنيةً وسياسةً أن نُضيعَ فُرصةَ العيش الكريم والشريف والمزدهِر من أيدي وعيون وعقول وحياة أطفالِ هذا البلدِ وشبابِه. وهذه مسؤوليةٌ كبرى يدرك اللبنانيون أبعادها، ثم هي ثقةٌ وأملٌ عربي وأوروبي ودولي.

 

 

أيها السادة،

أيها الإخوةُ الأفاضل،

 

      أرى شباب لبنان، وأرى ثقتَهم وتضامنَهم وحبَّهُم لوطنِهم وعملَهُم من أجله وتَوقَهم لبناء المستقبل الأفضل- حيث يجب أن تسودَ سلطةُ الدولة على كامل أراضيها وتسودَ سلطةُ القانون على الجميع دون استثناء وبعيداً عن التشنجات والانزلاق في المتاهات التي يريد البعض دفع البلاد إليها- فيتجدَّدُ لديَّ الأمل، وتحضُرُ العزيمةُ لمتابعة المسيرة. العقباتُ كثيرةٌ وكبيرة، وكذلك المُشكلات. لكنّ الشعبَ اللبنانيَّ مُصمِّمٌ على البقاء، ومُصمِّمٌ على وطنه النهائي، وعيشِه المشترك، ودولتِه الواحدة، ونظامِه الديمقراطي وعلى حريته وسيادته وانتمائه العربي. على ذلك نبقى ونعمل، ونُصيبُ ونخطئ، ونتعثّر ونستقيم، لكننا لا نتوقَّفُ ولا نخافُ ولا نتنازلُ ولا نيأس ولا نجبن ولا نتردد:

 

إذا كنتَ ذا رأيٍ فكُن ذا عزيمةٍ             فإنّ فسادَ الرأي أن تترددا

 

عاشت المؤسساتُ الاجتماعيةُ موئلاً للحياة الإنسانية المزدهرة. عاشت بيروت. عاش لبنان. وكل رمضان وأنتم بخير، ووطنُنا بخير، وأمتُنا بخير:

 

"أمّا الزبَدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض" صدق الله العظيم. والسلام عليكم.

 

فندق فينيسا

يوم الثلاثاء في 10/10/2006

 

                                       رئيـس مجلـس الـوزراء

                                       فـؤاد السـنيورة

تاريخ الخطاب: 
10/10/2006